لا شك أن المرشد الإيراني علي خامنئي ونجله مجتبى ودائرته الضيقة والواسعة أكثر المستفيدين من موت الوجه الناعم لنظام الملالي في طهران علي أكبر هاشمي رفسنجاني، والجميع متفق على أن رحيل هذا الرمز الثوري فرح له التيار السياسي المتطرف والحرس الثوري وصب في مصلحة بيت خامنئي وكسر كاهل روحاني وفريقه المعتدل والإصلاحي، ويعد ضربة قوية للاتفاق النووي ونهاية لأمل الإصلاح في سياسة طهران المتشددة.

سواء مات رفسنجاني بنوبة قلبية كما سارع النظام الإيراني بإعلانه، أو تم اغتياله بطريقة مدبرة دقيقة بحيث لا يتم الكشف عن أي من خيوطها عبر حقنة كيماوية، كما ذكرت بعض التقارير الآخذة في التزايد، فإن جميع ذلك لا يعني سوى تبديد أحلام الإصلاحيين وتسهيل الطريق لصعود المتطرفين، والخلاص من جرأة صاعدة كادت أن تمس رأس النظام الإيراني.

المشهد السياسي الحالي الذي يمكن قراءته من الداخل الإيراني يرتقب مزيدا من صعود التيار المتشدد، وتصاعدا في تسلط بيت خامنئي والحرس الثوري على كافة الأمور، مع انخفاض لصوت المعارضة الإصلاحية لسياسات النظام، وهذا يعني بالطبع مزيدا من التدخل الإيراني في المنطقة عن طريق دعم الجماعات الإرهابية والمتطرفة وتنفيذ العمليات والمخططات التدميرية ومعاندة المجتمع الدولي وتعنت طهران في اتباع سياسة بث الفوضى، رامية بعرض الحائط كافة الدعوات الإقليمية والدولية لها بضرورة احترام القوانين الدولية وسيادة الدول المجاورة.

أما الطرف الآخر، فإنه بعد فقدانه أقوى رموزه على الإطلاق، ربما ينتظر حاليا ضربة قوية أخرى تتمثل في إقصاء الرئيس الحالي حسن روحاني عن الانتخابات الرئاسية المقبلة بناء على ما ألمح إليه مجلس صيانة الدستور من أنه ربما لن يمنح ورقة الأهلية لحسن روحاني للترشح الانتخابات المقبلة، وقد تعمدت جهات متطرفة بدعم من الحرس الثوري إقحام شخصية الرئيس روحاني ومسؤولي حكومته بملفات فساد كبرى أشهرها قضية ما بات يعرف باسم الرواتب الخيالية التي يتقاضاها مسؤولون في حكومة روحاني.

التطورات التي حدثت وكانت عبارة عن جملة من الضربات الموجعة التي تلقاها معاندو النظام، تشير إلى احتمالية وجود مخطط لها لا يمكن من خلاله استبعاد عملية اغتيال رفسنجاني، ويدعم هذه الاحتمالية حالة التوتر الشديدة والخلافات المحتدمة بين قيادات قطبي النظام والتيارين الرئيسيين المتصارعين على الحكم، المتشدد ويعني خامنئي، والإصلاحي ويعني رفسنجاني، حيث وصلت الخلافات إلى حد تبادل الاتهامات العلنية بالخيانة.

يمكن من قراءة واحدة لتصريحين أحدهما من رفسنجاني والثاني رد عليه خامنئي، نستكشف حجم العداء الباطني بينهما، يقول رفسنجاني: “عالم الغد هو عالم الحوار، وليس عالم الصواريخ” وفي ذلك إشارة إلى اعتراضه على التجارب الصاروخية الإيرانية، مما أغضب خامنئي وجعله يشن هجوما شديدا على رفسنجاني، ووصفه وفريقه الإصلاحي بالجهل والفوضوية والخيانة، وتعالت الأصوات بين أنصار خامنئي من جهة ورفسنجاني وأنصاره من جهة أخرى بعد وصف رفسنجاني بأنه زعيم خفي لتيار داخلي يروج لإضعاف القدرة الدفاعية لإيران، ووصف رجل الدين “بناهيان” في صلاة الجمعة بمدينة مشهد، رفسنجاني بأنه من “الخوارج”.

في الآونة الأخيرة تحول رفسنجاني إلى خطر على خامنئي لا بسبب الخلاف في الأفكار بل في الأدوات، فكلاهما يسعى إلى تصدير الثورة والتدخل في شؤون الجوار ولكنهما يختلفان في الطرق والأدوات ومحاصصة السلطات، لذا اعتبر رفسنجاني تهديدا للمرشد وأدواته بسبب ما يمتلكه من خزائن أسرار الثورة الخمينية، وما يتمتع به من قاعدة شعبية وأنصار سياسيين وأمنيين، وإن كانوا أقل من أنصار خامنئي الذين قام بشراء ولائهم بسبب ضخامة خزينة بيت خامنئي ومؤسساته الدينية والعسكرية، كما كان رفسنجاني المسؤول الأول عن فريق اغتيالات المعارضين، ولديه الكثير من الأمور غير المكشوفة حول الكثير من الملفات الإيرانية وخامنئي وخاصة إبان انتصار الثورة وصعود الملالي.

إضافة إلى ذلك، فله علاقات دولية، واستطاع إقامة علاقات خفية مع دول عظمى كالولايات المتحدة وإسرائيل، ودوره في “إيران جين” يوضح حجم الحوارات التي استطاع إجراءها مع الأمريكان عبر اتصالات سرية، وهو أيضا من أتم صفقة السلاح الإسرائيلية في بداية حرب إيران مع العراق.

ما يفسح المجال أيضا أمام احتمالية اغتياله أن رفسنجاني بقي قويا واستطاع المحافظة على نفوذه رغم الضربات الموجعة التي وجهت إليه من التيار المتشدد، حيث تم إقصاء رفسنجاني في انتخابات 2013، وتم إلقاء القبض على ابنه مهدي والحكم عليه بالسجن واتهام أحمدي نجاد له باختلاس المليارات وقبول الرشاوي، إلا أن شوكة رفسنجاني تبين أنها أقوى من مخططات المتشددين، ولم يعد هناك مجال لإضعافه بعد استنزاف جميع الطرق، والانتخابات الرئاسية أصبحت قريبة، وكذلك صحة المرشد تزداد ترديا، فكان لا بد من القضاء على رفسنجاني وإلا سيشكل تهديدا جديا غير منتظر في موضوع الرئيس الإيراني القادم والمرشد الإيراني المرتقب، لأن رفسنجاني عرف عنه بأنه “صانع الزعماء والرؤساء”، وهذا ما أصبح يقلق التيار المتشدد والحرس الثوري، فكان لا بد من الخلاص من هذه العقبة قبل فوات الأوان وضمان إبقاء سلطة البلاد تحت سيطرة المتشددين المدعومين من قبل الحرس الثوري.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

12 يناير 2017