في ذكرى انتصار الثورة الإيرانية من كل عام، ينشط الخطاب الشعبوي على ألسنة القادة الإيرانيين وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، يصاحب ذلك نشاط شعبوي يمارسه الحرس الثوري والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بإصدار الأوامر لمنتسبي المؤسسات الحكومية وخاصة العسكرية والأمنية وأقاربهم للمشاركة في مسيرات ما يعرف في إيران بمسيرات 22 بهمن، والذي يصادف 10 فبراير من كل عام وهو ذكرى نجاح الثورة الإيرانية التي فجرتها الشعوب الإيرانية وتم سلبها من رجال الدين الإيرانيين المدعومين من الغرب.

جاءت ذكرى هذا العام متزامنة مع تحديات جديدة فرضتها السياسات الخاطئة للنظام الإيراني بإصراره على دعم الإرهاب والتدخل في شؤون الغير والتعنت في تنفيذ المشروع الإقليمي التوسعي، بعد أن غيرت الإدارة الأميركية لباسها الفضفاض تجاه إيران وبدأت مع قدوم الرئيس الجديد باتخاذ سياسات رادعة تجاه السلوك الإيراني، ما دفع قادة النظام إلى تنشيط الخطاب الشعبوي والمسارعة في طمأنة الشعوب الإيرانية وضمان صمتها بخداع الرأي العام بقدرة إيران على الاستمرار لفترات طويلة رغم العقوبات والتهديدات الدولية.

وقد حمل الخطاب الذي ألقاه المرشد الإيراني علي خامنئي مؤخرا أمام مجموعة من ضباط القوة الجوية الإيرانية بمناسبة ذكرى انتصار الثورة، لونا من التوسل للشعوب الإيرانية وتضمن أوامر موجهة لأجهزة الدولة بضرورة ضمان مشاركة واسعة للمسيرات التي يقيمها النظام الإيراني في 10 فبراير من كل عام بمناسبة انتصار الثورة الإيرانية، حيث أكد خامنئي أن الشعوب الإيرانية سترد على تهديدات الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب من خلال المشاركة في مسيرات ذكرى انتصار الثورة.

وسارع الرئيس الإيراني إلى مساندة هذه الدعوة التي أطلقها خامنئي واجتمع بقادة السلطات الإيرانية ليدعو كافة أطياف الشعب الإيراني إلى المشاركة في مسيرات 22 بهمن، معتبرا ذلك تأكيدا على روح التلاحم مع القيادة والمرشد، وعلى نفس الخطى أصدر رجال الدين والمرجعيات في قم ومشهد وباقي المدن الإيرانية دعوات توسلية للشعوب الإيرانية بالتحرك والالتزام بأوامر المرشد ودعم مسيرات الحرس الثوري الشعبوية يوم غد الجمعة، بهدف جمع أكبر قدر ممكن من الأشخاص لخداع العالم بشرعية النظام الإيراني، وأن الشعب وتلاحمه هو مصدر شرعية هذا النظام، مع الأخذ بعين الاعتبار الدور الهام الذي تلعبه وسائل الإعلام في هذا المشروع السنوي.

وغالبا ما تسمح السلطات الإيرانية بحضور وسائل الإعلام الإيرانية والمدعومة إيرانيا فقط، وتكون التقارير التي ستبثها معدة مسبقا وتتكرر في كل عام، حيث تكون خطوطها العريضة تفيد بمشاركة مليونية عبرت عن الروح الوطنية وقوة تلاحم الشعب مع القيادة، وأن هذه المشاركة الواسعة هي رد على تهديدات العدو، وسيضاف إليها هذا العام عنوان “الشعب الإيراني يرد على تهديدات ترامب”.

ورغم التهديدات التي يطلقها القادة الإيرانيون، وتوعدهم بالرد بالمثل على أي إجراء ضد إيران، فإن الحقيقة تقول أن الأخيرة ليس في جعبتها أي وسيلة للرد، وعاجزة عن القيام بأي عمل ضد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، ولا تملك سوى الخطاب الشعبوي كوسيلة للرد على كل ما تتعرض له، لذا فإن كافة التصريحات والتهديدات التي يطلقها قادة إيران تبقى في دائرة الحرب الإعلامية والخطاب الشعبوي ولا مزيد على ذلك.

لقد أرعبت التصريحات الخارجة من كبار المسؤولين الأميركيين في الإدارة الجديدة قادة النظام الإيراني، وخاصة أن هذه التصريحات التي تؤكد على المضي قدما في وضع حد للنظام الإيراني أو تغييره صاحبتها قرارات فورية خلطت كافة الأوراق الإيرانية، وأحدثت حالة من الرعب بين صناع القرار في طهران.

لقد بدأ ترامب بالكشف عن سياسته تجاه النظام الإيراني أثناء حملته الانتخابية، ليبدأ بعد فوزه مباشرة بإرسال رسائل جديدة صاحبها قرارات فورية، فبعد إطلاقه مجموعة من التصريحات التي تضمن تأكيده على معاقبة النظام الإيراني ووضع حد له، قام بإدراج إيران على قائمة الدول المحظور على رعاياها دخول الولايات المتحدة باعتبارها دولة داعمة ومصدرة للإرهاب، ثم تلا ذلك فرض عقوبات جديدة على طهران بسبب تجاربها الصاروخية التي لم تجلب للشعوب الإيرانية سوى الويلات والعقوبات، وتوعد ترامب بأن كل الخيارات مطروحة للتعامل مع إيران، ولم يستبعد العملية العسكرية، ورافق هذه التصريحات تأكيدات من كبار قادة البيت الأبيض ووزارة الدفاع والخارجية على أن هناك إرادة جادة لوضع حد لإرهاب النظام الإيراني، والآن تدرس إدارة الرئيس دونالد ترامب مقترحا يهدف إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني كجماعة إرهابية.

هذه السياسة الإعلامية التي يعتمد عليها النظام الإيراني في تثبيت قواعد حكمه، والتي أصبحت مكشوفة لدى الجميع حتى لدى الشعوب الإيرانية، لا تفيد في الحالة الراهنة التي تمر بها إيران، لأن تداعيات الغضب الإقليمي والعالمي على ممارسات النظام الإيراني وإصرار المجتمع الدولي على وضع حد لهذه الممارسات ستنعكس بشكل مباشر على الداخل الإيراني الذي لم يعد يحتمل مزيدا من الأزمات التي ستنتجها العقوبات القادمة، كما وستتعرض المؤسسات العسكرية الإيرانية لخسائر كبيرة جراء تلك العقوبات ما يضعف الطوابير الإيرانية الخامسة في المنطقة وبالتالي فشل المشروع الإيراني.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

9 فبراير 2017