لكل حكم مستبد حزمة من الطرق الميكافيلية التي ينتهجها لتثبيت سيطرته وتأمين دائرة داعمة له، أبرزها شراء الولاءات كأبرز طرق حماية الأنظمة والسلطات غير الشرعية، وسرعان ما يبدأ أي حكم فاقد لقاعدة شعبية وصفة شرعية تدعمه فور تسلمه زمام الأمور عن طريق انقلاب عسكري أو ركوب ثورة وسرقتها، بالبدء بمنح الهدايا والأموال وتقديم المناصب والصلاحيات لعدد من المقربين وأصحاب النفوذ لضمان وجود حلقة تدعم الحكم وتقضي على المعارضة، ما يفسح الطريق لتفشي الفساد بكافة أشكاله.

الآن، وبعد مرور سنتين ونصف من الإنقلاب الحوثي على الشرعية، تكاد جماعة الحوثي الإنقلابية تكون قد استنزفت كافة الطرق في تثبيت سيطرتها والاستمرار بانقلابها ولكن دون جدوى، فمن تجنيد الأطفال وتنفيذ العمليات الإرهابية والتعاون مع الجماعات المتطرفة وتلقي كافة الدعم من النظام الإيراني إلى شراء الولاءات عبر تقديم الإموال والمناصب واستشراء الفساد بكافة أشكاله في المناطق التي تخضع لسيطرة المتمرد الحوثي، والنتيجة مازالت تقهقر الإنقلاب وتقدم الشرعية.

وفي الوقت الذي يعيش فيه الشعب اليمني أصعب الظروف وأقسى الأوضاع نتيحة إصرار الإنقلابيين على السيطرة بالقوة على البلاد، يتنعم قادة وعناصر الحوثي بأموال الشعب بالنهب والاختلاس وإعطاء الحق لأنفسهم في رواتب عالية، وهي سياسة العقل الحوثي المستمد من عقلية نظام الملالي في طهران بالاعتماد على شراء الولاءات لضمان بقاء الحكم والسيطرة على مفاصل البلاد.

 منذ قرار الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي القاضي بنقل مقر البنك وإدارة عملياته إلى عدن، استشرى الفساد بشكل واضح في أوساط المؤسسات التي يسيطر عليها الحوثي الذي حول البنك إلى أداة بيد تجار السوق السوداء، غارقا بالفساد، ولا تزال جماعة الحوثي تستخدم سيطرتها على مؤسسات الدولة لتدميرها واستنزاف ما تبقى من الأموال والموارد ونهب الأموال العامة وسرقة أموال المؤسسات الحكومية، ويقوم من عينتهم جماعة الحوثي على المصارف بتقديم صرف مبالغ على أخرى مقابل رشاوى بمبالغ كبيرة تصل إلى ملايين الريالات، وينتشر الفساد في معظم إدارات البنك مع غياب أي مسؤول معين من الحكومة الشرعية ومغادرة المحافظ السابق ونائبه، وتدور حاليا مخاوف من قيام الإنقلابيين بالعبث باحتياطيات العملات الصعبة بالداخل والتي تقدر بحوالي 200 مليون دولار من عملات مختلفة، أو التصرف فيها لصالح فتح اعتمادات لتجار السوق السوداء للوقود، وكانت سيطرة الإنقلابيين على صنعاء ومؤسسات الدولة المالية قد تسببت في اهتزاز الثقة تجاه الجهاز المصرفي والوضع الاقتصادي بشكل عام، بسبب ضيق أفق الحل السياسي والنظرة التشاؤمية لمستقبل التنمية.

إضافة إلى الحرب المالية التي تشنها جماعة الحوثي على الشعب اليمني ومؤسسات الحكومة الشرعية، فقد استخدم الإنقلابيون القمع والعنف والقوة ضد من يخرجون للمطالبة بحقوقهم المشروعة، منها الراتب الشهري، ويتعرض الأكاديميون بصورة مستمرة للاعتداء والضرب وإشهار السلاح في وجوههم والتهديد بالتصفية الجسدية، والتخوين والقذف بكلمات وعبارات مسيئة كلما طالبوا بمرتباتهم الشهرية، الأمر الذي أدى إلى إضراب عام شامل في جامعة صنعاء، ردت عليه جماعة الحوثي بالقمع والتهديد.

ويشير الوضع المتردي في المناطق التي يسيطر عليها الحوثي، إضافة إلى بروز قلق شعبي من استمرار تداعيات الانقلاب إلى وجود رغبة وترتيبات قبلية في مواجهة الحوثي وأتباع المخلوع صالح الانقلابيين، وهو ما عبر عنه شيخ قبيلة وائلة اليمنية مصلح بن الأثلة، الذي أكد وجود مجموعة من المشايخ في صعدة تسعى إلى توضيح الأدوار المطلوبة من كل منهم، حيث يوجد رغبة من قبل الجميع بتحمل المسؤولية، وناشد شيخ قبيلة وائلة كل القبائل في صعدة واليمن للوقوف إلى جانب الشرعية، وتوحيد الصف لإبعاد هذه الشرذمة التي عملت على هدم القبائل، وأدخلت الذلة على العزة في إطار سعيها للذهاب باليمن إلى الهلاك.

ودعما لهذه الجهود، عمل شيخ قبيلة عاصمة عمران عبد الرحمن الصعر على إبراز الدور السلبي الذي لعبه المخلوع في تغيير ولاءات القبائل وخلخلة ترابطها وغرس البغضاء بين أبنائها، وأشعل فتيل الفتنة بينها، وهمش دور المشايخ، وقام بشراء الولاءات والذمم طوال فترة سيطرته على اليمن، ما أدى إلى تفكيك النسيج الاجتماعي للمجتمع، وأعرب الصعر عن تفاؤله بعودة كثير من القبائل إلى الانضمام للشرعية والانشقاق عن المتمردين، بعدما تبين لهم خداع الانقلابيين وحقيقة أهدافهم.

هذه التداعيات الجديدة، وما تحققه قوات التحالف العربي بقيادة السعودية ودولة الإمارات من انتصارات شلت تحركات الحوثي وحدت من تمردهم وألحقت بهم الهزائم والانكسارات؛ تشير بما لا يدع مجالا للشك فيه إلى أن جبهة جماعة الحوثي الداخلية قد بدأت بالفعل بالتصدع والتفكك والاتجاه نحو الهزيمة العسكرية والسياسية، وخاصة في ظل اقتراب قوات الجيش الوطني اليمني من معاقل الحوثيين بصعدة، والحديث عن اقتراب تحرير صنعاء وتطهيرها من جرثومة الحوثي والمخلوع صالح.

وتتحدث المؤشرات الأولية عن وجود نية بالنهوض في وجه الحوثي يتبعه انشقاقات كبيرة ليس فقط على مستوى الحاضنة القبلية والشعبية، بل على مستوى قيادات كبيرة من الصف الأول وعناصر مقاتلة رأت عدم جدوى انقلابهم ضد الشرعية وارتكابهم للجرائم الإنسانية في حق الشعب اليمني، وقد بدأت إرهاصات هذا النهوض مع إعمال حالة الإضراب في عدد من المؤسسات التعليمية والأكاديمية منها جامعة صنعاء وخروج مظاهرات واحتجاجات شعبية للمطالبة بحقوقهم التي عبثت بها جماعة الحوثي والمخلوع صالح.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

11 يناير 2017