لا نعرف ما الذي دفع الرئيس التركي إردوغان خلال استقبال وفد أميركي لاتيني إلى القول إنه متأكد من أن المسلمين اكتشفوا أميركا أو القارة الجديدة قبل 500 سنة من كولومبس الذي سجل التاريخ العالم الجديد باسمه رغم أنه اكتشفه خطأ وكان يظن أنه عثر على طريق جديد إلى آسيا وسمى سكانها الأصليين خطأ بالهنود رغم أنهم ليسوا هنودا.
إردوغان سياسي صاحب مزاج انفعالي يجعله دائما في دائرة الضوء الإعلامية بسبب ردود فعله التي تأخذ طابعا معينا، في أحيان.

على بعض الأحداث، لكنه ماهر أيضا في إطلاق التصريحات المثيرة التي تخلق عناوين جدلية وهو أمر يحبه الإعلام، ولذلك انتشرت تصريحاته هذه عن اكتشاف أميركا شرقا وغربا بصرف النظر عما إذا كان هو حقيقة يعتقد فيها أو أنها من قبيل الإبهار وجذب الأضواء فقط بصرف النظر عن المضمون.

لا يوجد شيء ثابت تاريخيا قبل كولومبس حول اكتشاف القارة أو أن أحدا استطاع عبور ما كان يطلق عليه بحر الظلمات، أو المحيط الأطلسي الشاسع نظرا للاعتقاد قبل القرون الوسطى بأن بعده نهاية العالم، لكن ليس هناك شيء مستبعد أيضا، فقد يكون آخرون بما في ذلك مسلمون قد وصلوا بشكل أو آخر.

فهناك روايات عن وصول مكتشف من آيسلندا والفايكنغ إلى هناك قبل كولومبس بمئات السنين، لكن في نهاية الأمر فإنها تبقى مجرد حكايات قد يكون لها أصل تاريخي أو قد لا يكون، بينما الثابت هو من الذي استفاد من الاكتشاف أو الأرض، وليس هناك أي فائدة من القول بأن المسلمين اكتشفوها قبل كولومبس سوى محاولة إرضاء النفس، وهم في كل الأحوال مستفيدون من اكتشاف كولومبس.
لقد عمل كولومبس لصالح ملك إسبانيا التي كانت وقتها مهووسة بالتبشير وحروب دينية لنشر الكاثوليكية، وحصلت المملكة الإسبانية على ثروات ضخمة من العالم الجديد الذي تضرر سكانه الأصليون من القادمين من العالم القديم بعد عزلة طويلة جعلتهم عرضة لأمراض فتاكة نتيجة افتقادهم للمناعة إزاء الفيروسات والأمراض التي جاءت عبر البحر والسفن.
كانت إسبانيا مهووسة بالذهب فحصلت على كميات ضخمة منه جعلتها أغنى إمبراطورية في العالم لفترة من الوقت، فسددت ديونها، لكنها أنفقت الكثير من الثروة الجديدة وبددتها في الحروب الدينية.

بينما كانت القوى الاستعمارية الأخرى المنافسة في أوروبا تستثمر ما كانت تحصل عليه من العالم الجديد في الإنتاج والتجارة ما أدى إلى مراكمة الثروة وأصبحت الأخيرة أقوى وأغنى، بينما لم تستفد الدولة التي مولت البعثة الاستكشافية مثل الآخرين.
جاء الكثير من الذهب والفضة من العالم الجديد بعد اكتشاف كولومبس له، لكن يقال: إن هناك ما هو أثمن من الذهب جاء من القارة الأميركية، وهي محاصيل غذائية لم تكن معروفة في أوروبا أو بقية العالم من قبل مثل البطاطس التي دخلت عمليات الزراعة الواسعة في القرن الـ16 تقريبا، وأصبحت تشكل الآن خامس أهم سلعة غذائية بعد القمح والذرة والأرز وقصب السكر.

وأنقذت في إحدى الفترات بلدانا أوروبية من المجاعة، كذلك جاءت الطماطم من هناك، ومحاصيل أخرى أمكن زراعتها.
ولا بد أن تكون حركة تجارة هذه المحاصيل الجديدة واستزراعها وإنتاجها المتجدد موسميا على مدار قرون قد درت ثروات تفوق قيمة الذهب بعشرات المرات، ولعبت هذه البطاطس دورا مهما في الثورة الصناعية نظرا لسهولة الزراعة وطول مدة صلاحياتها وتحولها إلى غذاء رئيسي لعمال المدن في فترة توحش الثورة الصناعية.

كل هذا أصبح تاريخا فيه الكثير من الدروس التي يمكن الاستفادة منها مثل من استثمر الثروة، ومن أهدرها، وكيف اندحرت شعوب وصعدت أخرى على حسابها.

وليس هناك من فائدة في محاولة إعادة كتابة التاريخ، فالتاريخ يجب أن يقرأ كتاريخ فقط بينما الأهم هو النظر إلى المستقبل وليس إلى الخلف دائما للبحث عما ضاع، أو لم يفعل، فالمثل العامي يقول ما فات مات! والحضارات تبنى بالتطلع إلى المستقبل.
كيفية قراءة التاريخ هي إحدى مشاكل منطقة الشرق الأوسط التي من الطبيعي أن يكون سكانها مولعين بالتاريخ، فقد نشأت فيها حضارات تعد الأقدم في التاريخ المكتوب، ومنها خرج الحرف والكتابة، والكثير من العلوم، كما أنها كانت مهد الأديان السماوية الثلاثة. ومثلها مثل كل حضارات العالم كانت لها فترات صعود وهبوط لها أسبابها.

لكنها أيضا لديها مشكلة في طريقة قراءة التاريخ فعندما تكون هناك ثقة في النفس وفي القدرة على صناعة المستقبل يقرأ الناس التاريخ من قبيل التعلم والاستفادة من الدروس التي مر بها السابقون.

وليس لنتقاتل عليه الآن من جديد، أو نبكي فرصا ضاعت قبل قرون. لقد اكتشفت أميركا وشبعت اكتشافا، ومر تاريخ طويل حافل بالأحداث تغيرت فيه خرائط وعوالم سياسية ولا يحتاج الأمر إلى إعادة اكتشافها من جديد.

نقلا عن الشرق الأوسط

بقلم: علي ابراهيم

نشر في 18 نوفمبر 2014، العدد13139، ص( 14).

علي إبراهيم