سارع النظام الإيراني فور سقوط النظام العراقي إلى تنشيط المشروع الفارسي القديم بعدة اتجاهات وطرق، تبنى الحرس الثوري الإيراني أخطرها في صناعة جماعات وتنظيمات إرهابية لحقن الجسد العربي بالفتن والوهن عن طريق إشاعة الفوضى والاقتتال وبث روح الطائفية، ورصد من أجل ذلك مئات المليارات لتحقيق أعلى نسبة نجاح لهذا المشروع، في حين عملت العمائم والملالي في اتجاه الخطابات الشعبوية والدينية على نشر فكر أيديولوجي يصل العقل بأسمى صور السعادة والمتعة بأسلوب ممنهج موروث من مخطط أعده المرشد الإيراني الأول الخميني بمساعدة عدد من أجهزة الاستخبارات الغربية للقضاء على إمبراطورية الشاه محمد رضا بهلوي، وتحركت ماكينة الإعلام الإيراني في اتجاه آخر لدعم تلك الأيديولوجية الملالية وشق الصف العربي في إطار “البروباغندا” التي حدد معالمها بيت المرشد الإيراني ويسيطر عليها الحرس الثوري والأجهزة الأمنية.

ويمكن اعتبار فترة حكومة محمود أحمدي نجاد التي همشت أي صوت معارض أو مراقب، والتقى فيها الأشران، حكومة متشددة تدعم نظاما متشددا، وحظيت بدعم الحرس الثوري؛ بأنها مرحلة انتقال نوعي في استراتيجية النظام الإيراني لدعم الإرهاب وتصدير الثورة وتنفيذ المشروع الصفوي، لما لها من خصوصيات فتحت شهية النظام على العمل الميداني في البلدان العربية بعد سقوط صدام في العراق والسماح لإيران بالتمرد في أفغانستان واتفاق الحكومة والنظام في طهران على استغلال الأوضاع ورصد الثروات من أجل هذا المشروع الطائفي، فبدأ بالفعل العمل الإيراني يتحرك علانية تحت غطاءات مخادعة منها دعم المقاومة الإسلامية وحماية الأماكن المقدسة.

وما قبل فترة نجاد وخلالها أيضا كان معظم النشاط الإيراني في تصدير الثورة يصب في دائرة التجسس ونشر التشيع، من خلال اختراق الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للهيئات الدبلوماسية والجمعيات الخيرة الإيرانية كجمعية الهلال الأحمر الإيرانية، لتتحول السفارات والقنصليات وملحقيات والمراكز الإيرانية المنتشرة في الدول العربية إلى أوكار تجسس ومدارس تشيع ومراكز تأسيس جماعات معارضة والتدريب على صناعة المتفجرات، ما أجبر بعض الدول العربية على إغلاق هذه الملحقيات والمراكز الإيرانية وطرد العاملين فيها حفاظا على أمنها القومي كما فعلت السودان والبحرين والسعودية وعدد من دول العالم.

وبعد أن رصد النظام الإيراني مليارات الدولارات وسخر ثروات وموارد البلاد لمشروعه الصفوي، بدأ يدعم الجماعات الإرهابية علانية، حيث خصص نحو 800 مليار دولار من عوائد النفط وثروات البلاد في فترة نجاد التي همش فيها صوت التيار الإصلاحي والمعتدل والذي لا يختلف مع فكر النظام إلا في مطالبته بفتح علاقات مع الخارج، وتخصيص جزء من الأموال لتنمية الداخل، ما فسح المجال إلى تخصيص هذه المبالغ للمشروع الفارسي وإهمال الداخل والعملية التنموية دون صوت معارض.

هذا المبلغ كشف عنه أحد رموز النظام الإيراني، هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، حين تساءل في الكلمة التي ألقاها أمام حشد من النخبة العلمية والجامعية من إقليم “کهگیلویه وبویراحمد” والناشطين الثقافيين والسياسيين في مواقع التواصل الاجتماعي من مدينة قم ومازندران وأصفهان، عن تبديد رموز حكومة نجاد لمبلغ 800 مليار دولار، وأعرب رفسنجاني عن غضبه من المنتقدين لحكومة روحاني متهمهم بالعمل بهدف عرقلة الجهود الحكومية، وهاجم رفسنجاني حكومة محمود أحمدي نجاد وتساءل عن تبديد ما بين 700 إلى 800 مليار دولار عوائد نفطية خلال فترة عمل الحكومة، كما أكد أن دعاية الحكومة السابقة (حكومة نجاد) في إيجاد نحو 2 مليون فرصة عمل سنويا عارية عن الصحة مؤكدا أن معظم مشاريع البنية التحتية لم تكتمل، وظلت على الورق فقط.

وتجدر الإشارة إلى ضلوع الحرس الثوري وذراعه الخارجي فيلق القدس في كافة ملفات الفساد الكبرى التي تم الكشف عنها مؤخرا في إيران، ما يعني أن الأموال التي تم اختلاسها وسرقتها من جيوب المواطنين في قضايا عدة أهمها: قضية بابك زنجاني التي قدر الرئيس الإيراني حجم ما تم سرقته فيها نحو 3.5 مليار دولار، وقضية اختلاس 8 آلاف مليار تومان من صندوق ادخار التربويين، وغيرها … إضافة إلى تورط الحرس الثوري بتجارة المخدارت والأسلحة، جميع هذه الأموال المنهوبة والمسروقة والتي لا علم للشعب وحتى الحكومة بها قد تم تخصيصها لتنفيذ مشروع المد الصفوي الذي يبدأ بتصدير أفكار الثورة الخمينية من خلال تجنيد العملاء وصناعة الجماعات الإرهابية.

وهذه النتيجة تعني ربط تفشي الفساد في إيران بمصير المشروع الفارسي الصفوي وتمدد إيران في المنطقة ودعمها للإرهاب، والذي أهدر من أجله النظام الإيراني مئات المليارات واحتكر له ثروات البلاد، وربط مصير هذا المشروع بمصير بقائه، لذا أصبح من غير الممكن مكافحة الفساد في إيران لأن ذلك يعني سقوط النظام الإيراني وإيقاف المشروع الفارسي الذي أصبح من مهددات استمرارية نظام الولي الفقيه، وهو ما يبرز أهمية معالجة الفساد في إيران واستماتة النظام على التستر على حجمه، لما لمكافحة الفساد في إيران من نتائج إقليمية إيجابية أهمها تحجيم التدخلات الإيرانية، وخفض الدعم الإيراني للجماعات الإرهابية وإخماد نيران الفتنة والاقتتال في الدول العربية غير أنها ستشتعل في الداخل الإيراني المشبع بالأزمات والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي خلفها الفساد وتدخلات إيران في المنطقة ودعمها للإرهاب.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

8 يناير 2017