محاور الدراسة:

  • مدى تنوع وسائل الإعلام الإيراني.
  • خريطة القوى الإعلامية والفكرية ومدى تأثيرها على الجمهور الإيراني.
  • العناصر المسيطرة على بيئة الإعلام في إيران.
  • تأثير صراع التيارات السياسية على الإعلام الإيراني.
  • أبرز وسائل التواصل الاجتماعي المستخدمة من قبل الشعب.
  • تضارب الحظر وفك الحجب عن وسائل التواصل الاجتماعي الغربية.
  • نشاط الشعب الإيراني على وسائل التواصل الاجتماعي.

مدخل:

تكمن أهمية وسائل الإعلام كإحدى الركائز المهمة التي تعتمد عليها الدول في تنفيذ سياساتها ونشر أيديولوجيتها، وزاد تأثير وسائل الإعلام بشكل ملحوظ مع نهايات القرن الماضي وبداية القرن الحالي، حيث شهد العالم تطورات سياسية كبيرة لعبت وسائل الإعلام دورا بارزا في تحديد توجهاتها وإنجاح أهدافها، ما دفع الحكومات للجوء إلى المحركات الإعلامية أكثر من أي وقت مضى لتنفيذ أجندتها الداخلية والخارجية، وتحقيق أهدافها.

تزامن ذلك مع نقلة نوعية في المجال التكنولوجي سهّل من توسيع الأنشطة الإعلامية في العالم وحفز عليها، ومن هنا انطلقت استراتيجية الكثير من الدول في وضع خطط إعلامية تعمل على تكوين المعرفة وتشكيل الأفكار ثم توظيفها لخدمة سياساتها الداخلية والخارجية، وإيصال هذه المعارف والأفكار المؤدلجة بطريقة مؤثرة إلى المتلقي من أجل برمجة عقله والسيطرة على سلوكه.

وتمتلك إيران إمبراطورية إعلامية ضخمة وواسعة، وتعتبر الأكبر على مستوى المنطقة بلا منازع، بل إنها واحدة من أكبر الإمبراطوريات الإعلامية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ والعالم، وتنفق أموالا باهظة من أجل توسيع إعلامها أكبر قدر مستطاع ثم توظيفه ضمن خطط وبرامج واسعة تصب في مصلحة المشروع الإيراني.

 ولا شك أن إيران من بين الدول التي برعت في توظيف الإعلام وحولته إلى قنوات مؤثرة في الرأي العام، وخاصة بعد عام 1979 ووصول نظام الولي الفقيه إلى سدة الحكم، ووضعه لخطة إعلامية قسمها فريقه إلى جزئين، داخلي باللغة الفارسية، وخارجي باللغة العربية والإنجليزية والأردوية وحتى التركية، وأصبح من الواضح استخدام النظام الإيراني لاستراتيجية دعائية “بروباغاندا” وتوظيفها لنقل رسالته إلى الداخل والخارج.

تمنح السلطات الإيرانية أهمية بالغة لوسائل الإعلام، سواء من حيث نشر الرسائل وتعضيد السياسات، أو من حيث النشاط ضد مخططات ومصالح بعض القوى الإقليمية والدولية، خاصة إذا وجد فيها خطط ترمي لاستهداف النظام الإيراني ومشروعه في المنطقة، فتحول الإعلام إلى أحد أهم وسائل القوة الناعمة التي تستخدمها السلطات الإيرانية في تثبيت سياستها الحاكمة وتحريف مصطلحات مشروعها التوسعي إلى مصطلحات تلقى قبولا لدى شعوب المنطقة مثل مصطلحات المقاومة الإسلامية وحماية المراقد ومقارعة الاستكبار ورفع الظلم والقهر عن الشعوب، وهذه المصطلحات أنتجها الإعلام الإيراني كبديل عن التدخلات ودعم الطائفية وتصدير الثورة.

تطور توظيف الإعلام الإيراني بعد ثورة 1979:

بعد ثورة 1979 تحولت وسائل الإعلام في إيران إلى أداة أساسية لإيصال أفكار ورؤى الحكومة الجديدة بزعامة الخميني للشعب الإيراني،‏ حيث اعتمد رجال الدين قبل الثورة وأثناءها على‏ “شرائط الكاسيت” كوسيلة أساسية في تعبئة الجماهير وتنظيم المظاهرات ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي‏.

وبعد نجاح الثورة، خضعت وسائل الإعلام لسيطرة التيار اليميني المتشدد ورجال الدين من أتباع المرشد الخميني، وأخذت تتبع منهج الإسلامية لمواجهة الليبرالية والشيوعية، وهنا لعبت صحف مثل صحيفة “جمهوري اسلامي‏” التي انطلقت فور انتصار الثورة لتنطق بلسان التيار السياسي الوحيد الذي كان موجودا آنذاك وهو حزب الجمهورية الإسلامية‏،‏ وأيضا صحيفة “‏كيهان” دورا مهما في ترسيخ دعائم النظام الإسلامي الجديد‏.

استمر المنهج الإعلامي منفردا في إيصال رؤية تيار محدد تقف خلفه قوة تديرها أجهزة أمنية ورقابية تابعة للتيار المتشدد بقيادة الخميني، وبعد وفاة الخميني، وتولي هاشمي رفسنجاني رئاسة البلاد لدورتين من تاريخ 1989 حتى 1997، شهدت وسائل الإعلام كسرا للطوق الأمني الذي وضعه التيار المتشدد، وبدأت مرحلة جديدة تشابكت فيها العلاقات الداخلية والخارجية، وبرزت أشكال من التفاعلات السياسية والاقتصادية التي أنتجت أفكار ووجهات نظر متباينة بين التيارات السياسية في إيران (المحافظ والمتشدد)، ودار الخلاف حول قضايا داخلية وخارجية متعددة دون المس بالخطوط الحمراء للثورة الإسلامية التي وضعها المرشد الخميني وحافظ علهيا من بعده خامنئي، بل دار الخلاف حول قضايا مثل الحرية الاقتصادية وحرية الأسواق ودور الدولة في ذلك وأيضا الديمقراطية والحريات العامة وتشكيل الأحزاب وموضوع كيفية العلاقات مع دول العالم والانفتاح على الخارج.

في هذه الفترة أي في عهد رفسنجاني، يمكن القول إن وسائل الإعلام الإيراني أصبحت ذات توجهات مختلفة لاختلاف التيارات السياسية التابعة لها، مع الحفاظ كما قلنا على توافقات الخطوط الحمراء للثورة، زاد هذا التحرر الإعلامي، موافقة الرئيس رفسنجاني على صدور صحيفة “سلام” التي كانت توجه انتقادات لسياسات النظام ومنها أداء الرئيس رفسنجاني، كما كان لمحمد خاتمي الذي كان يتولى وزارة الثقافة في عهد رفسنجاني دور في توسيع دائرة الحرية في الساحة الإعلامية الإيرانية، ما أثار غضب التيار المتشدد الذي عمل على وضع العقبات أمام خاتمي والتي أدت إلى استقالته من منصبه.

وفي عام 1997، وصل الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي إلى الرئاسة، وعمل على إحداث تطور في وسائل الإعلام، ووصل عدد الصحف اليومية والمجلات الصادرة باللغات الفارسية والعربية والكردية والإنجليزية إلى‏1280‏ منها ‏25‏ صحيفة يومية، كما زاد عدد توزيع الصحف من مليون و‏200‏ ألف نسخة إلى ‏2‏ مليون و‏730‏ ألف نسخة يوميا‏.

 ‏ وفي هذه الفترة ظهر كتّاب من رموز الليبرالية، مثل عبد الكريم سروش وهاشمي أغاجري، حيث تقول التقارير أن بعضهم طالب بمحاسبة المرشد الإيراني وعدم وضعه في مكانة أعلى من الشعب، ورفض احتكار تفسير الشريعة والدفاع عن الديمقراطية‏. ‏

في الفترة الرئاسة الثانية للإصلاحي أحمد خاتمي، تعرضت سياسته الرامية للتوسع الإعلامي إلى تحديات وعراقيل وضعها المحافظون وبدعم من المرشد علي خامنئي والحرس الثوري، وتم تقييد مساحة الحرية التي كانت قد منحت للصحافة وباقي وسائل الإعلام، وتعرضت بعض الصحف وخاصة الإصلاحية لعقوبات وتم إغلاق بعضها، مثل صحيفة “جامعه” وصحيفة “نشاط”، كما تم إعدام مرتضى فيروزي رئيس تحرير صحيفة “إيران نيوز”، وسجن علي أكبر كنجي مسؤول صحيفة‏ “راه نو”، وكذلك سعيد نوباري مدير صحيفة‏ “أخبار روز”، وتعرض العديد لمحاولات اغتيال مثل سعيد حجاريان مسؤول صحيفة‏ “صبح أمروز”، فضلا عن تعطيل ‏16‏ صحيفة دفعة واحدة على إثر الانتقادات التي وجهها المرشد الأعلى لدور الصحافة الإصلاحية التي اتهمها بخرق المبادئ الإسلامية وإثارة الشقاق في المجتمع وتهديد الأمن القومي الإيراني‏.

وفي عام 2005، وصل التيار المتشدد إلى الرئاسة عن طريق محمود أحمدي نجاد الذي فسحت حكومته المجال لمزيد من القيود والمراقبة على الإعلام، وتبنى النظام الإيراني من خلال حكومة نجاد نهجا متشددا في التعاطي مع وسائل الإعلام خاصة الإصلاحية، وشنت شرطة الآداب الإيرانية حملة قوية لجمع الأطباق اللاقطة للفضائيات من على أسطح المنازل وذلك تنفيذا للائحة التي أصدرها رئيس السلطة القضائية السابق محمود هاشمي شاهرودي الذي اعتبر أن هذه الأطباق تستغل في بعض الأحيان في جرائم تستهدف أمن إيران عبر الاستفادة من الفضائيات والإنترنت.

استمرت عملية إعادة الإعلام الإيراني إلى قطبية واحدة حتى نهاية حكم نجاد عام 2013، لتبدأ محاولات جديدة من قبل الرئيس الإيراني المعتدل والمدعوم إصلاحيا في محاولة توسيع الحرية الإعلامية حسب ما وعد به أثناء حملته الانتخابية، إلا أن غرفا سرية تم إنشاؤها من قبل الحرس الثوري والتيار المتشدد لإجهاض أي محاولة لتوسيع الحريات الإعلامية في إيران، وإبقاء كافة وسائل الإعلام الإيرانية تحت مراقبة وإشراف الحرس الثوري والجهات الرقابية الثورية، وعمل المرشد الإيراني على فتح قنوات التراشق الإعلامي بين التيارات السياسية عن طريق السماح بكشف ملفات تسيء للحكومة أو أي تيار سياسي، مع المحافظة على خطوط المرشد الحمراء وعدم المساس بمرشد الثورة، ويمكن القول أن الصحف الإيرانية وباقي وسائل الإعلام قد تحولت في هذه الفترة إلى مرآة عاكسة للتيارات السياسية الإيرانية، لدرجة أصبح معها من المتعذر الحديث عن وجود استقطاب إعلامي جامد بين الإصلاحيين والمتشددين،‏ فقد أسفرت التطورات السياسية التي شهدتها إيران في الفترة الأخيرة عن بروز اتجاهات مختلفة بين القوى السياسية الإيرانية.‏

ميزات توظيف الإعلام الإيراني:

تتضح صورة توظيف النظام الإيراني لوسائل الإعلام من خلال استخدامه للدين والآيات القرآنية والأحاديث النبوية وقول الأئمة في إقناع المتلقي بضرورة قبول ما تتضمنه وسائل الإعلام من إرشادات وأخبار وتقارير من كافة النواحي، وإعطاء صبغة الروح الدينية لما يتضمنه الخطاب الإعلاني وتعليق ذهن المتلقي بالواجبات السماوية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يمكن القول أن النظام الإيراني من أكثر أنظمة العالم استخداما للدين والعاطفة الدينية والقومية في طرح الخطاب الإعلامي وحتى الإخباري.

أكثر ما يميز توظيف النظام الإيراني لوسائل الإعلام بشكل عام أيضا قدرته على انتقاء المصطلحات وتكوين العبارات وتوظيف اللغة على نحو يخدم استراتيجيته السياسية، وكون النظام الإيراني نظام راديكالي أيديولوجي، فإن حاجته لاستخدام الإعلام في المساعدة على تنفيذ أجنداته تكون أكبر، وخاصة أنه استطاع فرض رقابته بشكل كامل على كافة وسائل الإعلام الإيرانية، ما سهل عليه مهمة انتقاء المصطلحات وتوحيد نشرها واعتمادها من قبل وسائل الإعلام.

فمثلا مصطلح “منافقين” جميع وسائل الإعلام الإيرانية أصبحت تستخدمه للدلالة على “منظمة مجاهدي خلق”، وذلك بعد إطلاق هذا المصطلح من قبل الخميني، وكذلك استخدام مصلطح “الفتنة” للمظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت في إيران عقب فوز أحمدي نجاد عام 2009، وزعماء هذه الحركة موسوي وكروبي تم إطلاق مصطلح “رؤوس الفتنة” عليهم، ومن شارك بها “أصحاب الفتنة” وتم اعتماد هذا المصطلح في الإعلام الإيراني، وكذلك الشيطان الأكبر والموت لأميركا وغيرها…

وإقليميا اتفق الإعلام الإيراني على مصلطحات مشخصة ومحددة أمنيا لتبيين الاستعلاء الإيراني في المنطقة وإظهار العظمة الإيرانية من خلال الازدراء على الآخرين، فيستخدم مثلا مصطلح “اعراب” بدلا من “العرب” وكذلك مصطح “قادة الدول العربية الرجعية، والأنظمة العربية الديكتاتورية والمشيخات بدلا من دول الخليج ونظام آل خليفة بدلا من النظام البحريني وآل سعود بدلا من السعودية والعدوان السعودي مكان التحالف العربي في اليمن والإرهابيين مكان المعارضة المسلحة في سوريا واليمن وغيرها الكثير من المصطلحات.

استوعب النظام الإيراني منذ حربه مع العراق ونجاح الدعاية الإعلامية في التفاف الشعوب الإيرانية حول القيادة أن الدعاية يمكن تحويلها إلى أداة للإقناع السياسي والأيديولوجي يمكن من خلالها تنفيذ سياسات طويلة الأمد، فبدأ سياسة فرض رأي معين على المواطن في إطار بث الأخبار.

وقد تجلت أهمية الإعلام ودوره في الساحة الإيرانية من خلال ربط هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بالمرشد الإيراني، حيث نصت المادة 110 من الدستور الإيراني أنه من صلاحيات المرشد الإيراني تعيين وعزل رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون.

حسب ما هو سائد ومتعارف عليه، فإن كافة وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية وشبه الرسمية تخضع لإشراف الحكومة ووزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، وعلى كافة وسائل الإعلام وخاصة المطبوعات الحصول على ترخيص عمل من قبل وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ولكن حقيقة الأمر أن من إجراءات الحصول على ترخيص مزاولة أي مؤسسة إعلامية، مراجعة الاستخبارات الإيرانية، ناهيك عن سيطرة الجهاز الأمني واستخبارات الحرس الثوري ومراقبتها لكافة وسائل الإعلام الإيراني وتحديد منهجية العمل وطريقة نشر الأخبار.

أما بالنسبة للإذاعة والتلفزيون الإيراني فإنه يخضع لإشراف ومراقبة “مجلس الإشراف على الإذاعة والتلفزيون”، ويعين المرشد الإيراني نفسه رئيس الإذاعة والتلفزيون، ما يدل على أهمية وحساسية هذا المنصب.

لا يوجد أي محطة تلفاز أو إذاعة غير حكومية داخل إيران، وقد كانت هناك الكثير من المساعي من أجل تأسيس إذاعة وتلفزيون خاص، مثل مساعي “مهدي كروبي” وأيضا “علي مطهري” إلا أن جميع هذه المساعي باءت بالفشل نظرا لمخالفتها للدستور الإيراني.

ثمة هيئة رسمية في إيران تحدد السياسة العامة لوسائل الإعلام بكافة أشكالها، وتراقب تنفيذ هذه السياسات وفق السياسات العامة للنظام، ويشرف على هذه الهيئة بشكل مباشر المرشد الإيراني الأعلى، وهي وكالة بث الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وترتبط بعدد من الوزارات والهيئات الحكومية الأخرى، وخاصة وزارة الخارجية، لتطابق وجهات النظر الرسمية للدولة في القضايا والأمور المختلفة، وخدمة الدبلوماسية الإيرانية، ونقل أفكار الثورة الإسلامية.

ومن المؤكد أن وسائل الإعلام الإيرانية وخاصة في الآونة الأخيرة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من السياسة والحكم، وهي دائما مقيدة وتخضع لرقابة مشددة ومراجعة دورية، إما تحت قيود القوانين الموضوعة، أو من خلال الأجهزة الأمنية، لذا يرى البعض أن مصطلح وسيلة إعلام “غير رسمية” لا وجود لها في إيران، لأن جميع وسائل الإعلام في إيران تعمل وفق إطار واحد ورسالة سياسية واحدة.

قوة تأثير وسائل الإعلام الإيرانية:

عكست قدرة توظيف النظام الإيراني للإعلام تجربة مهمة على مستوى العالم كأنموذج من نماذج استخدام القوة الناعمة في تنفيذ السياسات وتحقيق الأهداف، ورغم ما تعرضت له البلاد من حصار وعقوبات بدأت مع ولادة هذا النظام الجديد، غير أن الإعلام الإيراني عمل بفعالية واستخدم هذا الحصار والعقوبات للترويج لمظلومية بلاده واستكبار القوى الغربية، مستخدما خطابا استثنائيا في السياسة والإعلام والثقافة، واعتمد على ميزة التنوع في الأدوات والانتشار، واستطاع مخاطبة الكثير من الشعوب وخاصة العربية، ما فتح الشهية أمامه لمخاطبة اللغات والثقافات الأخرى، ولهذا نرى عدة محطات إيرانية تنطق بلغات غير الفارسية مثل تليفزيون “برس تي في” بالإنجليزية، وتليفزيون “هيسبان تي في” بالإسبانية والعالم والميادين وغيرها بالعربية.

تؤثر بعض وسائل الإعلام على السياسة الداخلية والخارجية لإيران بشكل ملحوظ، وذلك من خلال تقديم مؤشرات ورسم ملامح لمواقف النظام والمرشد السياسية حول القضايا الداخلية والخارجية،‏ ويمكن اعتبار صحيفة‏ “كيهان” وقناة العالم أبرز النماذج في هذا السياق، حيث تعتبر ‏صحيفة “كيهان”‏ متحدثة بلسان المرشد علي خامنئي وتابعة له بشكل مباشر.

 واستطاع النظام في إيران تحويل وسائل الإعلام إلى أداة لتحقيق أهدافه، بل وأصبحت أكثر أدواته فاعلية، فقد لازم النشاط الإعلامي الثورة الإيرانية منذ مرحلته الأولى، بل يمكن اعتبار الثورة الإيرانية بأنها وليدة الفعل الإعلامي الذي انتهجه الخميني وأنصاره نهاية حكم الشاه وبداية نجاح الثورة، حيث كانت أشرطة وكتابات الخميني وأتباعه من رجال الدين في قم أبرز عامل أدى إلى تحريك ونهوض الشارع الإيراني ضد نظام محمد رضا بهلوي، وهذا يجعلنا ندرك الطريقة التي يدير بها النظام الإيراني وسائل الإعلام في الوقت الراهن، وما يكللها من اهتمام بالغ ويعتمد عليها في ترسيخ حكمه في الداخل وتصدير ثورته إلى الخارج.

وتعتمد وسائل الإعلام الإيرانية عدة ثوابت استراتيجية في الداخل والخارج تتماشى مع التطورات المحلية والإقليمية والعالمية، وخاصة في العالم العربي والإسلامي وفي المقدمة دول الخليج العربي، وتحرص على الحفاظ على النظام الحالي ومصالحه التي تضمن استمراريته ومبادئ مشروع تصدير الثورة من خلال الباعث الديني وتلميع صورة النظام الحالي وتلطيخ وتشويه صورة الأنظمة العربية والإسلامية التي تقف في وجه المشروع الإيراني باعتماد مجموعة أفكار يتم التأسيس لها من قبل خبراء إعلاميين وأمنيين وسياسيين، وطرحها عبر وسائل الإعلام بشكل موحد يضمن إقناع عقول المتلقيين بها من كثرة تكرارها بشكل موحد، وباستخدام عبارات ومصطلحات يتم الاتفاق عليها إعلاميا.

ويمكن اعتبار فكرة الترويج لوجود علاقات بين الأنظمة العربية الرافضة للمشروع الإيراني وخاصة السعودية والإمارات والأردن ومصر والبحرين مع الكيان الصهيوني وطرحها بشكل مستمر عبر وسائل الإعلام بهدف إيجاد فتنة بين شعوب المنطقة وهذه الأنظمة وتشويه صورتها من الأمثلة على تسخير وتوظيف النظام الإيراني للإعلام للتأثير على الرأي العام والثقافة الجماهيرية الإقليمية.

ولتحقيق أكبر قدر من الأجندة السياسية وتوظيف الدعاية الإعلامية عبر الإعلام، استحدث النظام الإيراني مجموعة من الأقسام التي تعزز هذه الأهداف داخل المؤسسات الإعلامية، مثل قسم الدراسات والأبحاث، وقسم ثقافة الناس التي تتبع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية.

ويميز الإعلام الإيراني أيضا وجود مراكز دراسات وبحوث واستطلاع الرأي بشكل كبير تتبع المؤسسات الإعلامية، بحيث تستسقي وسائل الإعلام الإيرانية الإرشادات والتوجهات والأفكار العامة من هذه المراكز في أنشطتها الإعلامية، لذا يوجد لأغلب المؤسسات الحكومية والإعلامية في إيران مراكز دراسات وبحوث تقدم أفكارا وخططا مدروسة تستعين بها هذه المؤسسات في أنشطتها وأعمالها.

في الفترة الأخيرة، تحول النشاط الإعلامي الإيراني إلى أداة عمل استخباراتي، اتسع معها رقعة العمل الإعلامي في البلدان العربية وخاصة التي جرفتها سيول ما يسمى بالربيع العربي، ونشط مراسلوا الصحف ووكالات الأنباء الإيرانية في الدول العربية بشكل لافت، حتى في مصر، وأجروا حوارات ومقابلات مع شخصيات ورموز سياسية في الدول العربية تضمن هجوما على الأنظمة العربية المعاندة للمشروع الإيراني، وتم نشر هذه المقابلات والحوارات بلغات مختلفة لا سيما الفارسية والعربية، وكان لها تأثير كبير على الشعب والرأي العام الإيراني لأنها خرجت من رموز عربية وتهاجم أنظمة عربية، ومن هنا ندرك تماما تنوع اللغات في الإعلام الإيراني والهدف من ذلك، إذ تستهدف هذه اللغات الأقاليم والدول التي يتحرك فيها المشروع الإيراني، وخاصة الدول العربية وتركيا وأفغانستان.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

6 فبراير 2017