لا غرابة في حالة التخوف التي تسيطر على المشهد السياسي الإيراني والتي أحاطت بالمسؤولين في طهران  جراء فوز دونالد ترامب، حيث من المؤكد أن تكون الأجهزة الأمنية الإيرانية قد قدمت تقارير لصانعي القرار تتحدث عن نية الإدارة الأميركية في كبح جماح ممارسات النظام الإيراني وأنشطته الإرهابية والأخرى الداعمة للجماعات الإرهابية، إضافة إلى تصريحات ترامب العلنية والتي بدأت تترجم إلى سياسة تطبيقية باكورتها الأولى وقف إصدار تأشيرات دخول الإيرانيين إلى الولايات المتحدة، ما يعني أن الإدارة الأميركية الجديدة في جعبتها عدة قرارات تهدف من ورائها إلى عزل إيران ومعاقبتها فعليا على ما ارتكبته من جرائم ومارسته من تدخلات ودعم للإرهاب الإقليمي.

الدول التي ترافق إيران في وقف إصدار تأشيرات دخول للولايات المتحدة جميعها تشهد إضطرابات تسببت فيها إيران بشكل مباشر وهي: العراق، وسوريا، واليمن، والسودان والصومال، وليبيا، حيث أن الأوضاع المتدهورة في هذه الدول كانت وراء منع استصدار تأشيرات دخول مواطنيها إلى الولايات المتحدة، ولكن إيران التي جاءت في قائمة الدول التي شملها هذا القرار انفردت في سبب وضعها ضمن قائمة الدول المحظورة، ما يمكن اعتباره إرهاصات سياسة عقابية متشددة تنوي إدارة ترامب تفعيلها ضمن حزمة من العقوبات ضد النظام الإيراني.

ويدل اتخاذ هذا القرار ضد إيران على أن هناك إصراراً أميركياً في تنفيذ ما وعد به الرئيس ترامب أثناء حملته الانتخابية من القضاء على الإرهاب والدول والأنظمة التي ترعى وتدعم الإرهاب، وعلى رأسها النظام الإيراني، وعلى ما يبدو وفي قراءة لتصريحات المسؤولين الإيرانيين الراجفة، وما يمكن أيضا استنباطه من الإعلام الإيراني المؤدلج، أن هناك قرارات ستصدر قريبا ضد النظام الإيراني والحرس الثوري تتضمن عقوبات ستزيد من عزلة إيران عالميا وتقود إلى مزيد من الوهن السياسي والتردي الاقتصادي في إيران.

وفي قراءة أخرى فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرى  أن النظام الإيراني يشكل خطرا حقيقيا على دول الإقليم، فيريد إرسال رسالة مطمئنة للخارج بأنه سيتعامل مع هذا النظام بشدة، ولن يسمح له بمزيد من التدمير للمنطقة، ويريد ترامب أيضا أن يبعث رسالة للداخل يؤكد فيها التزامه في وضع الأمن في أولوياته، وأنه ملتزم في تلبية وعوده الانتخابية بمحاربة الإرهاب والقضاء عليه وعلى جذوره وحماته، ومعاقبة إيران وكبح جماح نظامها أحد طرق مكافحة الإرهاب والقضاء عليه، ويرى مراقبون أن فريق دونالد ترامب يجهز حاليا لخطة محكمة لتقليل نفوذ إيران نهائيا في المنطقة.

وبتتبع تصريحات مسؤولي الإدارة الجديدة في واشنطن، نستشف أن هناك تخطيطا أميركيا يهدف إلى عزل إيران عن العام ستكون من إرهاصاته إجراء حوارات مع الروس لإقناعهم بضرورة الابتعاد عن طهران بوصفها داعمة للإرهاب، وذكر “مايكل ليدين” الذي يعمل حاليا مستشارا للأمن القومي بإدارة ترامب: “أنه من المهم أن نتعرف على حدود رغبة روسيا في التعاون معنا بشأن إيران، ولا بد أن يتم إجراء هذه المحادثات”، ويعتقد الخبراء أن الجزء الأكبر من جهود فريق ترامب الدبلوماسية ستعمل على إقناع موسكو بالتخلي عن إيران بسوريا ووقف مبيعات الأسلحة إلى النظام الإيراني، وحسب قراءة تصريحات القادة في موسكو، فإن روسيا تفضل بالتأكيد الصداقة الجديدة مع الولايات المتحدة على صداقتها الحالية مع إيران التي لا وزن لها أمام القوى العظمى التي تهيمن على العالم.

وعبر الرئيس الأميركي ترامب عن استيائه الشديد من الإدارة السابقة للولايات المتحدة منتقدا بشدة تركها للعراق الذي تكون فيه فراغ استغله النظام الإيراني والحرس الثوري وتنظيم داعش، مؤكدا أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ كبيرا حينما دخلت العراق وسلمته إلى إيران، إذ كان يجب عدم ترك العراق، لأن ذلك أدى إلى خلق فراغ قامت إيران وداعش بملئه.

وفي السياق نفسه يعتبر طلب ترامب من وزارتي الخارجية والدفاع في حكومته بوضع خطة لإنشاء مناطق آمنة للمدنيين في سوريا والدول المجاورة في غضون 90 يوما من تاريخ الأمر، خطوة مقلقة للنظام الإيراني الذي أهدر مليارات الدولارات وأرسل آلاف المقاتلين إلى سوريا للسيطرة عليها، حيث تعتبر هذه الخطوة تقليصا للتواجد الإيراني في سوريا.

وفي خضم هذه القرارات التي تصب جميعها في إطار معاقبة النظام الإيراني ومحاربة الإرهاب، تخرج أصوات عديدة من داخل الولايات المتحدة تطالب الرئيس الأميركي الجديد باتخاذ إجراءات حيال سلوك النظام الإيراني والحرس الثوري في المنطقة، ومن بينهم “دينيس روس” المساعد الخاص السابق لباراك أوباما والذي دعا دونالد ترامب لاتخاذ الإجراءات والسياسات اللازمة حيال سلوك إيران، معتبرا أن العدوان الإيراني قد تزايد منذ بدء تنفيذ الاتفاق النووي الإيراني.

من المتوقع أن يكون هناك عدة ضربات قاسية سيتلقاها النظام الإيراني في المستقبل ومن كافة الاتجاهات، وقد بني هذا الاعتقاد على وجود شبه إجماع عالمي على ضرورة الخلاص من النظام الإيراني كخطوة من خطوات مكافحة الإرهاب الذي يضرب دول العالم، وهذه الضربات ستشعل الداخل الإيراني على النظام، وستتعرض إيران إلى مزيد من الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي لا يمكن للشعب أن يتعايش معها، وخاصة أن إرهاصات فشل الاتفاق النووي من الداخل الإيراني والخارج بدأت تلوح في الأفق، حيث تبين في استطلاع للرأي أجرته جامعة ميريلاند أن شكوك الشعب الإيراني حول الاتفاق النووي تتزايد، وشعبية روحاني في حالة تراجع، وجاء في النتائج أن 75% من الإيرانيين يرون أن الاتفاق النووي لم يكن له أي تأثير إيجابي على حياتهم.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

26 يناير 2017