تعتبر جمهورية مقدونيا اليوغسلافية السابقة، دولة حديثة النشأة، حازت على استقلالها عقب انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد اليوغسلافي، عام 1991. ورغم أن استقلالها أتى بطرق سلمية على خلاف باقي دول الاتحاد اليوغسلافي، إلا أنها شهدت ذات الأزمات القائمة في دول البلقان، لتسجل مع دولتي كوسوفو والبوسنة، أعلى معدلات التأزم السياسي والمجتمعي منذ الاستقلال. وتتنوع الأزمات التي مرت وتمر بها الدولة، بحيث يمكن تأطيرها في الأشكال التالية:

أولاً-الأزمات البنيوية:

  • الأزمات عالية الحدة:
    • الأزمة الإثنية، ببعديها العرقي والديني.
    • الأزمة السياسية، ببعديها: التسلط والفساد، وما نجم عنها لاحقاً من أزمة انتخابية.
  • الأزمات متوسطة الحدة: تتمثل في عدم الاستقرار الاقتصادي.
  • الأزمات منخفضة الحدة: تتعلق بتاريخ وجغرافية الدولة، وتسميتها، وعلاقاتها مع دول الجوار.

ثانياً-أزمات مستحدثة:

  • أزمة تدفق اللاجئين عبر الدولة، منذ عام 2012.
  • إشكالية انضمام مقدونيا للمؤسسات الأوروبية والأطلسية.
  • إشكالية العلاقات الدولية.

مخطط الأشكال:

شكل رقم (1): البينة الإثنية المقدونية

شكل رقم (2): التوزيع الجغرافي للأعراق الرئيسة في مقدونيا

شكل رقم (3): الأحزاب العاملة في الساحة المقدونية

شكل رقم(4): جرائم القتل العمد في مقدونيا

شكل رقم (5): مقارنة جرائم القتل العمد في مقدونيا ودول جوارها وجمهوريات يوغسلافيا السابقة

شكل رقم (6): مؤشر الحرية في مقدونيا

شكل رقم (7): مؤشرات الأداء الحكومي في مقدونيا

شكل رقم (8): مقارنة مؤشرات الأداء الحكومي بين مقدونيا وإقليم البلقان

شكل رقم (9): مؤشر إدراك الفساد في مقدونيا

شكل رقم (10): مقارنة مؤشر إدراك الفساد في مقدونيا ودول جوارها وجمهوريات يوغسلافيا السابقة

شكل رقم (11): مسار مؤشر استقرار مقدونيا

شكل رقم (12): مقارنة مؤشر استقرار مقدونيا ودول جوارها وجمهوريات يوغسلافيا السابقة

شكل رقم (13): خريطة جمهورية مقدونيا اليوغسلافية السابقة، وإقليم مقدونيا اليوناني

شكل رقم (14): أبرز مؤشرات البنك الدولي الاقتصادية الخاصة بمقدونيا

شكل رقم (15): العجز في الميزان التجاري المقدوني

شكل رقم (16): مقارنة إجمالي الدخل القومي لمقدونيا ودول جوارها وجمهوريات يوغسلافيا السابقة

شكل رقم (17): مقارنة نسب الاستثمار الأجنبي المباشر في مقدونيا ودول جوارها وجمهوريات يوغسلافيا السابقة

القسم الأول: الأزمات الإثنية والسياسية

أولاً-البنية الإثنية والأزمة الناجمة عنها:

شكل رقم (1)

البنية الإثنية المقدونية ([1])

العرق النسبة من السكان% الدين/المذهب النسبة من السكان%
السلاف (المقدونيون) 64-66% المسيحيون 63-65.5%
الألبان 20-25% المسلمون 33.3-35%.
الأتراك 3% غير محدد الديانة 1.63%
الرومان 1.9% يهود 200 شخص
البوشناق 1%
الفلاس أقل من 0.5%
أرناؤوط
أعراق أخرى

يظهر الجدول السابق، مستوى التنوع الإثني في الدولة، انعكاساً لواقع البلقان ككل، ما خلق هويتين متمايزتين، تأثرتا باضطراب البلقان: الهوية السلافية/المسيحية، والهوية الألبانية/الإسلامية، على ما تضمه هاتان الهويتان من إثنيات أصغر (عرقية ومذهبية)، انعكست من خلال اضطراب اجتماعي، تتمثل أبرز أشكاله، فيما يلي:

  • السلوكيات السلافية/المسيحية (المقدونية):
  • تشمل هذه الهوية السلاف (الذين يفضلون تسمية المقدونيين)، والصرب والفلاس والرومان بشكل رئيس.
  • تسعى إلى ربط المسلمين في مقدونيا، بعموم المسلمين في منطقة البلقان، وعموم المسلمين عامة، مع التركيز على تصويرهم بالشكل المتطرف، وربطهم بالتنظيمات الإرهابية (القاعدة، داعش، الإخوان، …). ووجدت في تمدد السلفية والوهابية في مجتمعات المسلمين في مقدونيا والبلقان، تأكيداً على طروحاتها.
  • فيما تسعى لتغيير فلسفة استقلال الدولة، من دولة مدنية ديمقراطية، إلى دولة قومية “مقدونية”. وبالتالي تكريس الهوية السلافية المسيحية وإقصاء الهويات الأخرى.
  • عدا عن هيمنتها الأكثرية السلافية على مؤسسات الدولة، والوظائف العامة، وتسييرها وفق مصالحها، وضمن آلية الفساد.
  • السلوكيات الألبانية المسلمة:
  • تشمل هذه الهوية الألبان والأتراك والبوشناق والأرنؤوط، بشكل رئيس.
  • تحاول من جهة تكريس فلسفة استقلال الدولة باعتبارها دولة مدنية، فيما تتنوع طروحاتها ضمن هذه الرؤية:
    • غالبية طروحاتها تقع ضمن مطالب العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية الدينية.
    • تطالب بعض الأطراف ضمن هذه الهوية، بتحويل شكل الحكم إلى الفدرالي، بحيث تحصل مناطق غرب وشمال غرب مقدونيا، على إقليم فدرالي، لتكريس هويتها الإثنية.
    • فيما تطالب جماعات أصغر بالانفصال عن الدولة.
    • وتذهب طروحات أكثر تطرفاً إلى المطالبة بالانفصال والانضمام إلى ألبانيا، ضمن مشروع “ألبانيا الكبرى”، على أنها طروحات محدودة، تختفي وتعود للظهور في مناسبات التوتر الإثني. ونفى ألبان مقدونيا هذا الطرح، موجهين اللوم لجهات صربية وغربية في تصديره للرأي العام المقدوني.
    • فيما تكتفي بعض الطروحات بالمطالبة باعتماد اللغة الألبانية لغة رسمية ثانية للدولة، رغم أن الألبانية تستخدم في بعض وسائل الإعلام المحلية وفي بعض الصحف ومنشورات الكتب.

شكل رقم (2)

التوزيع الجغرافي للأعراق الرئيسة في دولة مقدونيا

2

  • وترى أن هويتها، مستهدفة من قبل السلطة والأكثرية السلافية المسيحية، وفق الأشكال التالية:
    • التضييق الديني، من خلال منع بناء مساجد جديدة في بعض المناطق، أو هدم بعضها. عدا عن تعمد الدولة والأكثرية بناء كنائس في مناطق غير مؤهلة، ورفع الصلبان الضخمة في أرجاء الدولة، إمعاناً في تحدي الآخر. إضافة إلى محاولات نشر “الإسلاموفوبيا” في الدولة والمنطقة بأسرها، إضافة إلى اتهامات لمؤسسات الدولة بنشر خطاب الكراهية ضد المسلمين، رغم أنه تم السماح بتدريس المواد الإسلامية منذ عام 2008، وباللغة الألبانية.
    • التضييق الثقافي، من خلال محاولات إعادة صياغة ثقافة الدولة بعد الاستقلال، والتركيز على الرموز المقدونية والمسيحية التاريخية، مع تجاهل ثقافة الجماعات الألبانية والمسلمة.
    • التضييق المعاشي، والذي يعبّر عنه عبر الفساد المؤسساتي الحكومي، الذي ذهب بموارد الدولة لصالح أطراف من الأكثرية، عدا عن استهداف هذه المؤسسات للجماعات الأقلوية، وصولاً إلى تعمد تصفية أفراد من الأقليات المسلمة.

وإن لم تشكل هذه البنية دافعاً نحو حرب أهلية عقب الاستقلال مباشرة، كما سائر أجزاء الاتحاد اليوغسلافي، إلا أنها كانت حاضرة في المشهد السياسي طيلة الفترة اللاحقة، وصولاً إلى اشتباكات إثنية، إبان “انتفاضة الأرنؤوط” لمدة ستة أشهر عام 2001، كانت بمثابة حرب أهلية محدودة، استطاعت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي محاصرتها، ووضع حد لها، ليتكرر الصدام الإثني بحدة أقل عام 2012، وبشكل محدود مطلع عام 2015.

ومن أبرز الجهود الأوروبية لنزع فتيل التأزم الإثني، قيام النرويج بإنشاء مصانع ومدارس متعددة الإثنيات، بغية التقريب بينها، وخلق مناخ من الانفتاح الجديد في الدولة.

وبالمحصلة، فإنّ البنية المجتمعية والسياسية المقدونية، ما تزال تشكل حاضناً لنزاعات إثنية قد تتطوّر إلى حالة اشتباكات مسلحة محدودة، أو حتى حرب أهلية شاملة، في الحالات التالية:

  • عودة الحروب الأهلية والنزاعات الإثنية في منطقة البلقان. وخصوصاً أنّ عوامل اشتعالها ما تزال قائمة، نتيجة تصاعد موجات التطرف الهوياتي (العرقي والديني) لدى كل إثنيات المنطقة، وتعثّر دور الدولة في تكريس التوافق المجتمعي، في دول المنطقة.
  • تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية القائمة، وتحولها إلى اضطرابات واسعة، ما يسمح للنزعات الإثنية بالظهور إلى السطح ثانية، واستغلال تلك الأزمات لتقديم طروحاتها بشكل أكثر علنية.

عدا عن أنّ البيئة المقدونية، تحمل عوامل تمييز إثني، منها:

  • غذت الحومة المنتهية ولايتها مؤخراً، النزعات الإثنية، بغية التغطية على قضايا الفساد.
  • هناك فصل إثني في كثير من المدراس.
  • للطرفين مدارس دينية محافظة، تكرس الهوية الذاتية، ويساهم بعضها في نشر خطاب الكراهية.
  • يرتبط متطرفو كل إثنية بداعم خارجي، أو لديها ميول لداعم خارجي على الأقل. حيث يخشى المسلمون من علاقات الأكثرية السلافية بروسيا لتكريس هيمنتهم الإثنية، وتخشى الأكثرية من ارتباطات الأقليات المسلمة بألبانيا وتركيا بغية تعزيز الطرح الفدرالي أو الانفصالي ([2]).
  • تتخذ آليات العمل السياسي (الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني)، الصبغة الإثنية، بشكل يكاد يكون مسيطراً على توجهاتها. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الشكل رقم (3):

شكل رقم (3)

الأحزاب العاملة في الساحة المقدونية

المستوى الحزب السمة الإثنية
أحزاب رئيسة الحزب الديمقراطي من أجل الوحدة الوطنية المقدونية/ المنظمة الثورية المقدونية الداخلية (الحزب الحاكم 2006-2016) سلاف
الاتحاد الديمقراطي المقدوني (أكبر أحزاب المعارضة)
اتحاد التكامل الديمقراطي ألبان
الحزب الألباني الديمقراطي
أحزاب ثانوية الحزب الاشتراكي المقدوني سلاف
الحزب الليبرالي الديمقراطي
الحزب الاشتراكي الديمقراطي الجديد
حزب الخيار الشعبي المقدوني
المنظمة الثورية المقدونية الداخلية-فصيل الشعب
حزب التجديد الديمقراطي
حزب المستقبل الأوروبي
حزب الديمقراطيين المتحدين
الحزب الديمقراطي الاشتراكي
اتحاد قوى يسار تيتو
اليسار
حركة بيسا ألبان
حزب النهضة الوطني الديمقراطي
حزب الرفاه الديمقراطي
حزب الأتراك الديمقراطي أتراك
الحزب التقدمي التركي
حزب الاتحاد الوطني التركي
حزب التحرر الكامل الروماني المقدوني رومان
حزب الرومان المتحد المقدوني
رابطة البوشناق الديمقراطية بوشناق
الحزب الصربي الديمقراطي المقدوني صرب

غير أن الأزمة السياسية المقدونية 2015-2016، استطاعت -حتى الآن- تقريب وجهات النظر الإثنية، لدى المعارضة، في مواجهة الأزمة والسلطة معاً. ولا يمكن التعويل على هذه النتيجة، حتى يتم تجاوز الأزمة بشكل نهائي. حينها يمكن أن تشكل آلية حل الأزمة السياسية، دليلاً مرشداً لحل أزمة الهوية في الدولة، في حال توفر رغبة لدى كافة الأطراف الإثنية بإعادة صياغة هوية الدولة، واحترام تعدديتها، وتوفر داعم خارجي لذلك.

ثانياً-الأزمات السياسية الداخلية:

لم تكتف مقدونيا بالأزمة الهوياتية التي رافقت نشوء الدولة، بل تشهد منذ قرابة 10 أعوام (2006-2016)، أزمة سياسية على مستوى السلطة، التي نحت سلوكياتها باتجاه تعزيز النمط السلطوي، وتقييد الحريات بشكل تدريجي، وصولاً إلى فضيحة التسجيلات الصوتية المسربة، التي كشفت عن عمق الأزمة. عدا عن أزمة انتخابات 2016، وأزمة المهاجرين غير الشرعيين.

  • أزمة التسجيلات المسربة:

أظهر زعيم أكبر أحزاب المعارضة “الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي”، في فبراير 2015، قرابة 500 تسجيل صوتي، قامت الأجهزة الأمنية “المخابرات” بتسجيلها لقرابة 20 ألفاً، من المسؤولين والسياسيين والإعلاميين والمعارضين، طيلة الفترة (2007-2013)، كشفت عن النقاط التالية:

  • تلاعب السلطة بنتائج الانتخابات المحلية والبرلمانية.
  • هدر واختلاس المال العام.
  • رشى لمسؤولين حكوميين رفيعي المستوى.
  • محاولة السيطرة على وسائل الإعلام، والتضييق عليها بشتى الوسائل.
  • قضايا ابتزاز.
  • مراقبة غير شرعية، ونفوذ سياسي داخل السلطة القضائية.
  • تجاوزات بحق اللاجئين والمهاجرين.
  • ممارسة الاعتقال غير القانوني، والاستخدام المفرط للقوة.

وهو ما أثار ردود فعل مجتمعية واسعة، وانطلاق جملة مظاهرات أعاقت العملية السياسية في البلاد على مدار عامين تقريباً، بدءاً من مظاهرة مايو 2015 المطالبة باستقالة رئيس الوزراء إثر تواطئه المزعوم في التغطية على المسؤولية عن مقتل شاب في مظاهرات عام 2011، وكانت نتيجتها استقالة وزير الداخلية ومدير الأمن ومكافحة التجسس.

واستمرت الاحتجاجات بشكل متفرق، لكن أبرزها كان احتجاجات إبريل 2016، على عفو أصدره الرئيس عن السياسيين المتورطين في فضيحة التنصت (34 مسؤول)، غالبيتهم من الحزب الحاكم، اضطرت الرئيس إلى إلغاء قراره، تلتها احتجاجات يونيو 2016 للمطالبة باستقالة الرئيس على ذات الخلفية.

وقد قاطعت الأحزاب المقدونية البرلمان، وبموجب اتفاق عُقِد بين أحزاب المعارضة السياسية الرئيسية بوساطة الاتحاد الأوروبي في يونيو 2015، أنهت تلك الأحزاب مقاطعتها للبرلمان في سبتمبر 2015، بهدف تشكيل حكومة انتقالية قبل انتخابات تُجرى في أبريل 2016، لكن الانتخابات تم تأجيلها حتى يونيو 2016، ومرة أخرى حتى ديسمبر 2016.

ويعود السبب الرئيس في هذه الأزمة، إلى رغبة الحزب الحاكم في إحكام سيطرته على البلاد، والحفاظ على موقعه السلطوي، من خلال مزيد من التسلطية السياسية. وقد زعمت الحكومة أن التسجيلات كانت ملفّقة من قبل أجهزة استخبارات أجنبية.

ولعل الجانب الإيجابي لهذه الأزمة، هو تكاتف المعارضة، وتجاوز التباينات الإثنية للمرة الأولى في الدولة، ما يجعل نجاح حل هذه الأزمة، دليلاً مرشداً، في معالجة كافة الأزمات، ومن ضمنها أزمة الهوية المقدونية.

  • أزمة انتخابات ديسمبر 2016:

أدت الأزمة السابقة لاستقالة الرئيس، والوصول إلى انتخابات برلمانية مبكرة، لإعادة تشكيل السلطة، غير أن هذه المناسبة لم تخلُ من تأزم جديد، مع سعي الحزب الحاكم السابق للعودة إلى السلطة وتجاوز أزماته وأزمات إدارته السابقة للدولة.

حيث أعلن كل من اليمين الحاكم والمعارضة يسار الوسط فوزهما في الانتخابات التشريعية، في حين تظهر النتائج فارقاً ضئيلاً لصالح اليمين الحاكم، لا تمكِّنه منفرداً من تشكيل حكومة جديدة، ويبقى بحاجة إلى تحالف مع الأحزاب الصغيرة. وحيث أنّ عقيدته تبقى قومية محافظة، ربما لا تساعده أصوات الأحزاب السلافية الصغيرة في القدرة على الانفراد بالسلطة مرة أخرى، حيث تعيق هذه الأيديولوجيا إجراء تحالفات عابرة للإثنية في الدولة، إلا إنْ كان مستعداً للتخلي عن أيديولوجيته لتعزيز سلطويته، مع قبول الأحزاب الإثنية لذلك، رغم أزماتها الهوياتية معه، ورفضها لسلوكياته طيلة العقد السابق.

لذا يبدو أنّ المشهد يسير وفق اتجاهين:

  • تمتع المعارضة بقدرة أعلى على تشكيل حكومة تحالفية، وما يترتب عليها من فتح ملفات الفساد للحزب الحاكم السابق، وربما أزمة مواجهة معه.
  • أو أن تعجز عن ذلك، ما يؤدي إلى اشتداد الأزمة السياسية، والعودة إلى انتخابات برلمانية جديدة، في حال تمسّك الحزب الحاكم بفوزه وأحقيته بتولي السلطة.
  • أزمة اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين:

وهي أزمة مرتبطة بأزمة الشرق الأوسط (سوريا والعراق)، وتحديداً منذ بدء تدفق المهاجرين غير الشرعيين مع عام 2012، نحو دول أوروبا الغربية، حيث عَبَر مقدونيا قرابة مليون مهاجر. وتعتبر مقدونيا واحدة من أهم معابر المهاجرين، ما شكّل عبئاً سياسياً ترافق باتهامات للحكومة المقدونية بانتهاكات حقوق الإنسان تجاه المهاجرين الشرعيين، وهي اتهامات ركزت عليها اليونان في إشكاليتها مع مقدونيا، عدا عن عبء اقتصادي إضافي.

في المقابل، تتهم الحكومة المقدونية اليونان بأنها تتعمد تيسير تدفق المهاجرين غير الشرعيين باتجاهها، بهدف زيادة الضغوطات السياسية الأمنية (دخول عناصر إرهابية ضمن سيل المهاجرين غير الشرعيين).

ولا يمكن لمقدونيا معالجة هذه الأزمة بشكل منفرد كما يجري حالياً، فهي بحاجة لتضافر الجهود الأوروبية والدولية، عدا عن حاجتها لمساعدة الولايات المتحدة.

وقد أدت هذه الأزمة إلى انتعاش العصابات المختصة بتهريب المهاجرين وما يترتب عليها من تهديد أمني، وهي عصابات تشمل كامل دول الإقليم.

  • الجريمة المنظمة:

تشهد مقدونيا بالإضافة إلى عصابات تهريب المهاجرين، مافيات الجريمة المنظمة، وطالت الاتهامات مسؤولين حكوميين وأحزاباً سياسية بتورطهم في أعمال هذه المافيات. حيث تشكل مقدونيا إلى جانب كوسوفو، أحد المعابر المهمة لتجارة البشر والمخدرات، بين شرق أوروبا وغربها.

ويمكن الاستدلال على مستوى الجريمة، من خلال مؤشر جرائم القتل العمد، الذي شهد تحسناً طيلة الفترة 2003-2013، مسجلاً أفضل قيمه (1.1)، ليعاود التراجع مع عام 2014 ويسجل قيمة (1.6).

شكل رقم (4)

جرائم القتل العمد (لكل 100 ألف شخص) / البنك الدولي

4

إلا أن قيمة هذا المؤشر تبقى منخفضة عالمياً، عدا عن أنها متوسطة بين دول الجوار، كما في الشكل رقم (5).

شكل رقم (5)

مقارنة جرائم القتل العمد في مقدونيا ودول جوارها وجمهوريات يوغسلافيا السابقة

5

أبعاد الأزمات السياسية الداخلية (مؤشرات):

كشفت الأزمة السياسية، عن حجم الخلل في إدارة الدولة، وتراجع معظم مؤشراتها السياسية، كما يلي:

 

  • مؤشرات دار الحرية:

تعتبر مقدونيا دولة حرة جزئياً، حيث حققت عام 2016، قيمة متوسطة على مؤشرة الحرية (3.5)، وتعتبر شبه مستقرة عند هذه القيمة منذ استقلالها، رغم تراجعها المحدود خلال العامين الأخيرين. وعموماً، فقد شهدت استقراراً تقريبياً في هذا المستوى، وظلت ضمن الدول الحرة جزئياً. (القيمة الأدنى هي الأفضل)

شكل رقم (6)

مؤشر الحرية في مقدونيا (1998-2016)

6

إلا أن هذا الاستقرار النسبي في قيمة الحرية، يترافق منذ عام 2007، بتراجع مؤشرات أداء الحكومة ديمقراطياً، وهو ما يظهر الشكل رقم (7)، ما يعني توجه النظام لأن يكون أكثر تسلطاً في الدولة. أما على مستوى نشاط المجتمع المدني، فلم يلحظ تغيير يذكر في هذه الفترة. أي أن تراجع الأداء الحكومي لم يترافق بتضييق على المجتمع المدني، الذي حافظ على أفضل قيمة بين مؤشرات الحكم الديمقراطي. كما يلحظ، أن جميع المؤشرات، تقع أدنى من القيمة المتوسطة.

وتبقى الحريات الصحفية الأكثر تضرراً، حيث تراجعت إلى دولة غير حرة، وخصوصاً إبان أزمة التنصت، والفساد الحكومي في وسائل الإعلام، وزيادة مستوى التهديدات والمخاطر على الصحفيين، والتضييق.

شكل رقم (7)

مؤشرات الأداء الحكومي في مقدونيا (2007-2016)

 

7

وطالما أن نشاط المجتمع المدني ما يزال فعالاً، فإنّ إمكانية إحداث إصلاح داخل النظام تبقى أعلى. إلا أنّ الانخفاض التدريجي لهذه المؤشرات، ربما يحمل مخاطر في المستقبل المتوسط، على استقرار الدولة والمجتمع، في حال تجاهل عمليات الإصلاح المطلوبة.

وفي حال مقارنتها بدول الجوار في المنطقة، فإنها تظهر في حدود متقاربة معها في كافة المؤشرات، وفق الشكل رقم (8)، أي أن أوضاعها السياسية هي أوضاع عامة في الإقليم. وهذا يخفف من وطأة احتمال حدوث اضطرابات مجتمعية عنيفة، يكون سببها المؤثر الإقليمي.

شكل رقم (8)

مقارنة مؤشرات الأداء الحكومي بين مقدونيا وإقليم البلقان 2016

8

مؤشرات منظمة الشفافية (الفساد):

أظهرت مؤشرات مقدونيا على مستوى الفساد، تراجعاً منذ عام 2015، مترافقاً بالأزمة السياسية، رغم ما حققه من إنجاز طيلة الفترة (2003-2014). وتبقى قيمة مؤشر إدراك الفساد دون المتوسطة.

شكل رقم (9)

مؤشر إدراك الفساد في مقدونيا (2003-2015)

 9

ملاحظة: القيمة الأعلى هي الأفضل والأقل فساداً، بحيث: 100=دولة خالية من الفساد، 0=فساد مرتفع.

إلا أنها لا تعتبر قيمة شاذة في منطقة البلقان عموماً، حيث تحتل موقعاً متوسطاً بين دول المنطقة، وإن كانت بعض جمهوريات يوغسلافيا السابقة واليونان تتقدم عليها، إلا أنها بدورها تتقدم على الدول الأخرى.

شكل رقم (10)

مقارنة مؤشر إدراك الفساد في مقدونيا ودول جوارها وجمهوريات يوغسلافيا السابقة (2015)

10

وربما تكون الإشكالية الأكبر في مسألة الفساد، هي التشكيك في رغبة الحكومة بمحاكمة المسؤولين الفاسدين. وخصوصاً أن القطاعات الأكثر فساداً، هي: الشرطة، المحاكم، التعليم العالي، الرعاية الصحية، القطاع العام.

  • نتائج الأزمات السياسية الداخلية (مؤشرات)/ تراجع مستوى استقرار الدولة:

أدّت مجمل هذه الأزمات إلى تخفيض مستوى استقرار الدولة عن عام 2015 (مستوى التحذير)، إلى (مستوى التحذير المرتفع)، بعد أن كانت تسجل تحسناً مستمراً منذ عام 2007.

شكل رقم (11)

مسار مؤشر استقرار مقدونيا 2007-2016 (صندوق السلام)

11

وهو ما جعلها كذلك ثالث أدنى الدول في جوارها استقراراً، خلف ألبانيا وصربيا، وثالث أدنى الدول استقراراً ضمن جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي السابق، خلف صربيا والبوسنة. (لم يتسنَ الحصول على مؤشر كوسوفو).

شكل رقم (12)

مقارنة مؤشر استقرار مقدونيا ودول جوارها وجمهوريات يوغسلافيا السابقة (صندوق السلام)

الدولة قيمة مؤشر هشاشة الدولة 2016 المستوى عن عام 2015 وضع الدولة
مقدونيا 67 +2.5 تحذير
البوسنة 74.6 -2.8 تحذير مرتفع
الجبل الأسود 55.2 +1 مستقر
كرواتيا 52.4 +1.4 مستقر
سلوفينيا 33.9 +2.3 مستقر جداً
صربيا 72 -1.8 تحذير مرتفع
بلغاريا 53.7 -1.7 مستقر
اليونان 55.9 +3.3 مستقر
ألبانيا 69.6 -0.1 تحذير

ملاحظة: القيمة الموجبة تعني تراجعاً، والقيمة السالبة تعني تحسناً

مركز المزماة للدراسات والبحوث

17 يناير 2017

الهوامش

([1]) ترى بعض الإحصائيات أن نسبة الألبان والسلاف متساوية، وبالتالي فإن نسبة المسلمين والمسيحيين تتساوى وفق ذات المنطق. غير أن تلك الإحصائيات محدودة، وغالبيتها في مواقع إسلامية. عدا عن أن واقع دور العبادة لا يعكس هذه الإحصائيات، حيث يوجد في مقدونيا، 400 مسجد و1200 كنيسة، وهو ما يؤكد إحصائية الثلثين للسلاف المسيحيين مقابل الربع/الثلث للألبان المسلمين. فيما يحتج آخرون أن الفارق بين عدد دور العبادة، ناجم عن التمييز الديني ضد المسلمين، وهدم مساجدهم والتضييق عليهم في بناء مساجد جديدة، في مقابل بناء كنائس في مناطق غير مأهولة بالسكان، بغية تكريس الهوية المسيحية للدولة.

كما تتباين نسب الحضور المذهبي للمسلمين في مقدونيا، حيث تذهب بعض الإحصائيات، إلى أن السنة يشكلون 25% من مجمل السكان، ويمثل الشيعة البكتاشية 8.3%. فيما تذهب مواقع سنية أخرى، إلى أن السنة يمثلون 99% من مجمل المسلمين في الدولة.

([2]) من دلائل ذلك، على سبيل المثال:

  • مظاهرة لاتحاد منظمات المجتمع المدني التركي في مقدونيا، دعماً لأردوغان، إبان الانقلاب الفاشل في يوليو 2016.
  • تسجيل أغنية تحت عنوان “مقدونيا تبكي من أجل بوتين”، لشاعر سلافي مقدوني، يطالب فيها بوتين بإنقاذ مقدونيا من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، انظر: https://www.youtube.com/watch?v=ZoYe0EWNE7I