أوباما وبايدن.. حان أوان حزم الحقائب

في مواجهة الأسئلة والتشكيك في قيادته وفي استراتيجيته بعد المجزرة التي أوقعت 14 قتيلا في سان بيرناردينو بولاية كاليفورنيا، توجه أوباما بخطاب إلى الأمة الأميركية ألقاه من المكتب البيضاوي قال فيه إن “التهديد الإرهابي حقيقي ولكننا سننتصر عليه. وسنقضي على تنظيم الدولة الإسلامية”، لكن لا يبدو أن أوباما، الذي وعد سابقا ومن نفس المكان، الأميركيين بالانسحاب من أفغانستان والعراق، نجح في إقناعهم بوعوده.

 

واشنطن – قدم الرئيس الأميركي باراك أوباما أقوى دفاع له عن استراتيجيته للتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية إلا أنه لم يطرح أي تغيير في السياسة الأميركية لمواجهة ما وصفه بـ”بمرحلة جديدة” في التهديد الإرهابي، على خلفية حادث إطلاق النار الذي وقع في سان برناردينو بولاية كاليفورنيا الأسبوع الماضي، وذهب ضحيته 14 شخصا، فيما تبيّن أن منفذي العملية باكستانيان على علاقة بعناصر إرهابية.

 

وقال خبراء ومراقبون إن خطاب الرئيس، الموجّه إلى الأمة الأميركية، بدا وكأنه محاولة تهدئة للجماهير التي ارتفع في صفوفها منسوب القلق، وبدأت تشكّك في سياسة بلادها في الحرب التي تقول إنها تخوضها ضدّ الإرهاب.


وقد بيّنت ردود الفعل، التي أعقبت خطاب الرئيس النادر، الذي ألقاه من البيت الأبيض، فشله في إسكات المنتقدين الذين يتهمونه منذ فترة طويلة بالتقليل من شأن قوة المتشددين وقدرتهم على الاستمرار.


وتعهّد أوباما، في ثالث خطاب له إلى الأميركيين من المكتب الأبيض منذ وصوله إلى الرئاسة قبل سبع سنوات، بـ “القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية”، دعيا المسلمين في الولايات المتحدة والعالم إلى التصدي “للفكر المتطرف”، ومطالبا شركات التكنولوجيا بالانضمام إلى المعركة ضد الجهاديين عبر مساعدة أجهزة الأمن في رصدهم واعتقالهم.


واستغل أوباما كلمته، التي استمرت 14 دقيقة وأذاعها التلفزيون ليوضّح ما سيفعله وما لن يفعله. وتعهد على سبيل المثال “بملاحقة المتآمرين الإرهابيين” في أي مكان ولكنه أصرّ على أنه “يجب ألا ننجر مرة أخرى إلى حرب برية طويلة ومكلفة في العراق أو سوريا”.


وتأتي كلمة الرئيس الأميركي وسط ضغط متزايد من الجمهوريين وبعض الديمقراطيين من أجل رد أقوى على تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن أثار هجوم سان برناردينو مخاوف الأميركيين من شن مزيد من الهجمات داخل البلاد. وانتقد جمهوريون بمن فيهم مرشحون محتملون عن الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية كلمة أوباما.



هارلن أولمان: من المتوقع أن يكرر أوباما أخطاء جونسون التي أدت إلى الهزيمة في فيتنام


وقال ماركو روبيو، عضو مجلس الشيوخ الذي يسعى للفوز بترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة التي ستجرى في نوفمبر 2016، “الناس خائفون ليس بسبب هذه الهجمات وحسب وإنما أيضا بسبب الشعور المتزايد بأن لدينا رئيسا مرتبكا تماما بسببها”.


وزاد من ورطة الرئيس الأميركي تزامن خطابه، مع الذكرى الـ74 للهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربور (7 ديمسبر 1947)، حيث يذكر الأميركيون أباما بعواقب القراءات الخاطئة، مؤكّدين أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية تحتاج استرتيجيات فاعلة وليس شعارات.


ويرون أن استراتيجية أوباما لهزيمة داعش ستطيل الأزمة إذا استمرت في تتبع التمشي الحالي.


وذكّر المعارضون الرئيس بخطابه الذي ألقاه قبل حوالي عام، وحدّث فيه الشعب الأميركي عن عزمه “إضعاف” تنظيم الدولة الإسلامية و”في نهاية المطاف تدميره”؛ لكن يبدو أن إدارة الرئيس الأميركي أساءت تقدير الوضع على حد تعبير توني بلينكن، نائب وزير الخارجية الأميركية الحالي، والذي شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي.


واعترف بلينكن أن الإدارة الأميركية أخطأت حين اعتبرت أن تنظيم الدولة الإسلامية، على عكس القاعدة، لا يركّز على مهاجمة الأراضي الأميركية، مشيرا إلى أنه تم وضع استراتيجية محاربة تنظيم الدولة الإسلامية على فرضية خاطئة، وهي أنه يركّز على إقامة الخلافة في العراق وسوريا وليس على شن هجمات داخل الولايات المتحدة.


وأضاف “للأسف، ليست هذه هي المرة الأولى التي تخطئ فيها الإدارة الأميركية التقدير. ففي عام 2009، اعتقدت إدارة أوباما أن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية يركز على الهجمات الإقليمية وليست لديه مصلحة في مهاجمة الأراضي الأميركية. ثم، في يوم الميلاد، أرسل التنظيم أحد الإرهابيين لتفجير طائرة نورث ويست آيرلاينز فوق مدينة ديترويت.


ولحسن حظ الإدارة الأميركية، تعطلت القنبلة. ولو لم يكن ذلك، لقتل المئات من الأميركيين. وفي أعقاب ذلك الهجوم، اضطرت الإدارة إلى أن تعترف بأنه تم القبض على الإرهابي على حين غرة ولم تكن تدرك أن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وجه نيته وقدرته إلى ضرب الأراضي الأميركية؛ حيث جاء في تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في شهر مايو عام 2010 أن المحللين الاستخباراتيين ركزوا في المقام الأول على تهديدات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية للمصالح الأميركية في اليمن، بدلا من التركيز على التهديدات المحتملة على الداخل الأميركي”.


والآن، عندما يتعلق الأمر بتنظيم الدولة الإسلامية، يبدو أن هذا الخطأ يتكرر، ومع ذلك يصر الرئيس أوباما على أن “الاستراتيجية التي نتبعها هي الأنجع”، الأمر الذي يعزّز مواقف خصومه ليزيدوا من مخاوف الأميركيين بما يدفعهم إلى الإدلاء بتصريحات معادية ومناهضة لاستقبال لاجئين جدد، بل ومعادية أيضا للمسلمين في الولايات المتحدة، وهم الضحايا الحقيقيون لكلّ ما يجري.

 

في مأزق مع تنظيم داعش

تؤكّد تصريحات بلينكن، اعترافات جون برينان مدير السي أي إيه، الذي ألمح، خلال كلمة ألقاها في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن إدارة أوباما استخفت بتهديدات الدولة الإسلامية ليصبح تأثيرها فتاكا.


يؤكد فريق أوباما أن الاستراتيجية المعتمدة أدت إلى “تقليص” أراضي تنظيم الدولة الإسلامية والحد من قدراته واهتزاز قيادته، وذلك من خلال العمل مع التحالف الدولي لمكافحته. لكن رغم هذه الاستراتيجية، لم يشهد تنظيم داعش تراجعا، بل إن الجنرال راي أوديرنو، قائد الجيش الأميركي الذي تقاعد موخرا، قال للصحافة إننا في “مأزق” مع تنظيم الدولة الإسلامية.



 

العودة إلى المربع الصفر

بناء على هذه التصريحات، جدّد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حملة انتقاداته لسياسة البيت الأبيض في سوريا معتبرا أنها “لا تملك استراتيجية واضحة” هناك، خاصة في ظل تنامي الفضائح السياسية الداخلية التي أشرت على توفر دلائل كبيرة لتلاعب القادة العسكريين الكبار في التقارير الاستخباراتية حول حقيقة الحرب الميدانية لتخدم مزاعم القادة السياسيين بمراكمة انتصارات وهمية.


وبينما شبّه المركز “ادعاءات واشنطن بقتل وهلاك عدد كبير من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية بأنها مضللة أكثر من المزاعم إبان الحرب الفيتنامية، وكذلك الأمر في ما يخص الزعم باستعادة السيطرة على مناطق جغرافية”؛ استحضر معهد المشروع الأميركي لأبحاث السياسة العامة العقبات التي واجهت الرئيس ابراهام لينكولن لإخضاع انفصال الولايات الجنوبية إبان الحرب الأهلية الأميركية، في محاولة للتخفيف من حدة الانتقادات الموجهة للبيت الأبيض، لافتا إلى أن “قتال تنظيم الدولة الإسلامية ليس جولة حرب عادية وينبغي إيجاد السبل الضرورية لتعزيز فعالية القوات العسكرية في ظرف زمني مناسب”.



ماركو روبيو: الناس خائفون بسبب الشعور المتزايد بأن لدينا رئيسا مرتبكا تماما

 

اعتبر المراقبون أن أبرز مفارقة في خطاب أوباما، تكمن في أن أول خطاب ألقاه أوباما من المكتب البيضاوي، عند توليه الرئاسة في يناير عام 2009 تحدّث عن انسحاب الولايات المتحدة من العراق وأفغانستان؛ ثمّ وفي ثاني كلمة ألقها، من نفس المكان، في أغسطس 2010، أشاد بانتهاء العمليات القتالية الأميركية في العراق؛ ليلقي، وهو على مشارف مغادرة البيت الأبيض، خطابا ثالثا، ينسف ما جاء في الخطابين الأولين، ويعكس تورطا أميركيا أكثر في صراعات منطقة الشرق الأوسط والحرب على الإرهاب.


ودفعت هذه المفارقة هارلن أولمان، كبير الباحثين في المجلس الأطلسي ومستشار وزير الدفاع الأميركي السابق، إلى إجراء مقارنة بين ورطة الرئيس ليندون جونسون في حرب فيتنام وورطة الرئيس باراك أوباما مع الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية. فمن وجهة نظره لم توجد أوجه شبه بين سياسة الرئيس جونسون في فيتنام ووعد الرئيس باراك أوباما بأنه سوف يعمل على “تدمير الدولة الإسلامية”. ولم يتمكن جونسون من إيجاد حل للتناقض بين رغبته في إنهاء حرب فيتنام وعدم قدرته على تحقيق النصر فيها.


وتمثل الحل الوسط المأساوي في عملية التصعيد التدريجي التي أدت إلى مقتل أكثر من 58 ألفا من موظفي الخدمة الأميركيين وعدد لا يحصى من الفيتناميين. وفي مطلع عام 1968، ونتيجة حالة من الذهول جراء الحرب، أبلغ الرئيس جونسون الشعب الأميركي أنه لن يرشح نفسه لولاية ثانية؛ وفي حالة أوباما، فإنه تجنّب هذا الإخراج، لأنه ليس بإمكانه الترشح لولاية جديدة.


ومع ذلك، أصبح الرئيس في حالة دفاع باهتة لوضع استراتجية لا فائدة ترجى منها، والأسوأ، يبدو أن ليس هناك استعداد لقبول إخفاقات بديهية لإلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية. ويشير أولمان إلى أن عدم القدرة على التوفيق بين التناقضات التي أدت إلى الهزيمة في فيتنام هي ذاتها التي تعاني منها الولايات المتحدة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.


وتحت وصف “مستقبل غامض لاستراتيجة أوباما”، توقّع أولمان الأسوأ، وهو أن يكرر أوباما أخطاء جونسون التي أدت إلى الهزيمة المذلة في فيتنام؛ مشيرا إلى أنه لن يتم تنصيب الرئيس المقبل إلا بعد 14 شهرا آخر. وسوف يستغرق تشكيل الإدارة الجديدة ما لا يقل عن ستة أشهر إلى 12 شهرا، حتى تكون قادرة تماما على التعامل مع الأزمات والصراعات التي تواجهها، خصوصا الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، والانتظار لمدة عامين مدة طويلة.

 

نقلاً عن جريدة العرب اللندنية

 

[نُشر في 08/12/2015، العدد: 10121، ص(7)]