عاشراً- أبرز المحطات في مسار حزب الله (2006-2011):

متغيرات 2006-2008:

نتيجة إخفاق الحزب في التخلّص من أزمة اغتيال الحريري وانسحاب القوات السورية، بادرت ميليشيا حزب الله في 12/7/2006، بعملية عسكرية على الحدود مع فلسطين المحتلة، أسرت فيها 3 جنود إسرائيليين، لتبدأ على إثرها عملية عدوانية إسرائيلية على لبنان “حرب لبنان الثانية/حرب تموز”، استمرت حتى 14/8/2006. وأبرز نتائج هذا العدوان:

  • أسفر عن مقتل 1200 لبناني (منهم 100 من مقاتلي حزب الله) وإصابة أكثر من 4000 آخرين. وعن مقتل 163 إسرائيلياً (منهم 119 جندياً) وإصابة أكثر من 400 آخرين.
  • دمار واسع في البنية التحتية، وعمليات تهجير لمئات آلاف اللبنانيين. أفسحت المجال لاحقاً لإيران، حتى تؤسِّس مشروعاً استخباراتياً عسكرياً في عدة مناطق من لبنان، تحت ذرائع إعادة الإعمار ودعم المقاومة، لإعادة تشكيل البيئة الديموغرافية في جنوب لبنان بما يتفق مع مشروعها في خلق “عالمها الشيعي”.
  • تعزيز مكانة ميليشيا حزب الله عسكرياً في لبنان، التي بدأت بالتمدّد داخلياً منذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25/5/2000.
  • حصل حزب الله على قاعدة شعبية مؤيدة له على امتداد العالم العربي، سهّلت له توسيع مشروعه.
  • كان لاستدراج حزب الله الاعتداءات الإسرائيلية حينها، دور بالغ في إحداث انقلاب سياسي داخلي في لبنان، بلغ ذروته مع اقتحام ميليشيا حزب الله لبيروت في 7/5/2008، وحصار البرلمان ومقر رئاسة الوزراء، بقوة السلاح، وما تلاه من فرض شروطه على الحكومة (اتفاق الدوحة 2008)، له فيها الثلث المعطّل، وإضعاف قدرة معارضيه على التأثير في المشهد السياسي الحكومي، وإعادة توجيه سياسات لبنان خارجياً باتجاه إيران، عبر استغلال الأمر الواقع ما بعد هذا العدوان، وتحويل سلاحه نحو الداخل اللبناني، بحجج تغير موازين القوة والثقل السياسي لصالحه.
  • أعاد هذا العدوان تشكيل التحالفات الإقليمية وتوسيع ما اصطُلح على تسميته بـ “محور المقاومة والممانعة” ليشمل دولة قطر كذلك، في محاولة فرض أجندات إيرانية على العالم العربي، بل وبلغ استقواء بشار الأسد بالنظام الإيراني حينها، حدّ خروجه عن الأعراف الدبلوماسية بتطاوله على الحكام العرب حين رفضوا منطق الانجرار في مغامرات عسكرية لإيران وحزب الله التي ترمي إلى إشعال المنطقة، على غير حساب المنطقة العربية، وهو ما أدّى إلى قطيعة سورية-خليجية استمرت حتى عام 2008.
  • توظيف العامل الديني في استخراج فتاوى دينية تخدم الأغراض السياسية للمشروع الإيراني.
  • كما كان من نتائج هذا العدوان، قرار مجلس الأمن رقم 1701، وأبرز ما أتى عليه، هو: إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان خالية من الميليشيات تمتد إلى نهر الليطاني شمالاً، ودعوة الحكومة اللبنانية لنزع سلاح الميليشيات، ومطالبة الجيش اللبناني بمراقبة الحدود اللبنانية، وهي ذاتها المطالب الإسرائيلية، والتي استحصلت عليها خلال هذه الحرب، وأمنت الحدود اللبنانية معها حتى تاريخه.
  • كما استفاد الحزب في هذه الفترة، من ضعف الأمن في لبنان، لتعزيز شبكة اتصالاته الخاصة (سلاح الإشارة)، ونشر كاميرات مراقبة داخل مطار بيروت، تسبّبت في واحدة من أبرز أزمات هذه المرحلة.
  • ما تمّ، هو دفع إيراني نحو عسكرة المشرق العربي عبر استدعاء الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان تحديداً، بغية استعراض للقوة الإيرانية أمام الدول العربية من جهة، وأمام الولايات المتحدة من جهة أخرى بغية الحصول على مكاسب سياسية في المنطقة، وتبادل خفيّ للأدوار المصلحية بين الطرفين. وتمّ انسياق هذا المشروع إلى داخل البيئة الفلسطينية، عبر تقديم دعم إيراني مقيّد ومحدود للفصائل الفلسطينية في غزة، مقابل بروباغاندا “دعم الشعوب المضطهدة”، التي أطلقها خميني إبان ثورته، حيث ترتّبت ذات النتائج السابقة في لبنان على قطاع غزة بالأخص، لناحية حجم الضحايا المدنيين أو لناحية المهجّرِين، أو لناحية خلق بيئة حاضنة مأخوذة بالمشروع الإيراني، والفصل من ثمّ ما بين مسارَيّ غزة والضفة الغربية، عبر استقطابات إيرانية-إسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية، ومن ثمّ تفريغ الحراك الفلسطيني السياسي والعسكري من بُعدِه العربي.
  • وأمّا الحدث المهم الآخر في مسيرة الحزب في هذه الفترة فكان اغتيال قائده العسكري والأمني، عماد مغنية، في دمشق 12/2/2008، واتّهام الموساد باغتياله، في حين تسرّب لاحقاً معلومات تؤكّد دور الحزب والنظام السوري في عملية الاغتيال، بسبب مسؤولية مغنية المباشرة عن اغتيال الحريري، في محاولة للقضاء على الدليل الأبرز الذي يدينهما، وخصوصاً مع اغتيال العميد السوري محمد سليمان، في أغسطس 2008، على ذات الخلفية، كما تمّ اتهام الموساد باغتياله أيضاً.

متغيرات 2009-2011:

لم تشهد الفترة اللاحقة لعام 2006، أية مواجهة مسلّحة بين حزب الله وإسرائيل، على خلاف ما يجري في غزة (حرب كل عامين تقريباً)، حيث اكتفى الطرفان بمخرجات قرار مجلس الأمن 1701، واتّجه حزب الله لفرض توجهاته على الحكومة اللبنانية، في مرحلة جديدة من مسارات الحزب. متطلعاً إلى الحصول على الأغلبية النيابية في انتخابات عام 2009، تُمكِّنه من إحداث تغييرات كبيرة في بنية النظام السياسي اللبناني.

لكنّ نتائج الانتخابات جاءت مفاجئة للتوقعات وحصلت قوى 14 آذار على 71 مقعدا نيابياً، وتم تكليف زعيم تيار المستقبل سعد الحريري تشكيل الحكومة، فأراد تشكيل حكومة وحدة وطنية بشرط عدم إعطاء “الثلث الضامن” لحزب الله وحلفائه، لكن تمّ التوصل إلى حل عبر ما يسمى “الوزير الملك”: الوزير عدنان السيد حسين، الذي اعتُبِر من حصة رئيس الجمهورية، لكنه اختير بموافقة حزب الله وحركة أمل. وكان المفروض أن تنجح هذه الحكومة في معالجة الأوضاع الداخلية، لكن الخلافات برزت مجدداً، وخصوصاً حول المحكمة الدولية والقرار الظني وشهود الزور. وبدأت تبرز معطيات جديدة داخليا بعد تغير مواقف وليد جنبلاط واقترابه من سورية وحزب الله وأمل.

وكان التطور الأبرز، استقالة وزراء أمل والتيار العوني وحزب الله والوزير عدنان السيد حسين، في فبراير 2011، بالتزامن مع لقاء سعد الحريري باراك أوباما، ما أدى إلى سقوط حكومة الحريري وتكليف الرئيس ميقاتي تشكيل حكومة جديدة أُعلن عنها في 20/6/2011.

حادي عشر-الحزب بعد عام 2011:

رغم أنّ الحزب لم يستطع فرض تغييرات في النظام السياسي اللبناني من خلال انتخابات 2009 البرلمانية، إلا أنّ استمرار منهج الإدارة بالأزمة، ساعده في فرض توجهاته على القوى اللبنانية الأخرى، وصولاً إلى فرض حليفه المسيحي (ميشيل عون)، رئيساً للبنان بعد فراغ رئاسي استمر لعامين، مع تأجيل الانتخابات البرلمانية المقررة عام 2013، إلى عام 2014، ثم فرض تأجيلها ثانية إلى عام 2017. مقابل عودة سعد الحريري رئيساً للوزراء.

إلا أنّ المتغير الأهم في هذه الفترة، فرض توجهات الحزب على السياسة الخارجية اللبنانية، من خلال مشاركة الحزب إلى جانب قوات الأسد والقوات الإيرانية والميليشيات الشيعية في الحرب السورية منذ، بداية الاحتجاجات، (تحديداً منذ شهر مايو 2011، حيث تنص إحدى وثائق خلية إدارة الأمة السورية على منح عناصر حزب الله هويات أمنية سورية، ييسر لهم عملهم في مدينة حماة، ويغطي على هويتهم الحقيقية). وكذلك توظيف الجيش اللبناني في عمليات الحزب (أزمة عرسال 2014).

اتخذ مقاتلو الحزب من المزارات ومكاتب المرجعيات والأحياء الشيعية في دمشق ومحيطها مراكز تجمع لهم، وينطلقون منها لشن هجماتهم على المدنيين والجيش الحر، وتعد منطقة الزبداني وما يجاورها، من أهم المناطق الاستراتيجية ليس للنظام السوري فحسب، وإنّما للنظام الإيراني وحزب الله أيضاً، إذ تعتبر المنطقة بسبب موقعها الجغرافي، الممر الحيوي والشريان الأساسي للإمدادات التي كان يتم إرسالها من إيران عبر سورية إلى حزب الله، مما دفع الحزب إلى تكثيف معاركه محاولاً السيطرة ومحاصرتها من الطرف اللبناني، كما تم تسجيل حضور لمقاتلي الحزب في منطقة بصرى الحرير بمحافظة درعا.

شارك حزب الله في عدد من المعارك إلى جانب النظام السوري، وأشهر تلك المعارك هي معركة القصير 2013، ومعارك حلب 2016. عدا عن مشاركته في عمليات التغيير الديموغرافي الحاصلة في سوريا، من خلال تفريغ قرى ومناطق، وتوطين سكان شيعة غير سوريين فيها.

وتكوّنت قواته في سوريا في الأساس من قوات المشاة الخفيفة التي يمكن الاعتماد عليها في تنفيذ المهام الهجومية والدفاعية في مناطق مهمة للنظام، وقد تولى الحزب أنواعاً من المهام العسكرية في سورية منها: التدريبي والاستشاري والقتال المباشر. كما ساهم بتدريب نحو 50 ألفاً من القوات السورية غير النظامية (الشبيحة)، وجعل أداءها حاسماً لبقاء النظام وتمكينه من حسم عدد من المعارك في جبهات مختلفة.

وتشير بعض المصادر إلى أنّ أعلى عدد تقديري لقوات الحزب التي تمّ التعهد بها للقتال في سوريا قد بلغ نحو 10,000 مقاتل (2014)، لكن من المرجّح أنّ هذا الرقم يعكس العدد الإجمالي الذي تناوب على الذهاب إلى سورية وليس العدد الموجود في وقتٍ واحد. ففي أوج معركة القصير في مايو 2013، قدّم وزير الخارجية الفرنسي تقديراً أكثر معقولية تراوح بين 3000-4000 مقاتل، وفي سبتمبر 2013، نقلت وكالة رويترز عن مسؤولي الأمن الإقليمي أنّهم أعطوا تقديراً يتراوح بين 2000 و4000 مقاتل، وتشمل أنواع القوات التي أرسلت إلى سوريا قوات النخبة والقوات الخاصة والقوات الاحتياطية.

ووفقاً لرئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست الإسرائيلي، فإنّ حزب الله خسر في سوريا 1600 من مقاتليه، فيما أصيب ما بين خمسة وستة آلاف عنصر بجروح (سبتمبر 2016).

ثاني عشر: الثقل البرلماني لحزب الله وحركة أمل:

لا توضح حصّة الشيعة من البرلمان اللبناني، مدى حواضن مشروع حزب الله وسواه، بناء على القاعدة الدينية، إذ إنّ هذه الحصص مقرّرة بغض النظر عن حجم الجماعات اللبنانية، ومناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ومناصفة بين السنة والشيعة. ليكون نصيب الشيعة أقل من ربع النواب. ويمكن الاستفادة من حصة كل طرف شيعي من هذه النسبة (الربع)، في تحديد حاضنه في الجماعات الشيعية اللبنانية.

شكل رقم (8)

الحصص المذهبية لمقاعد البرلمان اللبناني

8

حيث يُلحَظ أنّ حركة أمل ظلّت تتمتع بحاضن شيعي أوسع من حزب الله بعد اتفاق الطائف (1992-2005)، لكنّه في تراجع تدريجي، مع تثبيت مشروع الحزب في لبنان، وصولاً إلى تقدّم الحزب في انتخابات 2005، لأول مرة على حركة أمل ضمن الحواضن الشيعية. قبل أن يتساوى الطرفان ثانية في انتخابات 2009، ما يشير إلى عودة تراجع حجم حواضن الحزب، بعد أزمات 2006، إضافة إلى تراجع حواضن الحركة كذلك (على أن جزءاً من هؤلاء النواب من خارج الشيعة).

شكل رقم (9)

عدد نواب حزب الله وحركة أمل (1992-2009)

9

كما يلحظ تراجع حجم القوى الشيعية البرلمانية المستقلة عن التنظيمين، بل إنهما سجلا حصة أكبر من الحصة المخصصة للشيعة في انتخابات (2000، 2005)، نتيجة انضمام نواب من خارج الشيعة إلى كتلتهما النيابية، أي أن حواضنهما المجتمعية كانت في توسع، قبل أن ترتد في انتخابات 2009.

شكل رقم (10)

حصص حزب الله وحركة أمل النيابية، مقارنة بحصصهما المذهبية

10

غير أنّ الحصص السابقة، لا تُشكِّل تعبيراً دقيقاً عن قوة الحزب والحركة برلمانياً وسياسياً، وبالتالي اجتماعياً، ويمكن الاستعاضة عن ذلك، بمقارنة حصص التنظيمين مع القوى اللبنانية الأخرى سياسياً، أي بغضّ النظر عن التوزيع المذهبي لمقاعد البرلمان. حيث يمكن تسجيل الملاحظات التالية من نتائج برلمان 2009:

  • لم يستطع التنظيمان معاً أن ينافسا كتلة المستقبل (الحريري)، على المستويات السياسية والبرلمانية والمجتمعية.
  • لكل منهما حلفاؤهما، إلا أنّ مجمل تحالف 8 آذار، ما زال أقل قبولاً في الشارع اللبناني.
  • يبقى تيار المستقبل الأكثر انفتاحاً عابراً للمذاهب في لبنان، من التنظيمين الشيعيين الذين لم يستطيعا الحصول على نواب من خارج الطائفة بشكل يذكر، ومن القوى المسيحية الأخرى.
  • تبقى قوة حزب الله في لبنان، مستندة إلى قوته العسكرية وسلاحه أكثر منها قوته السياسية، وقدرته على إحداث أزمات كبرى في الداخل اللبناني، وتهديده المستمر باستدراج حروب مع إسرائيل، تدمِّر البنى التحتية وإنجازات الأطراف المنافسة له.
  • كما تبقى قوة الحزب مرتبطة بضعف النظام اللبناني القائم على المحاصصة المذهبية، وليس على القوة المجتمعية (الديموقراطية).
  • وفيما اتفقت الأطراف اللبنانية على تأجيل الانتخابات حتى عام 2017، فإنّه ربّما تشهد مؤشرات التنظيمين البرلمانية تراجعاً جديداً، نتيجة أزمات الحزب بعد عام 2011.

شكل رقم (11)

تركيبة مجلس النواب اللبناني 2009

11

ثالث عشر- القدرات العسكرية لحزب الله:

تبقى القدرات التسليحية لحزب الله تقديرية، ولا يمكن الوصول إليها بشكل قطعي، وتبقى التقديرات الإسرائيلية أبرز التقديرات التي صدرت عام 2016، ومنها تقديرات صحيفة هآرتز.

شكل رقم (12)

تقديرات مقارنة لصحيفة هآرتز الإسرائيلية لقدرات حزب الله العسكرية (2006-2016)

12

ووفق تقديرات هآرتز، باتت قذائف حزب الله أكثر مدى، لتصل إلى أبعد من إسرائيل. وهو ما يوضّحه الشكل التالي المبني على تقديرات هآرتز، بحيث تغطي كامل الأراضي الأردنية والفلسطينية وقبرص، وغالبية الأراضي السورية، وأجزاء محدودة من الأراضي السعودية والمصرية والتركية والعراقية.

شكل رقم (13)

خريطة توضّح تقديرات صحيفة هآرتز الإسرائيلية لمدى صواريخ حزب الله (2016)

13

وتؤكّد الصحفية أنّ حزب الله، قد استفاد من التدخل العسكري الروسي في سوريا، للعمل عن قرب وبشكل علني مع الضباط الروس، وفي اكتساب مهارات ميدانية جديدة، عدا عما اكتسبه من مهارات قتالية في مشاركته إلى جانب النظام السوري منذ عام 2011.

وتذهب عدة مصادر إسرائيلية وغربية، إلى أنّ حزب الله، تحوّل منذ عام 2013، من ميليشيا عالية التسليح، إلى تنظيم أشبه بجيوش الدولة. وخصوصاً مع تهريب نظام الأسد جزءً من منظومته التسليحية إلى الحزب، وبشكل تدريجي منذ عام 2012، خشية وقوعها في يد مقاتلي المعارضة.

وتوضّح بعض التقديرات بين عامي 2006-2014، نوعية بعض أنواع السلاح التي يمتلكها الحزب، وهي تقديرات قديمة نسبياً، حيث تؤكّد المصادر الإسرائيلية حصول الحزب على منظومات سلاح أحدث منها.

شكل رقم (14)

قائمة بأبرز أسلحة حزب الله (2006-2014)

14

رابع عشر-إرهاب حزب الله:

لا يقتصر نشاط حزب الله على الداخل اللبناني، أو على نزاعه مع إسرائيل، بل يمتدّ منذ نشأة الحزب، إلى كثير من دول العالم، ضمن تشكيل أمني خارجي، مسؤول عن عمليات الحزب الإرهابية. حيث يمكن تصنيف عمليات الحزب الإرهابية وفق الاتجاهات التالية:

  • عمليات إرهابية داخل لبنان، من خلال اغتيال شخصيات معارضة للحزب، أو تُشكِّل تحدّياً لنفوذه، وهو نمط قائم منذ الحرب الأهلية اللبنانية، وعاد للظهور بقوة في الفترة 2005-2010، ضمن ما عُرِف باغتيال رفيق الحريري ورفاقه.
  • عمليات إرهابية خارج لبنان، تستهدف مصالح الدول والحكومات المناهضة لحزب الله، إضافة إلى استهداف المصالح الإسرائيلية الخارجية. وإن كانت بعض الآراء تبرِّر عملياته ضدّ المصالح الإسرائيلية الخارجية، إلا أنّ تلك العمليات أدّت إلى: انتهاك سيادة الدول الأجنبية، واختراق أمنها الداخلي، وتخريب ممتلكاتها، وقتل مدنيين من مواطنيها، عدا عن أنّ تلك الدول، ليست طرفاً في النزاع بين حزب الله وإسرائيل.
  • نمط جديد ظهر بعد عام 2011، من خلال المشاركة العسكرية المباشرة في قمع الشعوب العربية (سوريا واليمن)، حيث ارتكب عمليات عسكرية وإرهابية ترقى إلى مستوى جرائم الحرب.
  • يتمثّل النمط الرابع في الخطاب التحريضي والتهديدي ضدّ الدول العربية، والخليجيّة بشكل خاص.

حيث يمتلك الحزب إلى جانب جناحه العسكري، تشكيلاً أمنياً (منظمة الأمن الخارجي)، يترأسّه: مصطفى بدر الدين، أحد مؤسِّسي الحزب، وأحد رجالات نسيبه: عماد مغنية. جرى اعتقال مصطفى بدر الدين وأُصدِر حكم بإعدامه في الكويت عام 1983 بعد أن كان متورطاً في سلسلة من الهجمات المتزامنة ضدّ أهداف محلية وغربية. وبعد محاولات لإطلاق سراحه بتوجيه من عماد مغنية، تمكّن من الهرب بعد الاجتياح العراقي للكويت عام 1990. والعودة إلى لبنان، واستئناف العمل بشكل مكثّف في المنظومة العسكرية. وبعد مقتل مغنية عام 2008، استلم جزءاً كبيراً من مسؤولياته، مع التركيز على الوحدات العاملة في الخارج. وقد جرى ربط اسمه باغتيال رفيق الحريري وآخرين، كأحد المتهمين المحتملين من قبل المحكمة الخاصة للأمم المتحدة. وأبرز الوحدات الخاصة للحزب، العاملة خارج لبنان:

الوحدة 910 (وحدة العمليات الخارجية لحزب الله): هي إحدى وحدات النخبة، وهي مغلقة وسرية، ويترأسها: طلال حمية. تعتبر الامتداد الطويل والاستراتيجي لحزب الله وإيران. الهدف منها ردع الغرب، بما في ذلك إسرائيل، وقد كان يديرها في السابق عماد مغنية بنفسه. وتتكوّن من وحدات اختصاصية محدودة العدد، متشابكة مع بعضها البعض، إدارية وعملياتية. يخدِم فيها لبنانيون شيعة، من أصول غير لبنانية، يمتلكون وثائق أجنبية حقيقية، تمكِّنهم من التحرك بحرية في أنحاء العالم، واستثمارات خارجية تُشكِّل واجهة لنشاطهم. كما لها علاقات مع جهات مؤيدة للحزب تقيم بشكل دائم خارج لبنان، وتستغلها من الناحية اللوجستية والعملياتية. ويتميز عمل الوحدة بالمدى الطويل، حيث تسعى لتنفيذ عمليات نوعية ومهمة، دون استعجال المكاسب.

الوحدة 1800.

الوحدة 133: يترأسها محمد عطايا، أحد المسؤولين الهامين سابقاً في الوحدة 1800. وهدفها تنفيذ عمليات في إسرائيل والأراضي المحتلة، وفي مصر والأردن. وتتميز عن الوحدة 1800 بأنّها تعمل في مجالات عدة، ومنها تجنيد أشخاص في معظم دول العالم، خصوصاً في شرق وغرب أوروبا. وتستعين بتجّار المخدرات اللبنانيين الذين لديهم علاقات في إسرائيل. وتُعتَبر عملية تحديد الأشخاص الملائمين وتجنيدهم لهذه الوحدة، سريعة نسبياً، بسبب أنّ الأشخاص الذين يقومون بتحريك المجموعة ليسوا من الشيعة فقط. تليها عملية إخضاع العناصر الذين سيتمّ تحريكهم الى تدريبات عسكرية وأمنية في مواضيع مختلفة، ومن بينها: جمع معلومات، وتجنيد، وتحريك مصادر، وإعداد قصة تغطية، ورصد وتعقب. ويجري التواصل بين القيادات والعناصر في هذه الوحدة، بواسطة لقاءات في سوريا ولبنان وأوروبا وآسيا وأماكن أخرى.

وحدة العلاقات الخارجية: تمّ تأسيسها عام 1985، وهي مسؤولة عن إقامة وتطوير العلاقات مع الجاليات اللبنانية الشيعية على المستوى العالمي، وهدفها الأساسي جمع الأموال لصالح الحزب والقيام بالدعاية السياسية والدينية باسم الحزب. إضافة إلى علميات: جمع المعلومات، والمعاينة، وتحديد مرشحين للعمل مع الحزب، وتقديم الدعم اللوجستي في مختلق المناطق. وغالبية عناصرها من رجال الدين ورجال الأعمال المعروفين في الجاليات الشيعية، والمحسوبين على حزب الله بشكل علني، وتقوم بنشاطها في كل القارات (يتولى رئاستها حالياً: علي دعموش، خلفاً لـ: نواف الموسوي).

ونظراً لإقدام حزب الله على نشر الآلاف من مقاتليه في سوريا، تمّ سحب العديد من قادته العسكريين وعناصره الإرهابية الأكثر خبرةً وتمرّساً من مهامهم التقليدية القائمة على التمركز في مواقع محدّدة على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل، أو الانخراط في أنشطة مالية ولوجستية وعملياتية في الخارج. فقد تكبّد الحزب في الحرب السورية خسائر في الأرواح فاقت تلك التي تكبّدها في كافة معاركه مع إسرائيل، الأمر الذي أرغمه على استخدام كوادره من العناصر الإرهابية العالمية العاملة في “حركة الجهاد الإسلامي” (المعروفة أيضاً باسم “منظمة الأمن الخارجي”) كتعزيزات في ساحة المعركة. حيث قُتِل رئيس المنظمة مصطفى بدر الدين في سوريا، في مايو 2016، وعدد من قياداتها، أبرزهم: إبراهيم عقيل، فؤاد شكر. كما أدّت مشاركة الحزب في سوريا، لوضع حدّ لمساعي التجنيد الدولي. وتمّ رصد نشاط لحزب الله في المناطق التالية:

  • أوروبا: بريطانيا، الدنمارك، إيطاليا، ألمانيا، سويسرا.
  • أمريكا الجنوبية: فنزويلا، الأرجنتين، البرازيل، باراغواي، كولومبيا.
  • إفريقيا: نيجيريا، السنغال، ساحل العاج، غامبيا، سيراليون.
  • الدول العربية: الإمارات، السعودية، الكويت، البحرين، مصر.
  • كندا ونيوزلندا.

ورغم أنه لم يرد ذكر نشاط استخباراتي أو عملياتي للحزب في الولايات المتحدة بشكل مكشوف، إلا أنها تضم الكثير من شيعة لبنان أصحاب الأنشطة التجارية الواسعة، ربما يشكلون خلايا غير ناشطة للحزب.

شكل رقم (15)

قائمة بأبرز عمليات حزب الله الإرهابية خارج لبنان

15

القسم الثالث:

مستقبل التنظيمات الشيعية في لبنان

أولاً-القرار الخليجي وموقف التنظيمين:

ارتبطت نشأة حزب الله بهدف تقويض الدول الخليجية، وتأهيل الجماعات الشيعية فيها لإحداث انقلاب “ثوري” متمِّم لثورة خميني، وهو ارتباط يظهر في سلوك حزب الله أكثر منه في سلوك أمل، حيث تكاد تغيب الأدوار الخارجية المناطة بالحركة. ونشط الحزب مبكراً في بعض الدول الخليجية –كما في الشكل رقم (15)-، ويُلحَظ استمرارية نشاطه في الأوساط الشيعية، وتحديداً في البحرين والسعودية والكويت.

فيما ارتبطت علاقة دول الخليج العربي ومواقفها من التنظيمين، بأربعة متغيرات أساسية:

  • موقف التنظيمين من الأوضاع الداخلية في دول الخليج العربي، وأدوارهما في الاضطرابات والعمليات الإرهابية التي تقوم فيها.
  • سلوك التنظيمين تجاه القوى اللبنانية الأخرى، وخصوصاً حلفاء دول الخليج العربي.
  • دور التنظيمين في استدراج حروب مع إسرائيل. حيث تُركِّز الأطراف المحسوبة على المحور الإيراني على نظرية أنّ دول الخليج العربي تتّخذ مواقف معادية لحزب الله، تحديداً في حال وقوع حرب مع إسرائيل، نتيجة علاقات غير معلنة معها. وتهدف من هذه النظرية إلى ضرب الحوامل الاجتماعية العربية وفكّ ارتباطها بالدول الخليجية، وتوسيع حواضن المشروع الإيراني. في حين أنّ المواقف الخليجية قائمة بالأساس من رفض فكرة إشعال حروب مع إسرائيل بشكل فردي، خدمة للمشروع الإيراني في المنطقة العربية.
  • طبيعة العلاقات بين إيران ودول الخليج العربي. على أنّ هذا المتغير يبقى المتغير الأهم، والمتحكم بالمتغيرات السابقة، بسبب تأثيره في سلوك التنظيمين داخل لبنان وخارجه.

حيث انعكست فترات التهدئة التي شهدتها العلاقات الخليجية-الإيرانية، على علاقة دول الخليج العربي بالتنظيمين، ومنها على سبيل المثال، لقاء الملك السعودي الراحل: الملك عبد الله، بنائب أمين عام حزب الله: نعيم قاسم، في الرياض، في ديسمبر 2006، في محاولة لتهدئة الأزمة اللبنانية حينها.

إلا أنّ توسّع أدوار الحزب بعد عام 2011، ودوره في الاضطرابات والعنف المذهبي، في أكثر من دولة خليجية، عدا عن دوره في الحرب في سوريا واليمن والعراق، دفع مجلس التعاون الخليجي إلى تصنيفه منظمة إرهابية، 2/3/2016. ويُلحَظ في القرار الخليجي، أنّه:

  • كان له أثره المباشر في اتخاذ مجلس وزراء الداخلية العربية ذات القرار 2/3/2016، وكذلك اتخاذ جامعة الدول العربية قراراً باعتبار الحزب منظمة إرهابية 11/3/2016.
  • أتى متدرِّجاً، بعد قرارات اقتصادية سابقة طالت لبنانيين مرتبطين بالحزب في هذه الدول منذ نوفمبر 2013، وقرارات إبعاد للبنانيين عن الإمارات في مارس 2015، ثمّ قرارات سعودية بملاحقة عناصر الحزب في السعودية، وتصنيفه منظمة إرهابية في نوفمبر 2015، فيما كانت ردود الحزب تصعيدية وتهديدية تجاه هذه الدول.
  • اعتبار الحزب بكافة قادته وفصائله وتنظيماته، منظمة إرهابية، على خلاف بعض الدول الأوروبية التي تُصنِّف مؤسّسات أو أفراد ضمن الحزب، باعتبارهم إرهابيين.
  • متابعة القرار بإجراءات تنفيذية، طالت التعامل مع المؤسّسات الإعلامية للحزب، وإجراءات قانونية ضدّ مواطني دول الخليج العربي الذين يساندون الحزب إعلامياً أو بأشكال أخرى.
  • شملت هذه الإجراءات دول: الإمارات، السعودية، الكويت، البحرين، بشكل متزامن.

ويُشكِّل القرار بداية مرحلة جديدة في فرض حصار على حزب الله، في عموم العالم العربي، وتقويض محاولات توسيع مشروعه، وقاعدة قانونية يمكن الاستناد إليها في استصادر قرار مشابه من المنظمات الإقليمية والدولية. عدا عما سيفرضه من تضييق على مشروع الحزب في لبنان، وضغوطات على الحكومات اللبنانية في التعامل مع الحزب، وصولاً إلى وضع الحزب أمام تحديات أزمة جديدة.

وأعلنت حركة أمل مباشرة تضامنها مع الحزب، ضدّ القرار الخليجي، من خلال بيان مكتبها السياسي:

“حزب الله كان ولازال في موقع المقاومة …. إن ما تضمّنته البيانات المُشار إليها إنما تنطبق على المنظمات التي تهدّد فعلياً الأمن الوطني والقومي لأقطارنا وأمّتنا، وهي منظمات معروفة تُجنّد الشباب وتمثّل إرهاباً دولياً مسلّحاً عابراً للحدود القارية والإقليمية والوطنية، وخصوصاً لدول المشرق كما المغرب العربي على السواء، وهي المنظمات إياها التي تنفذ عمليات تهريب الأسلحة والمتفجرات وتُثير الفتن وتمارس أبشع عمليات القتل والمجازر الجماعية بحق جميع الطوائف والمذاهب وتُمارس كذلك الإرهاب التهجيري”.

ووفق بيان حركة أمل، فإنّ هذه المواصفات تنطبق بحذافيرها على حزب الله، غير أنّ غالبية القوى الشيعية في عموم العالم العربي، لا تجد في نشاطاتها “ِشبهة إرهاب”، بل مبرراً في سبيل المشروع الأوسع.

في حين رد الحزب على القرار، من خلال بيانه:

“القرار الصادر عن مجلس التعاون الخليجي الذي يصنف حزب الله منظمة إرهابية هو قرار طائش عدواني مُدان … يتحمل النظام السعودي مسؤولية صدوره وتبعاته”.

أي كان بياناً تهديدياً إرهابياً آخر للحزب. ولا شك أنّه سيكون للقرار الخليجي والعربي، والإجراءات التنفيذية اللاحقة، أثر مهم في مستقبل الحزب في عموم المنطقة العربية، وفق مسار المتغيرات الإقليمية والدولية.

ثانياً- احتمالات مستقبل التنظيمات الشيعية في لبنان:

رغم أنّ حركة أمل، تُعتَبر قاعدة المشروع الإيراني الأولى في لبنان، إلا أنّ نشأتها ارتبطت بمتغيرات داخلية أكثر منها خارجية، عدا عن الأدوار الداخلية التي اكتفت بها. لذا فإنّ مستقبلها مرتبط بشكل أكبر بأدوارها الداخلية، في حين ينخفض تأثير المتغيرات الإقليمية في هذا المستقبل. فيما يبقى المؤثر الداخلي الأكبر في مستقبلها، هو مستقبل حزب الله. ورغم ارتباطها العضوي بحزب الله وإيران، إلا أنّ انهيار الحزب أو مشروعه، لا يحمل في طياته انهيار الحركة كذلك.

أمّا بالنسبة للحزب، فمستقبله مرتبط بجملة متغيرات إقليمية ودولية، كما يرتبط بمستقبل المشروع الإيراني في العالم العربي، نتيجة انخراطه المباشر والواسع في حروب المنطقة، وأهم هذه المتغيرات (وفق الترتيب):

  • الحرب في سوريا.
  • موقف الحكومة اللبنانية والقوى الداخلية من الحزب.
  • الحرب في اليمن والعراق.
  • مستقبل النظام الإيراني ومستوى استقراره.
  • موقف الولايات المتحدة (ترامب)، والقوى الغربية، من الحزب، في إطار الحرب الدولية على الإرهاب.
  • تطورات الإجراءات الخليجية تجاه الحزب.
  • الموقف الإسرائيلي.

لتكون نتائج هذه الاحتمالات، وفق الأشكال التالية:

احتمال قيام نتائج في غير صالح الحزب (وبالأخص في سوريا)، ربما تؤدي إلى:

  • انحسار الحزب إلى قواعده داخل لبنان، وتراجع كبير في قدرته على العمل، وخصوصاً إذا كانت خسائره كبيرة.
  • وبالتالي سيشهد الحزب خسارة في حجم حاضنه الاجتماعي الشيعي.

ستسعى أمل لاستقطاب الجماعات الشيعية في لبنان، وتوسيع حاضنها، وذلك في حال لم تظهر قوى شيعية جديدة معارضة للتنظيمين، وقادرة على استقطاب الجماعات الشيعية. وفق شكلين:

  • قوى مستقلة عن إيران ومشروعها، ومرجعيتها الأيديولوجية.
  • إطلاق إيران لقوى جديدة، كما فعلت إبان إطلاق حزب الله. وحيث أنّ هذا الاحتمال يفترض قيام نتائج سلبية على الحزب، فإنّ إيران لن تكون قادرة على تكرار التجربة ذاتها.

وسيكون أمام الحزب أحد خيارين، إمّا القبول بهذه الخسائر والتأقلم معها وإعادة بناء الحزب، أو رفضها والمواجهة مع الآخر.

إذ ربّما تدفع الخسائر الكبيرة للحزب، إلى خيار “الانتحار”، من خلال فتح مواجهة واسعة مع إسرائيل، أو مع الداخل اللبناني، في محاولة للتعويض عن خسائره، وهو نمط سبق له أن لجأ إليه. وسيسعى من خلال هذه المواجهة إلى تعديل ميزان القوى الذي ما عاد في صالحه، من خلال ضرب القوى الأخرى وإلحاق خسائر بها أيضاً، بحيث يحافظ على تفوقه (ميزان الخسائر).

رغم أنّه لا توجد قوى لبنانية قادرة حالياً على مواجهة الحزب عسكرياً، إلا أنّه في حال اندفاع حزب الله نحو المواجهة الداخلية، فإنّ عمليات التسليح ستكون متاحة للجميع، عدا عن أنّ انشغال المنطقة بأسرها في حروب أهلية، سيسهّل عملية التسليح، مع ملاحظة تفوّق مؤقت في (ميزان السلاح) لصالح الحزب.

رغم تفوق الحزب في ميزان السلاح على المعارضة السورية، إلا أنّه لم يستطع تحقيق انتصارات عليها إلا بوجود الدعم الخارجي (نظام الأسد، إيران، روسيا)، وهو دعم لن يتوفر عليه بذات الطريقة في لبنان، في حال كانت نتائج الصراعات الإقليمية في غير صالح الحزب. ما يعني أنّ تفوقه التسليحي لن يشكل له سبباً في انتصارات داخلية.

وربما يكتفي الحزب بعمليات أقل من العمليات العسكرية (ميزان الإرهاب)، في تكرار نمط الاغتيالات واحتلال الشوارع والتهديد بالسلاح.

ويرتبط مستقبل حركة أمل، بموقفها من تطورات سلوك حزب الله. فإمّا أن تكون جزءاً من حراكه العسكري أو الإرهابي أو التهادني، أو أن تنأى بذاتها نسبياً عنه، لتحافظ على استمراريتها.

ورغم أنّ الاحتمال يفرض قيام نتائج سلبية لغير صالح الحزب، إلا أنّ خيار المواجهة المباشرة مع القوى الغربية، أو العربية، يبقى ضعيف الاحتمال، في ظل المعطيات الحالية. كما أنّ المعارضة السورية في حال انتصارها، لن تكون راغبة –أو حتى قادرة- على مواصلة العمليات العسكرية ومدهّا إلى لبنان، حتى لو تمّ استدعاؤها من قوى لبنانية في مواجهة حزب الله. وجلّ ما يمكن أن تقوم به، هو تقديم دعم تسليحي لبعض الأطراف داخل لبنان.

ويبقى أن تكون الارتدادات السلبية والخسائر لهذا الاحتمال على حزب الله، كبيرة إلى درجة لا تسمح له باستيعابها والتكيّف معها، لتقود إلى شلّ قدرته على الحراك، وصولاً إلى تفكيك الحزب وانهياره.

احتمال قيام حلول سياسية توافقية إقليمية، بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المنطقة، تشمل مستقبل الحزب والقوى الأخرى، وغالباً لن تقوم هذه الحلول إلا بالوصول إلى صيغة تُحجِّم من دور حزب الله وإيران إقليمياً، ودور الحزب داخل لبنان. وستعمد أمل حينها إلى الاستفادة من هذا المتغير في تعزيز حاضنها والتأكيد على دور أكثر انفتاحاً على القوى العربية، والحلول محل الحزب لدى شيعة لبنان بشكل تدريجي.

احتمال قيام نتائج إيجابية لصالح الحزب (وبالأخص في سوريا): ما يعني توسيع مجالات عمل الحزب ونشاطاته العسكرية والإرهابية في الدول العربية، وفرض مزيد من النفوذ السياسي داخل لبنان ومحيطه، بل وربما إعادة تفعيل مشروع “الدولة الإسلامية في لبنان”، ما سيقود إلى توسيع حاضنه الشيعي، واضطرار حركة أمل للانسياق في أجندات الحزب بشكل أكبر.

احتمال الملاحقات الدولية: وذلك لقادة الحزب ومسؤوليه، كما في النمط اليوغسلافي، على خلفية المحكمة الخاصة بلبنان (اغتيال رفيق الحريري ورفاقه)، أو على خلفية جرائم الحزب في الدول العربية، أو على خلفية الحملة الدولية لمحاربة الإرهاب. غير أنّ النمط السابق للمحكمة الخاصة بلبنان، لا يوحي بكثير إنجاز في هذا الملف، حيث يبقى هذا الاحتمال رهناً بالإرادة الدولية ومصالح القوى الكبرى، وحجم الضغط الخليجي نحو ذلك. وفي حال قيام هذا الاحتمال، ستكون حركة أمل مستفيدة منه كما في الاحتمال الثاني.

احتمال افتعال حرب مع إسرائيل: لم تُظهِر إسرائيل رغبة في مواجهة حزب الله بعد عام 2006، وخصوصاً أنّ القرار 1701، قدّم لها كثيراً من مطالبها، ورغم انشغال الحزب في الحرب السورية، لم تعمد إسرائيل إلى استغلال ذلك، بل حرصت على التهدئة بين الطرفين، وهو ذات الحرص من قبل حزب الله. غير أنّ هذا الاحتمال يبقى قائماً بشكل دائم، حيث تُعتَبر المواجهة مع إسرائيل إحدى أدوات حزب الله في حلّ أزماته. وفي حال اضطراره نتيجة أسباب إقليمية أو داخلية، فإنّه سيسعى بالتأكيد إلى افتعال هذه الحرب، لتكون حركة أمل أحد أبرز حلفائه فيها، لكن نتائجها ربما تكون أكثر سوءاً من نتائج حرب 2006.

احتمال صعود معارضة شيعية لبنانية للحزب: وهو احتمال ما زال ضعيفاً للغاية، ولا يتمثّل سوى عبر أشخاص مستقلين أو مقرّبين من تيار المستقبل (عقاب صقر على سبيل المثال). وهم أشخاص لا يمتلكون حواضن اجتماعية أو ثقلاً سياسياً خارج تحالفاتهم، عدا عن فقدان داعم خارجي لهم، وعدم امتلاكهم مشروعاً على مستوى الجماعات الشيعية في لبنان ينافس مشروع الحركة أو الحزب.

احتمال النزاع بين حركة أمل وحزب الله: يجد هذا الاحتمال مبرّراته في النزاعات التاريخية بين الطرفين إبّان الحرب الأهلية، وفي حوادث متفرقة بينهما، أحدثها إطلاق نار بين الطرفين على خلفية تمزيق صور قيادات، في بلدة الصرفند الجنوبية، أغسطس 2016. غير أنّ تطور الأمر إلى مستوى نزاع مسلّح جديد، يبقى احتمالاً ضعيفاً للغاية في ظلّ المعطيات القائمة، وخصوصاً في ظلّ استمرارية المشروع الإيراني.

احتمال المواجهة بين الحكومة اللبنانية والحزب: يبقى كذلك احتمالاً ضعيفاً حالياً، مع وصول حليف الحزب، ميشيل عون إلى سدة الرئاسة، وهو احتمال منوط بالمتغيرات السابقة، أكثر منه بمتغيرات داخلية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

25 يناير 2017

للمزيد، انظر المراجع التالية:

(1) _____، “التشكيل الأمني السري: ذراع عمليات حزب الله في الخارج”، 21/1/2016، القوات اللبنانية:

http://www.lebanese-forces.com/2016/01/21/hezbollah-move-abroad/

(2) _____، “الحركات والجماعات الدينية في لبنان”، السكينة، 7/5/2011:

الحركات والجماعات الدينية في لبنان

(3) أحمد موسى بدوي، “حركة أمل: نشأة الحركات الإسلامية العسكرية الشيعية في لبنان”، المركز العربي للبحوث والدراسات، 27/6/2015:

http://www.acrseg.org/39212

(4) بلال صعب ونيكولاس بلانفورد، “الحرب التالية: كيف يمكن لصراع آخر بين حزب الله وإسرائيل أن يبدو، وكيف يعد كلا الطرفين له”، المستقبل العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 391، سبتمبر 2011).

(5) عبد الله محمد الغريب، أمل والمخيمات الفلسطينية (_____: 1986).

(6) غسان العزي، حزب الله: من الحلم الأيديولوجي إلى الواقعية السياسية (الكويت: دار قرطاس، الطبعة الأولى، 1998).

(7) قاسم قصير، “حزب الله من 1982 إلى 2011: هكذا أصبح لاعباً أساسياً”، جزآن، صحيفة السفير اللبنانية، 4/7/2011، 6/7/2011.

(8) ماثيو ليفيت، “دبلوماسيو حزب الله ينتقلون إلى ميدان العمليات”، معهد واشنطن، 2/12/2016:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/hezbollahs-diplomats-go-operational

(9) محمد عبد العاطي، “حزب الله: النشأة والتطور”، الجزيرة نت، 3/10/20104:

http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/25305D60-53CC-4CC4-AAE0-64EB71384AE3

(10) Amos Harel and Gili Cohen, “Hezbollah: From Terror Group to Army”, Haaretz, 12/7/2016: http://www.haaretz.com/st/c/prod/eng/2016/07/lebanon2/