طالما تغنت حكومة المعتدل روحاني بالإنجازات التي تحققت إثر نجاح المفاوضات النووية والتوصل إلى اتفاق بين إيران ومجموعة 5+1 الدولية، دون أن تعلم حجم ما تكبدته البلاد من خسائر فادحة أنفقها الحرس الثوري على البرنامج النووي، وصعدت من حدة مبالغتها في انتصارها على الغرب حين توصلت لهذا الاتفاق، واضعة ثقتها بالقوى الغربية على عكس المتشددين وقادة الحرس الثوري الذين يعلمون كل العلم ما أنفقوه من مليارات الدولارات من أموال الشعب على هذا البرنامج النووي الذي أذهبت نتائجه حكومة روحاني على أدراج الرياح.

حكومة روحاني ليست سوى إدارة تنفيذية لسياسة إيران العلنية والتي تمثل نحو 30% فقط من ممارسات إيران الخفية، لذا فهي لا علم لها بأي ناحية عسكرية وليس من صلاحياتها التدخل في الأمور العسكرية التي يعتبر الملف النووي جزءاً منها.

هذا هو سر الخلاف الذي نشب بين حكومة ورحاني والحرس الثوري حول الاتفاق النووي، وعمل التيار المتشدد والحرس الثوري بكل ثقل لإفشاله، فهو لا يريد أن تذهب الأموال الضخمة التي أنفقت على برنامج إيران النووي والتي لا علم لروحاني بها، هباء منثورا، إضافة إلى أن الحرس الثوري جنى الكثير من الأرباح جراء العقوبات الدولية من خلال تسلطه على مزيد من اقتصاد البلاد وتحايله على القوانين الدولية، حتى أفرغ بما للكلمة من معنى خزينة الدولة من الأموال.

حاليا دخل الطرفان الإيرانيان في نفق مظلم زاد أولا من تخبطهما في سياساتهما وسلوكهما وحتى التصريحات التي تخرج منهما، وثانيا رفع حدة الخلافات والتوترات بين هذين الطرفين، فترامب في ضربة أولية منع دخول الإيرانيين إلى الولايات المتحدة، وفي ضربة ثانية فرض عقوبات جديدة شملت أشخاصا ومؤسسات إيرانية وهي:1 –  شركة ستاره شرقي 2ـ شركة آرين دانش 3ـ شركة ساختماني تجاري ماهر 4ـ شركة تجاري – انرژي ميراژ 5 ـ شركة بين‌المللي أم ‌كي أس 6ـ شركة صادرات وواردات نينگبو 7ـ شركة داريا افق سبز 8ـ شركة داروسازي ريم 9ـ شركة رويال پرل الموجودة في الإمارات 10ـ شركة زيست تجهيز پويش 11ـ شر كة تجاري كاسالينگ و 12: Mirage for Waste Management & Environmental Services sar.

والأشخاص هم: حاج يحيى، عبدالله اصغرزاده، تني شاخداريان، حسن إبراهيمي، محمد فرحت، محمد مقام، كامبيز رستميان، علي شريفي، كين شين هوآ، ريچارد يوو، مصطفي زاهدي، قدرت زرگري،  وكارول ژائو.

لقد توهم النظام الإيراني من خلال سماحه لحكومته الضاحكة، واستغلالها لعقدة النقص التي كانت تسيطر على الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، بأن يخدع العالم بالاتفاق النووي الذي سيكون غطاء لتمدد مشروعه التوسعي، وما سيجنيه من أموال رفع العقوبات سيكون بمثابة دفعة جديدة لعمليات دعمه للجماعات الإرهابية وطوابيره الخامسة، إلا أن الندم وقع الآن حيث لا ينفع الندم، فتعاقد وتآمر النظام الإيراني مع إدارة أوباما ضد مصالح دول المنطقة كان خطأ استراتيجيا لإيران لن تستطيع تفادي عواقبه الآن، بينما سارعت الولايات المتحدة بتصحيح هذا الخطأ، ونسف كافة ما أسسه أوباما وعمل عليه مع النظام الإيراني.

ما ارتكبه النظام الإيراني من أخطاء في سياساته الداخلية والخارجية سيدفع ثمنه في المرحلة القادمة من عمر الجمهورية الإيرانية، الشعوب الإيرانية والحكومة والنظام معا، فإدارة ترامب مصرة على تحديد حجم إيران الواقعي، وإن لم يخضع النظام الإيراني ويتخلى عن سياساته العنجهية والتدخلية ستعمل إدارة ترامب بالتعاون مع المجتمع الدولي لتغيير هذا النظام من الداخل، من خلال ثورة شعبية تطيح به، وخاصة أن النظام الإيراني بما يسري فيه من فساد منظم ونظرا لطبيعة تكوينه وهيكلته السياسية الأمنية، لا يمكن بأي حال من الأحوال إصلاحه، لذا فإن الخلاص من سياسات النظام الإيراني لا تكون إلا في تغييره نهائيا.

في الحقيقة أراد النظام الإيراني اختبار إدارة ترامب ومدى جديتها في التعامل مع إيران، فأجرى تجربة صاروخية يذرف الدم عليها الآن، ليصطدم بغضب أميركي لم يعتد عليه في عهد الحنون أوباما، فوجد نفسه في مرمى صواريخ العقوبات التي ما لبث أن خف ثقلها حتى عاودت تكوي جلود المسؤولين.

وتعني هذه العقوبات أن إدارة ترامب قادمة إلى البيت الأبيض بإصرار في تغيير موقف واشنطن تماما تجاه طهران، وما هذه العقوبات إلا خطوة أولى في هذا الطريق، وطبيعة القرارات الأميركية الديناميكية تجاه النظام الإيراني ترسم مسارات السياسة العامة القادمة للولايات المتحدة تجاه هذا النظام، وبناء عليها فإنه من المتوقع أن تشدد واشنطن ودول أخرى عقوباتها على النظام الإيراني بشكل أكبر في المستقبل من باب التجارب الصاروخية وأيضا إصرار إيران على دعم الإرهاب، ما يهيئ أرضية للتسابق نحو إلغاء الاتفاق النووي الذي أصبح في مهب الريح.

بالطبع سيتقهقر النظام الإيراني إلى سياساته التقليدية المتبعة حين يشعر بخطر محدق جدي على بقائه، وذلك في تقديم عدة تنازلات وإبراز مزيد من الرضوخ والخضوع، ولكن يطرح سؤال هنا: إلى أي حد من التنازلات والخضوع تجعل ترامب يوقف سهامه تجاه طهران؟

فبالنظر والتمحيص في ما خرج من تصريحات المسؤولين الأمريكان الجدد، نتوصل إلى وجود رغبة حقيقية في التخلص من النظام الإيراني، وأن هناك خطط وبرامج تعد حاليا في كافة المؤسسات الأميركية كسيناريوهات التخلص من النظام الإيراني الحالي، ولم يتم استبعاد الخيار العسكري منها، وهو ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب في رسالة واضحة للتأكيد على عزمه في المضي قدما في تأديب النظام الإيراني والحرس الثوري، وأكد كذلك وزير دفاعه “جيمس ماتيس” أن إيران أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، وأعلن مايكل فلين مستشار ترامب للأمن القومي أن الولايات المتحدة توجه تحذيرا رسميا لإيران يدين التجربة الصاروخية ويصفها بـانتهاك مستفز لقرار مجلس الأمن.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

5 فبراير 2017