هدوء الأوضاع في المنطقة خلال هذه الفترة أمر يقود للكثير من التساؤلات المشروعة عن الأسباب، فالحراك غير الطبيعي الذي أحاط بالمشكلة السورية في الفترة الماضية من جانب المجتمع الدولي  والمتزامن مع اشتداد وطأة القتال في الميدان كان ينذر بأن الحل قد بات وشيكاً، غير أن الغرب المنشغل في هذه الفترة باحتفالات أعياد الميلاد، تراخى قليلاً عن القضية إلا من خلال التصريحات المتناثرة هنا وهناك، ولكن الغريب في الأمر ليس تراخي الغرب عن القضية، وإنما تراخي أحداث القضية نفسها، وأيضاً الخمود النسبي الملاحظ في وتيرة المعارك.

 

العديد من المحللين والمراقبين ربطوا بين الجماعات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم داعش الأكثر خطورة، وبين محاربيه من دول الغرب، وذهب بعضهم للتحليل بوجود روابط سريّة متينة رغم الأحداث القليلة المتفرقة التي تم تحميله نتائجها في فرنسا وبلجيكا وأميركا، فالولايات المتحدة ظلّت تحاربه لأكثر من عام، وتقصفه قصفاً مكثفاً، ولكنها في خاتمة المطاف قالت في تقريرها العسكري إن هزيمته تتطلب سيلاً من السنوات لا يقل عن عدد أصابع اليد الواحدة.


فرنسا التي أخذتها العزّة بقوّتها وقادها انفعالها الطاغي بعد الأحداث التي تحدّت الأمن الباريسي وكادت تغلق منافذ الشنغن، قالت إنها وجّهت ضربات موجعة للتنظيم في العراق وإن طائرات الرافال لم تترك مركزاً لداعش إلا وجعلته كالهشيم، وبلغ بها الغضب أن سيّرت شارل ديجول، أكبر قطعها الحربية إلى المنطقة وهي تتوعد بتسوية داعش بالأرض، بينما بريطانيا التي استطاعت حكومتها إقناع مجلس العموم بالمشاركة في هذا الكرنفال الدموي الغامض، قالت إن طائرات التورنيدو قصفت مراكز القيادة والسيطرة والتحكم للتنظيم، بينما روسيا التي لم تترك طائرة سوخوي بمطاراتها العسكرية إلا واقتادتها إلى سوريا لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي كما أعلنت في مختلف تصريحاتها، لازالت تقصف يومياً وبجنون شديد، فمعظم دول الغرب شاركت في مكافحة داعش كما هو متداول في أجهزة الإعلام، ولكن ما النتيجة حتى الآن؟؟ أليست العبرة الحقيقية تكمن في المآلات والنتائج؟ فإلى أيّة نتيجة وصلت الأمور؟؟؟


روسيا في بداية دخولها قالت: إن تنظيم داعش ليس سوى وهم اخترعته أميركا، ومع ذلك ناقضت نفسها وقالت إنها لازالت تستهدف مفاصل قوّته بطائراتها التي تبنّى إسقاط واحدة مدنية منها في سيناء مصر، أما تركيا فقد رأت كمون محاربة داعش في احتلالها جزء من الأراضي العراقية رغم أنف حكومة العبادي الذي أنكر كاذباً أو صادقاً أيّ تنسيق مسبق بينه وبين الطاغية أردوغان على دخول جيشه أرض العراق، بينما روسيا انصرفت عن الحديث عن مغامراتها السورية في قتال داعش، إلى تأديب تركيا المشاغبة التي أسقطت إحدى هذه الطائرات بإيعاز أميركي ورفضت الاعتذار والتعويض وقالت للدبّ الروسي أن يركب أعلى ما بخيله، فاختار خيول الاقتصاد، وأمسك بشرايين الصادر التركي الوارد لروسيا ما جعل الرئيس العثماني الأهوج يطالب موسكو بالتراجع نظير لا شيء.

 

ورغم هذه الجعجعة الدولية الكبيرة، فإننا لا نجد أثراً لطحين يُذكر، فتنظيم داعش لازال يمارس إعداماته التلفزيونية المريعة، ولازال يتحكم بمساحات وافرة من الأراضي السورية، ولازال يملك صوتاً عالياً في ليبيا، ولازال أفراده قادرين على تبنّي التفجيرات في باريس وإطلاق النار في أميركا، ولازال يضع يده بطريقة أو بأخرى على بعض أجزاء العاصمة البلجيكية، ولازال يملك القدرة الكافية لتهديد الدولة التونسية، وتفجير المساجد في عدد من دول الوطن العربي.

 

الحرب على داعش إذا لم توقف تمدده، وداعش كأنما أعلن هدنة صامتة حتى يفرغ المجتمع الغربي من التّمتع ببانويل وتزيين مختلف مواقعه بشجرة الميلاد! بالرغم من أن التنظيم الذي أعلن ما يتوهمه دولة للخلافة الإسلامية، لم يراع دماء المسلمين، ولم تتوقف اعتداءاته عليهم في رمضان وعيدي الفطر والأضحى.


مركز المزماة للدراسات والبحوث

23 ديسمبر 2015