أظهر نظام الولي الفقيه لأسباب عديدة منها جموده الهيكلي الذي لم يعد صالحا للقرن الواحد والعشرين، أنه لا يريد ولا يستطيع تلبية المطالب الشعبية التي بنيت عليها أسس الثورة الإيرانية عام 1979، وبعد مضي 38 عاما، جربت فيها الشعوب الإيرانية حكم كافة التيارات السياسية المنضوية تحت مظلة فكر الولي الفقيه، تبين وبناء على دراسات مقارنة بين حكم الأنظمة الدكتاتورية في العصر الحديث وأطول فترة يمكن لنظام قمعي أن يحكم فيها الشعوب، ووفقا لما تشهده إيران من الداخل من أزمات ومعضلات تحمل في طياتها قنابل موقوتة، وما أنتجته سياسة النظام الإيراني من عزلة إقليمية جراء التدخلات الدامية، وعقوبات دولية جراء انتهاك الحقوق الدولية وحقوق الإنسان، أن عمر النظام الملالي الإيراني أصبح قصيرا وعلى وشك الانهيار.

هذه النتيجة لا يمكن إنكارها ولكن لا يمكن معها وضع زمن محدد ودقيق لسقوط النظام الإيراني، ولكنه من المؤكد أنه دخل سن الشيخوخة منذ فترة يمكن احتسابها مع بداية الألفية الثالثة، وأصبح جسد النظام الإيراني في هرمه مصابا بأمراض مزمنة عديدة منها الفساد المتفشي وانشقاق بعض الرموز مثل موسوي وكروبي واتساع الفجوة بينه وبين الجماهير الشعبية المحبطة من سياسته.

ومنذ إصابته بالهرم والأمراض سعى النظام الإيراني عن طريق تصدير الدمار والرجعية والإرهاب من طهران مرورا بالعراق ثم إلى سوريا ولبنان، وانتهاج سياسة قمعية تضعف الجبهات الداخلية؛ إلى صناعة عمر جديد له قد يمنحه المزيد من الوقت على رأس الحكم، مستخدما أموال الشعوب الإيرانية لشراء وقت لعمر حكمه، حتى جاء الوقت الذي نفذت فيه كل محاولات تلافي السقوط.

وبتحليل مربع الأزمات الذي يحيط بالنظام ومؤسساته في داخل وخارج إيران، تتضح عدة معالم ومؤشرات تزيد من تأكيد نظرية قرب سقوط النظام الإيراني بفعل أربعة أزمات نخرت جسد النظام وأفقدته قواه:

أولا: تفاقم الأزمة الاقتصادية:

بشكل مختصر فإن الوضع الاقتصادي الراهن لإيران بعد ما عاناه من عقوبات دولية وحصار غربي تبعها هبوط في أسعار النفط العالمية التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني بشكل أساسي، وانهيار قيمة العملة الوطنية الإيرانية أمام الدولار، وصل إلى درجة الانهيار، وأصبحت معدلات البطالة والتضخم والفقر لا سابقة لها في إيران، أغلقت بسببها المصانع ومرافق الإنتاج وتم تسريح ملايين العمال والكادحين، هذه النتائج تحولت إلى محطة صراع ونزاع بين تيارات النظام وأجهزته العسكرية والأمنية، وكشفت تعمد الحرس الثوري في اتباع سياسة التجويع تجاه الشعب ونهب الأموال لدعم الطوابير الإيرانية الخامسة في المنطقة، ما دفع إلى توسع واضح في الفجوة الفاصلة بين الشعوب الإيرانية والنظام الحاكم من جهة، وبين الطبقات الكادحة والمتضررة والتي تشكل ثلثي السكان والطبقة المستفيدة من محاصصة المناصب والسلطات.

ثانيا: الفساد الفاضح:

حجم تفشي الفساد وما تم الكشف عنه من ملفات وصلت إلى المليارات التي ذهبت أدراج الرياح جراء انتشار الفساد بين مسؤولي النظام والحكومة، عمق بصورة واضحة نظرة الكراهية التي تحتفظ بها الشعوب الإيرانية تجاه النظام الفارسي، وأعطى هذا الفساد دفعة لدى الفقراء والمحرومين نحو التفكير بجدية إلى الخلاص من الظلم بأي طريقة كانت، حتى تحول أغلب السكان إلى خلايا نائمة قد تنتفض بأي لحظة في وجه النظام، وهذا ما تدركه حاليا أجهزة النظام وتعمل جاهدة للسيطرة عليه.

ثالثا: الأزمات الإقليمية والدولية:

علاوة على ما تحتضنه إيران من أزمات داخلية على كافة الأصعدة، أحيطت حاليا بشبكة معقدة من الأزمات الإقليمية والعالمية بسبب ممارسات النظام الإيراني والحرس الثوري الساعية إلى تقويض السلم والاستقرار الإقليمي، فالملف النووي والتدخل السلبي في شؤون دول المنطقة، وإطلاق شبكات التخريب والتجسس، والاعتداء على البعثات الدبلوماسية مثلما حصل بالسفارة السعودية في طهران، ودعم الجماعات الإرهابية المعادية للشعوب والأنظمة العربية، جعل إيران تدخل في عزلة إقليمية ودولية وحولها إلى دولة منبوذة وضع رعاياها على قائمة حظر السفر للولايات المتحدة التي تدرس حاليا إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة الجماعات الإرهابية.

إن اتساع الفجوة بين النظام الفارسي والشعوب الإيرانية من جهة، وزيادة كراهية شعوب المنطقة تجاه هذا النظام من جهة أخرى، مع ما يعانيه من عزلة دولية وغضب عالمي وإسلامي، يعتبر من أكبر مهددات النظام الإيراني الذي تحدد من عمره وتقربه من السقوط.

رابعا: الصراع الخفي بين رموز الثورة:

على الرغم من اتباع كافة رموز التيارات السياسية عنوة الولي الفقيه، وإظهار الخلاف أنه محصور بين التيارات السياسية المتنازعة، إلا أن حقيقة الأمر تظهر وجود نوايا نائمة لدى الكثير من رموز الثورة والقيادات السياسية أمثال روحاني وخاتمي وكروبي وموسوي وأتباع الراحل رفسنجاني تتقاطع في السعي إلى تقليص صلاحيات المرشد ورفض سيطرة الحرس الثوري على اقتصاد البلاد، وقد تستيقظ هذه النوايا وتترجم إلى عمل مكشوف وعلني تتبلور فيه مطالبات بإصلاحات في بنية النظام يتم التعامل معها بقسوة وقمع ما يؤدي إلى اندلاع احتجاجات عارمة في كافة أنحاء إيران وخاصة في المناطق التي تسعى للإنفصال عن حكم ولاية الفقيه مثل الأحواز والأكراد والأذريين وغيرهم.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

12 فبراير 2017