قد تتغير إيران كما قد لا تتغير. لا يمكن الرهان على تغيير في طهران على الرغم من أن الشعب الإيراني يتوق إلى ذلك.

هناك واقع جديد يتوجب على العرب التعاطي معه. يتمثّل هذا الواقع في أن هناك صفقة أميركية-إيرانية تولت مجموعة الـ5+1 تغطيتها. هذه الصفقة تمّت بالفعل. ويبقى السؤال ما حدود الصفقة، هل هي إطار يرسم مستقبل العلاقات الأميركية-الإيرانية، بما في ذلك الدور الإيراني على الصعيد الإقليمي، أي الدور الذي تطمح إليه إيران؟الأكيد أنّ إيران تستهدف التوصّل إلى مثل هذا الإطار الذي يعني، بين ما يعني، الاعتراف بها كقوة إقليمية يحق لها امتلاك نفوذ خارج حدودها، خصوصا في الشرق الأوسط العربي.

ماذا يمكن أن يعني الاتفاق- الصفقة الذي تمّ التوصل إليه في جنيف، والذي ما كان ممكنا لولا تقديم إيران تنازلات في شأن برنامجها النووي؟ كانت هذه التنازلات بمثابة اعتراف بأنّ العقوبات الدولية أثّرت بقوة على الاقتصاد الإيراني، وأن النظام بات في حاجة إلى خفض للعقوبات بما يمكّنها من الحصول على جزء من الأموال والأصول الإيرانية المجمّدة في المصارف الدولية والتي من دونها لا يمكن وضع موازنة جديدة للدولة.

هل يعني ذلك كلّه حصول تغيير في العمق، في إيران؟ ليس سهلا الإجابة عن مثل هذا السؤال. لكنّ الأكيد أن هناك سؤالا آخر من السهل الإجابة عنه وهو يرتبط بالإدارة الأميركية الحالية التي على رأسها باراك أوباما. كلّ ما يمكن قوله عن هذه الإدارة أنها جعلت أميركا تتغيّر. ليس مضمونا أن تكون إيران تغيّرت. المضمون والثابت أن أميركا تغيّرت. تتغيّر إيران عندما تُقرن الأقوال الجميلة التي يطلقها وزير خارجيتها محمد جواد ظريف بالأفعال. أي عندما تثبت أنّها تريد بالفعل التعاطي بطريقة مختلفة مع جيرانها العرب، أكان ذلك لدى استقبال طهران لوزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، أو لدى وجود الوزير ظريف في الكويت أو مسقط ثم في الدوحة وأبوظبي حيث قابل رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد، أو في هذه العاصمة العربية أو تلك… مستقبلا.

ليس سرّا أن إيران تعمل على التمدد في المنطقة مستخدمة الغرائز المذهبية، خصوصا بعد الانتصار التاريخي الذي حققته في العراق بفضل الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على هذا البلد. تعتبر إيران أن أفضل خدمة تقدّمها لما يسمى «المقاومة» هو دعم «حماس» و"حزب الله".

أين مُشكلة إسرائيل في دعم «حماس» و"حزب الله"؟، أي عندما تكون «حماس» واجهة للشعب الفلسطيني و»حزب الله» واجهة لبنان. في كلا الحالتين، يمكن لإسرائيل أن تعتبر نفسها أنها كسبت المعركة سلفا، فلسطينيا ولبنانيا.

أين مشكلة إسرائيل عندما تدعم إيران النظام الفئوي في سوريا وتساعده في ذبح شعبه؟ لا مشكلة لديها إطلاقا ما دام هدفها يلتقي مع الهدف الإيراني المتمثل في تفتيت الكيان السوري كي لا تقوم له قيامة يوما. لا مشكلة إسرائيلية أيضا مع السياسة الإيرانية في العراق والبحرين واليمن، ما دامت هذه السياسة تقوم على إثارة الغرائز المذهبية وضرب المجتمعات العربية.

قد تتغيّر إيران كما قد لا تتغيّر. لا يمكن الرهان على تغيير في طهران على الرغم من أن الشعب الإيراني يتوق إلى ذلك، وهو شعب عريق لا علاقة له من قريب أو بعيد بالنظام القائم الذي يخوض معركة البقاء.من هذا المنطلق، من المفيد عربيا إيجاد قنوات اتصال مع طهران وذلك من أجل محاولة فهم ما الذي يدور في الداخل الإيراني. ولذلك، كانت زيارة الشيخ عبدالله بن زايد إلى العاصمة الإيرانية أكثر من ضرورية. وتنمّ هذه الزيارة عن مقدار كبير من حسن النية والانفتاح والاستعداد لمقابلة أي خطوة إيجابية ومعقولة تصدر عن طهران بالمثل.

ما قد يكون مفيدا أيضا هو اقتناع العرب عموما بأن أميركا تغيّرت في العمق. وهذا التغيّر يفرض عليهم التحرّك في كلّ الاتجاهات، بما في ذلك تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وكلّ من المغرب والأردن. مثل هذه الخطوة تساعد في تعميم الاستقرار على الصعيد الإقليمي من جهة، وفي تفادي استفراد هذه الدولة العربية القليلة السكان أو تلك من جهة أخرى.

ما قد يكون أهمّ من ذلك كلّه أن على العرب بعد اليوم تفادي أي رهان على وجود سياسة أميركية على علاقة من قريب أو بعيد بالمنطق. كيف يمكن أن يكون هناك منطق في السياسة الأميركية عندما تختزل واشنطن الحرب التي يشنها النظام السوري على شعبه بالسلاح الكيميائي، وعندما يقتصر النقاش مع إيران على برنامجها النووي، في حين أن السياسة العراقية أو اللبنانية أو السورية أو البحرينية أو اليمنية لطهران أخطر من ذلك بكثير.

عندما دعم العرب الثورة المصرية، «ثورة الثلاثين من يونيو»، التي انتزعت البلد العربي الأهمّ من براثن الإخوان المسلمين، أقدموا على خطوة تعكس نضجا كبيرا. فعلوا ذلك غير آبهين بالاعتراضات الأميركية. ساعدت دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت الثورة الشعبية المصرية من دون التفات للموقف الأميركي المتذبذب الذي لا يرى مشكلة في سقوط مصر نهائيا… أي الانتهاء من الدولة المصرية ذات المؤسسات القديمة، وذات الجذور الضاربة في التاريخ.

وحده الوقت كفيل بمعرفة ما إذا كان يمكن لإيران أن تتغيّر، أي أن تصبح دولة طبيعية من دول المنطقة يهمّها الاستقرار في الخليج ورفاه شعبه. أما الإدارة الأميركية، فإن الرهان بالنسبة لها هو على الوقت أيضا… ولكن من أجل تمرير السنوات الثلاث الأخيرة من عهد رئيس لا يعرف شيئا عن الشرق الأوسط، أو ربّما يعرف أكثر من اللزوم عنه وعن كيفية ضرب ما بقي من الاستقرار فيه. الأمر الوحيد الثابت هو أنّ كلّ ما يعرفه أوباما يتمثّل في استطاعة النظام السوري قتل شعبه إلى ما لا نهاية بدعم إيراني وروسي، ولكن ليس بالسلاح الكيميائي. فالقتل بالبراميل المتفجّرة حلال والقتل بالكيميائي حرام. المهمّ أن يستمرّ القتل ما دام عرب يقتلون عربا…


نقلا عن العرب

بقلم: خيرالله خيرالله


خيرالله خيرالله