القسم الثاني:

القدرات العسكرية، والتحدّيات الخارجية

 

أولاً-القدرات العسكرية الإيطالية:

وفق موقع Global Fire power، المختصّ بالشؤون العسكرية، تحتلّ إيطاليا المرتبة العاشرة عسكرياً، بين 126 دولة، لعام 2016، وفقاً لحجم الموازنة الدفاعية السنوية:

شكل رقم (12)

حجم الإنفاق العسكري لأعلى 17 دولة في العالم، مليون دولار (2016)

12

ووفقاً لذات الموقع، تتمتّع إيطاليا بالقدرات العسكرية التالية:

شكل رقم (13)

جدول بأهم القدرات العسكرية الإيطالية (2016)

التعداد الإجمالي للسكان 61855120
القوى البشرية المتاحة للخدمة العسكرية 28000000
القوى البشرية المناسبة للخدمة العسكرية 2260000
القوى البشرية في سن الخدمة العسكرية سنوياً 570000
القوى البشرية الفاعلة في الخطوط الأمامية (تعداد الجيش) 320000
القوى البشرية الاحتياطية الفاعلة (الاحتياط) 42000
تعداد الدبابات 586
مركبات قتالية مسلحة (AFVs) 6972
مدفعيات السحب 92
أنظمة الصواريخ متعددة الإطلاق (MLRSs) 21
مجمل الطائرات العسكرية 785
طائرات قتالية/اعتراضية 111
طائرات هجومية ثابتة الأجنة 185
طائرات نقل عسكرية 424
طائرات تدريب عسكرية 155
مروحيات عسكرية 421
مروحيات هجومية 59
مجمل القوات البحرية 143
حاملات طائرات 2
فرقاطات 13
مدمرات 4
طرادات 5
غواصات 6
طائرات خفر سواحل 10
كاسحات ألغام بحرية 10
الموازنة الدفاعية 34 مليار دولار

ثانياً-تحدّي المسألة الإيطالية:

شكّلت الاحتجاجات الشعبية في ليبيا، فبراير 2011، وما تلاها، فرصة لإثبات الفعالية السياسية والعسكرية الإيطالية، لكنها كذلك شكّلت تحدّياً أمنياً نتيجة تحوّل تلك الاحتجاجات إلى حالة حرب أهلية. وفيما ساهمت إيطاليا بالمجهود العسكري لإسقاط نظام القذافي، سواء عبر المشاركة المباشرة أو تقديم الدعم اللوجستي للقوات الدولية، فإنّ موقفها الحالي يشمل تناقضات بين رغبة في تعزيز الدور العسكري في ليبيا، وبين عدم رغبتها في تدخّل عسكري بشكل منفرد، أو حتى ضمن تدخّل أوروبي، ما لم يشمل تدخّل الولايات المتحدة كذلك.

ويبقى الموقف الإيطالي الرئيس، هو السعي لتحقيق اتفاق شامل يضم كلّ الأطراف في ليبيا، بمن فيهم اللواء خليفة حفتر قائد الجيش الليبي. ضمن ما نصّ عليه اتفاق الصخيرات. إذ تسعى إيطاليا لإعادة تموضعها الجيوسياسي وتعزيز علاقاتها مع الجوار المتوسطي، بناء على مبدأ الحل الرئيس للأزمة الأمنية والاقتصادية الإيطالية (ومعها الأزمة الأوروبية)، من خلال التوجّه نحو الضفة الجنوبية للمتوسط. حيث تحاول تغيير السياسة الخارجية الإيطالية والأوروبية نحو حضور أكبر على الساحة الدولية ودور أكثر فاعلية في حلّ الأزمات الدولية.

ويعود سبب تفضيل الحلول السياسية في معالجة الأزمة الليبية المستفحلة، بخاصّة في ظلّ ضيق الخيارات السياسية والعسكرية المتاحة أمام إيطاليا، وذلك لاعتبارات عدّة، منها:

  • تبني الولايات المتحدة الخيار السياسي تجاه ليبيا، وعدم تفضيل الحلّ العسكري، وعدم المشاركة الفاعلة فيه، أو قيادته.
  • تضارب المصالح الأوروبية في ليبيا، وتطلّع كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا للحلول محلّ إيطاليا فيها. وعدم رغبة بعض القوى الأوروبية في تعظيم المصالح الإيطالية في ليبيا على حساب هذه القوى.
  • عبء الأزمة الاقتصادية الإيطالية، الذي يعيق القيام بعمليات عسكرية خارجية منفردة. رغم أنّ لإيطاليا بعض الانتشار العسكري المحدود في طرابلس، والذي وصفته الحكومة الإيطالية المؤقتة “احتلالاً صريحاً”.

ويُضاف إلى الدور الدولي الذي تتطلّع إيطاليا للقيام به، فإنّ لها جملة من المصالح في ليبيا، من أهمها:

  • يذهب نحو 32% من إنتاج النفط الليبي إلى إيطاليا، ليمثل 25% من وارداتها.
  • تستورد إيطاليا نحو 12% من احتياجاتها من الغاز من ليبيا.
  • تتنوّع شبكة المصالح التجارية الإيطالية في ليبيا، في: قطاعات البنوك والمنسوجات والسيارات والمقاولات وسكك الحديد والفضاء والطيران وأندية كرة القدم.
  • وهي أكثر الدول الأوروبية تأثراً بالأزمة الليبية على صعيدي الإرهاب والهجرة غير الشرعية، إذ يتدفّق إلى إيطاليا 400 مهاجر كل يوم، خصوصاً من إفريقيا، يمر 80% منهم عبر الأراضي الليبية.

ثالثاً-تحدّي موقع إيطاليا في الاتحاد الأوروبي:

تُشكِّل إيطاليا أحد أبرز مؤسِّسي الاتحاد الأوروبي، وأحد أبرز القوى الرئيسة الفاعلة فيه سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، خلف فرنسا وألمانيا وبريطانيا (قبل خروجها من الاتحاد). إلا أنّ موقعها ضمن الاتحاد يمرّ في فترة تحدٍ رئيسة، نتيجة للمتغيرات التالية:

  • استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية، بما يشكّل عبئاً عليها وعبئاً على الاتحاد ذاته.
  • الضغوطات الألمانية على دول جنوب أوروبا، منذ عام 2015، لإحداث مزيد من سياسات التقشف لمعالجة أزماتها الاقتصادية.
  • خروج بريطانيا من الاتحاد.
  • صعود التيار الشعبوي اليميني المناهض للاتحاد في إيطاليا، وفي عدّة دول أوروبية.
  • موقف الولايات المتحدة من الاتحاد، بعد وصول ترامب إلى سدّة الرئاسة.

وقد أظهر استطلاع Eurobarometer، في ديسمبر 2015، أنّ: 41% من الإيطاليين متشائمون حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، وأن 54% منهم يرون أنّ أصواتهم غدت بلا قيمة في ظلّ الاتحاد.

فيما تصدّرت الصحف الغربية المتشائمة مجموعة من عناوين الأخبار حول الاستفتاء الإيطالي (ديسمبر 2016)، رأى بعضها أنّ: “إيطاليا تستفتي على الخروج من الاتحاد الأوروبي”، ورأت أخرى أنّ “اليمين الشعبوي المتطرّف يتصدّر استطلاعات الرأي في إيطاليا”، محذِّرة من وصول هذه الأطراف إلى السلطة.

كما أنّ موجة وصول اليمين واليمين المتطرف إلى الحكم في أوروبا، بدأت تتسع منذ نجاح ترامب في الانتخابات الأمريكية. ويخشى مراقبون من أن تؤدّي هيمنة اليمين الداعي إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، إلى خروج جديد من الاتحاد بعد بريطانيا. حيث يتضمّن برنامج قوى اليمين: الدعوة لإعادة التفاوض على الدين العام الهائل في إيطاليا، وإجراء استفتاء على خروجها من منطقة اليورو.

وتتنوّع التحليلات حول مستقبل إيطاليا ضمن الاتحاد، وفق التوجهات التالية:

  • أصحاب النظرية الاعتمادية: ويرون أنّ الاستفتاء الذي تمّ في إيطاليا، إنّما هو تعديل في ميزان القوى المالية والاقتصادية الإيطالية، دون أن يعني خروج إيطاليا من الاتحاد. حيث أنّ إيطاليا تختلف عن بريطانيا، لناحية حجم اعتمادها على الإسناد الأوروبي، وتداخل المصالح المالية، واندماجها في المؤسسات الأوروبية، بشكل أكبر لا يمكنها في الظروف الحالية من الانفكاك كما فعلت بريطانيا. وذلك غير ممكن إلا مع تغيير موازين القوى العالمية والأوروبية. وفي ظلّ هذه النظرية، أتى لقاء ميركل برئيس الوزراء الإيطالي الجديد جينتيلوني (يناير 2017)، للتأكيد على التعاون المشترك في مواجهة الشعبوية المتزايدة، والاتفاق على حلّ الأزمات التي تتغذّى منها: الهجرة، التوظيف، الأمن، النمو الاقتصادي.
  • أصحاب النظرية الواقعية: ويرون أنّ استمرارية عضوية إيطاليا في الاتحاد مرهونة بحجم المصالح التي تستحصل عليها إيطاليا من الاتحاد، وقدرة دول الاتحاد، وتحديداً ألمانيا، في تقديم مساعدات مالية للحكومة الإيطالية، وتخفيف الضغط والإملاءات الاقتصادية عليها. وما عدا ذلك، فإنّ وجودها في الاتحاد يُشكِّل عبئاً اقتصادياً هي بغنى عنه، ويغدو انفكاكها أقلّ كلفة، في حال توفر البدائل. ويستند أصحاب هذه النظرية إلى انتظار طبيعة توجهات ترامب حيال الاتحاد الأوروبي في الفترة المقبلة، لتقرير مصير عدد من دول الاتحاد. غير أنّ إيطاليا، وحتى تكون قادرة على موازنة الدور الألماني ضمن الاتحاد الأوروبي، فهي بحاجة لحلفاء إقليميين وقوى داخلية قادرة على العمل. لذا يركِّز أصحاب هذه النظرية على الدور الروسي الجديد في استقطاب حلفاء داخل أوروبا الغربية، وخصوصاً بعد معارضة الاتحاد الأوروبي عام 2014، لخط أنابيب الغاز الروسي South Stream، الذي يمرّ عبر البلقان إلى إيطاليا فعموم أوروبا الغربية، وعوضاً عن ذلك دعمت ألمانيا خط الأنابيب الروسي Nord Stream 2 الذي يضاعف من الغاز الروسي المتّجه نحو ألمانيا، ثم باتجاه شمال وغرب أوروبا. على أنّ الخط الأول كان من الممكن له أن يُشكِّل رافداً مهماً للاقتصاد الإيطالي، هي بأمسّ الحاجة إليه.
  • أصحاب النظرية التاريخية: يرون أنّ السياسة الخارجية الإيطالية لم تكن مستقرة حتى الحرب العالمية الثانية، وأنّها قابلة للانقلاب على ذاتها، والسير باتجاه معاكس تماماً، في حال وجدت أنّ مصالحها تتطلب ذلك، دون مراعاة لتحالفاتها. وأنّ استقرار توجهات السياسة الخارجية بعد الحرب العالمية الثانية، ما كان إلا نتيجة الدعم الأمريكي، ثم الأوروبي. ويستحضر أصحاب هذه النظرية علاقات إيطالية-روسية في مراحل تاريخية مختلفة. غير أنّه وفق ذات المنطق، يمكن استحضار علاقات من التوتر والتنافس والصراع بين الطرفين كذلك.
  • أصحاب النظرية الانعزالية: ويرون أنّ حجم الأزمات الإيطالية وعمقها، ربّما تدفع إيطاليا للدخول في مرحلة انعزالية، وخاصة إن لم تجد إسناداً خارجياً واسعاً لها.

القسم الثالث:

البنية الاقتصادية، وأزماتها

أولاً-مؤشرات الأداء الاقتصادي:

الشكل رقم (14)

جدول بأبرز مؤشرات البنك الدولي الاقتصادية الخاصة بإيطاليا

المؤشر 2015 2010 2003 1998 1993
إجمالي الدخل القومي، طريقة الأطلس (بالأسعار الجارية للدولار الأمريكي/ مليار دولار) 2000 2230 1330 1260 1220
نمو إجمالي الناتج المحلي (% سنوياً) 0.73% 1.69% (2010)

-5.48 (2009)

0.15% 1.56% -0.85%
نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي، طريقة الأطلس (بالأسعار الجارية للدولار الأمريكي) 32810 37670 23260 22130 21520
إجمالي الاحتياطات (بما فيها الذهب)، بالأسعار الجارية للدولار الأمريكي/ مليار دولار 130.59 181.67 (2012) 63.26 45.30 (1999) 53.59
إجمالي الادخار (% من إجمالي الناتج المحلي) 18.67% 17.05% 20.48% 21.38% 19.8%
التضخم، الأسعار التي يدفعها المستهلكون (% سنوياً) 0.04% 1.54% 2.68% 5.24% (1995) 21.28% (1980)
واردات السلع والخدمات (% من إجمالي الناتج المحلي) 26.98% 27.16% 22.91% 21.09% 17.41%
صادرات السلع والخدمات (% من إجمالي الناتج المحلي) 30.06% 25.19% 23.36% 24.12% 20.46%
إيرادات الموارد الطبيعية (% من إجمالي الناتج المحلي) 0.17% 0.22% (2012) 0.14% (2009)

0.28% (2008)

0.25% (2000)

0.12% (1999)

0.44% (1982)
إيرادات السياحة الدولية (% من إجمالي الصادرات) 7.22% (2014) 7.17% 9.07% 10.25% 10.49% (1995)
صادرات التكنولوجيا المتقدمة (% من صادرات السلع) 7.34% 7.24% 8.03% 9.56% (2001) 8.58%
صادرات الركاز والمعادن (% من إجمالي صادرات السلع) 1.96% 2.2% 1.28% 1.29% 1.2%
واردات الوقود (% من إجمالي واردات السلع) 12.99% 22.93% (2012)

18.63% (2010)

9.07% 5.68% 9.5%
الاستثمار الأجنبي المباشر، صافي التدفقات الوافدة (ميزان المدفوعات، بالأسعار الجارية للدولار الأمريكي) / مليار دولار 13.01 (2015)

19.53 (2013)

34.44 (2011)

-9.50 (2008)

40.04 (2007)

16.54 (2003)

2.63 3.75
القيمة الإجمالية للأسهم المتداولة (% من إجمالي الناتج المحلي) 95.62% (2014)

36.14% (2013)

31.33% (2010)

100.48 (2007)

45.52% (2002)

86.67% (2000)

38.37% 6.21%
إجمالي البطالة (% من إجمالي القوى العاملة) 12.5% (2014) 8.4% 6.1% (2007) 12.1% 10.2%

ثانياً-ملاحظات حول البنية الاقتصادية:

تُعتّبر إيطاليا أحد أبرز الاقتصادات العالمية، حيث تمتلك إجمالي ناتج قومي هو التاسع عالمياً، وفي مستوى قريب جداً من الهند والبرازيل. وتُعتَبر رابع قوة اقتصادية أوروبية، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مقارنة إجمالي الدخل القومي لدول أوروبا الشمالية والغربية وبعض القوى الاقتصادية العالمية:

شكل رقم (15)

إجمالي الدخل القومي لأبرز القوى الاقتصادية العالمية والأوروبية 2015 (مليار دولار)

15

إلا أنّ هذا الموقع الاقتصادي العالمي، لم يمنع من أن تكون إيطاليا إحدى أبرز بؤر الأزمات الاقتصادية عالمياً، منذ 2008، وتعزّزت بعد عام 2011، مع أزمة ديون المصارف الإيطالية التي أدخلت إيطاليا في أزمة ركود عميقة، على أنّ جذور الأزمة تعود إلى عام 1999، مع اعتماد اليورو عملة لإيطاليا.

ويظهر عمق هذه الأزمة في التراجع المستمرّ لكثير من مؤشِّرات الأداء الاقتصادي منذ عام 2015، وخاصة في مؤشّرات: إجمالي الدخل القومي، ونمو الناتج المحلي، وإجمالي الاحتياطات، ومستوى الدين العام، ومستوى البطالة. إلا أنّ هذه الأزمة لم تمنع من قيام تحسّن في مؤشّرات اقتصادية غير بنيوية، نتيجة قوة الاقتصاد الإيطالي، منها: إجمالي الادخار. إضافة إلى انخفاض كبير في نسبة التضخم، وربما يعود ذلك لطبيعة الأزمة التي أضعفت القدرة الشرائية للمواطنين، ما دفع بالتضخم إلى الانخفاض، وليس نتيجة لتحسن في البنية الاقتصادية الإيطالية. فيما سجّلت ارتفاعاً كبيراً في قيم الأسهم المتداولة، رغم أزمة ديون المصارف.

ويبقى الاقتصاد الإيطالي، اقتصاداً صناعياً وتكنولوجيا متقدماً، قائماً على الشركات المتوسطة والصغيرة، فيما تقل حصة الشركات الكبرى متعددة الجنسيات. وقد شهد ارتفاعاً في قيم الصادرات التكنولوجية (أكثر من 7% من إجمالي الصادرات)، فيما استفاد من انخفاض أسعار النفط عالمياً، حيث انخفضت فاتورة واردات الوقود منذ عام 2015. وتتنوّع الصادرات الإيطالية، ومن أبرزها: السيارات والسيارات الفاخرة (خامس أكبر منتج للسيارات في أوروبا، وتبلغ حصة شركات السيارات 9% من السوق الإيطالية)، واليخوت، والآلات، والكيماويات والبتروكيماويات، والطاقة والهندسة الكهربائية، والأجهزة المنزلية، وتكنولوجيا الفضاء والدفاع، والأسلحة، والأزياء، وتجهيز الأغذية، والمفروشات، والرخام. كما سجّلت السياحة ارتفاعاً ملحوظاً حيث احتلت أكثر من 7% من إجمالي الصادرات عام 2014. لتحافظ إيطاليا على ميزان تجاري إيجابي:

شكل رقم (16)

الميزان التجاري الإيطالي 1993-2015

16

ومن خلال الشكل السابق للميزان التجاري لإيطاليا، يظهر عدم الاستقرار في هذا المؤشّر، الذي بدأ بالانخفاض منذ عام 1998، وصولاً إلى قيمة سالبة عام 2010 (عجز)، ليعاود الصعود، مسجلاً قيماً إيجابية منذ عام 2012. غير أن عدم الاستقرار (التذبذب) في الاقتصاد الإيطالي، يظهر بشكل أوضح في مؤشّرات أخرى، كما في الشكلين التالين (17، 18):

شكل رقم (17)

التذبذب في نمو الناتج المحلي الإيطالي 1965-2015

17

شكل رقم (18)

التذبذب في مؤشر إجمالي الأسهم المتداولة في إيطاليا 1975-2014

18

وذات التذبذب (عدم الاستقرار) يظهر في مؤشِّر الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي شهد انخفاضاً كبيراً عام 2015، عن القيمة التي كان قد حققها عام 2013، والتي هي أقل من القيمة المحقّقة عام 2011، وأقل من أعلى قيمة في 2007. بل إنّه سجل قيماً سالبة عام 2008:

شكل رقم (19)

التذبذب في مؤشر الاستثمار الأجنبي المباشر في إيطاليا 1970-2015

19

وتبقى حصّتها من هذا الاستثمار، عام 2015، أقل من حصة جارتيها سويسرا وفرنسا:

شكل رقم (20)

حصص الاستثمار الأجنبي المباشر في إيطاليا ودول جوارها، مليار دولار (2015)

20

ويظهر عمق الأزمة الاقتصادية البنيوية، في انعكاسها على المجتمع الإيطالي، حيث يتفاوت نصيب كل شريحة من السكان من الدخل بشكل كبير، وفيما تنخفض حصص الشرائح الأربعة الأدنى منذ عدّة سنوات، فإن حصة الشريحة الأعلى بدورها تشهد ارتفاعاً مضطرداً:

شكل رقم (21)

حصص الشرائح السكانية من الدخل الإيطالي 2014

21

ويظهر ذلك بشكل أكبر في حال ملاحظته إقليمياً، إذ يرتفع متوسط الدخل في شمال إيطاليا، ليتجاوز المتوسط الأوروبي، فيما ينخفض في جنوب إيطاليا دون هذا المتوسط بكثير. كما يُلحَظ أنه مع انخفاض مستوى الدخل في المناطق الجنوبية، فإنّ ذلك شجّع على تركّز عصابات المافيا فيها. وتشير إحصائيات رسمية أنّ ثروة 10 أشخاص تفوق ما يملكه ثلاثة ملايين إيطالي.

شكل رقم (22)

نصيب الفرد الإيطالي من الناتج المحلي الإجمالي حسب المناطق (2010)

22

ووفق تقرير نشره مكتب الإحصاء الوطني في إيطاليا (يوليو 2013)، فإنّ الأزمة الاقتصادية أفقرت 1.4 مليون إيطالي عام 2012، بحيث أصبح عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مطلق 4.81 ملايين نسمة عام 2012، أي قرابة 8% من السكان. مقارنة بـ 3.42 ملايين إيطالي عام 2011. وأشار مكتب الإحصاء إلى أن نسبة الإيطاليين الذين يعيشون فقراً نسبياً، انتقلت في 2012 من 11.1% إلى 12.7%. ويلاحظ أن تركّز نسبة الفقر في الجنوب يتناسب مع انخفاض تركّز السكان نسبياً فيه.

شكل رقم (23)

تركز السكان في الأقاليم الإيطالية

 23

 

ثالثاً-الأزمات الاقتصادية الإيطالية:

تُعتَبر الأزمة الاقتصادية التي تشهدها إيطاليا، أزمة مركّبة من عدّة أزمات، تتمثّل في:

  • أزمة سياسية، تظهر في ضرورة تحديث البنى السياسية والدستورية عقب الانتقال الجمهوري الثاني. حيث تتداخل الأزمتان السياسية والاقتصادية، لتؤثر كل واحدة منهما في الأخرى.
  • أزمة الفساد الحكومي، وتبيّن أرقام مجلس المحاسبة الإيطالي أنّ ظاهرة الفساد، تكلِّف الاقتصاد 60 مليار يورو سنوياً.
  • أزمة التهرّب الضريبي التي تسببّت في خسارة 122 مليار يورو عام 2015.
  • أزمة ديون الدولة الإيطالية، وديون المصارف الهالكة (السندات غير المسدّدة)، منذ عام 2011.
  • أزمة الإنفاق الحكومي المرتفع.
  • إضافة إلى أثر الأزمة المالية العالمية في إيطاليا.
  • بحيث أدّت جميع تلك الأزمات إلى أزمة ركود اقتصادي.
  • زاد في حدّتها، أزمات الكوارث الطبيعية، حيث شهدت 3 زلازل عام 2016، وزلزالاً واحداً مطلع عام 2017.

وأبرز تعبيرات هذه الأزمات، يظهر من خلال أزمة الديون، التي تُعتَبر محور هذه الأزمات، ومحرِّكها. إذ بلغت ديون الدولة الإيطالية قرابة 2.4 تريليون دولار (ديسمبر 2016)، وبما نسبته 140% من إجمالي الناتج المحلي. منها 360 مليار دولار، ديون مصرفية متعثرة (هالكة)، تعادل 4 أضعاف الديون الإيطالية التي كانت عام 2008، وتعادل 40% من إجمالي الديون المعدومة في أوروبا.

 وفيما سعت الحكومات المتعاقبة منذ عام 2008 إلى إيجاد حلول لأزمة المصارف الإيطالية، إلا أنّ غالبية تلك الحلول قامت على قاعدة “المحسوبية السياسية”، من خلال المراعاة المتبادلة بين الحكومة والمصارف، وهو ما عمّق حدّة الأزمة، فاعتمدت المصارف الإيطالية على مكانتها وتاريخها وموقعها في السوق الإيطالية، عوضاً عن البحث عن آليات حلّ أعمق منها.

وحيث أنّ المصارف الإيطالية هي مصارف عمومية، فإنّه كان بإمكان الدولة أن تعيد رسملة هذه المصارف، إلا أنّ ديون الدولة الإيطالية والمحسوبية السياسية أعاقتا ذلك أيضاً، بالإضافة إلى أنّ الرهون المصرفية هي رهون غير سائلة، من الصعب بيعها مباشرة.

كما اشتدت الأزمة نتيجة عدم تحقيق أرباح تشغيلية لدى عموم المصارف الإيطالية، خلال العامين الأخيرين، لأسباب تنظيمية وارتفاع المخاطر. ونتيجة عاملين آخرين، هما: إنفاق عام يكلّف الحكومة نصف إجمالي الناتج المحلي، وتهرّب ضريبي يُسجِّل قيمة أعلى من المتوسط الأوروبي (من ذلك على سبيل المثال: فضيحة رئيس الوزراء الأسبق برلسكوني في التهرّب الضريبي).

ولعلّ الاتحاد الأوروبي يتحمّل قسطاً من المسؤولية عن هذه الأزمة، نتيجة تجاوزه معايير قبول العضوية فيه، والتي تشترط ألاّ يتجاوز الدين العام للدولة المرشّحة للعضوية 60% من إجمالي الناتج المحلي، فيما كانت إيطاليا تُسجِّل 120% لحظة انضمامها. وقد تغاضى الاتحاد الأوروبي عن شرطه، بغية جذب إيطاليا، لما لها من أهمية سياسية واقتصادية وعسكرية في المنظومة الغربية، إضافة إلى أنّ دينها العام كان يسجل 160% من إجمالي ناتجها المحلي قبل فترة وجيزة، وانخفض إلى 120%، وتدلّ مؤشّراته على مزيد من الانخفاض. غير أنّ قبول إيطاليا أدّى عوضاً عن ذلك إلى تكريس الأزمة، وتراخي جهود محاصرتها، من قبل السلطات المتعاقبة.

وضمن جهود الاتحاد الأوروبي لمحاصرة الأزمة، التي تمتدّ لتطال عدة دول أوروبية (اليونان، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال)، فإنّه مارس ضغطاً على الحكومة الإيطالية لإحداث توازن بين نفقات الحكومة الإيطالية وإيراداتها في موازنة عام 2017. فيما وعد البنك المركز الأوروبي بتكثيف عمليات شراء السندات الإيطالية، خلال الأسابيع الأولى من عام 2017، لكن تبقى قدرته على الشراء مقيدة قانونياً بنسبة مساهمة كل دولة في رأسمال البنك، أي ما يعادل 12%، أو 13 مليار دولار من الممكن أن يقدّمها البنك المركزي الأوروبي لإيطاليا شهرياً، من أصل 85 مليار دولار يقدّمها البنك شهرياً لشراء سندات أوروبية، في حين أنّ إيطاليا بحاجة إلى 52 مليار دولار لشراء سندات متعثرة في فبراير 2017 وحده.

وسبق وأن وُضِعت إيطاليا تحت وصاية الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، منذ قمة الدول العشرين عام 2011، للخروج بإجراءات جدّية من الأزمة.

وضمن إجراءات الحكومة الأخيرة لمعالجة أزمة الديون، تسعى لإعادة الرسملة الاحترازية، وهي نوع من التدخّل الحكومي في بنك متعثر لا يزال قادراً على السداد. حيث من المرجّح أن تضخ الحكومة الإيطالية 6.5 مليارات يورو، لإنقاذ مصرف: مونتي دي باسكي دي سيينا (BMPS)، ثالث أكبر مصرف في البلاد.

كما وافق البرلمان الإيطالي في ديسمبر 2016، على زيادة الدين العام بعشرين مليار يورو، لتغطية أية عملية محتملة لاستقرار النظام المصرفي.

وقد حاولت الحكومة الإيطالية ضخّ الأموال أكثر من مرة بهدف إنعاش الاقتصاد عن طريق دعم المصارف، لكنّ الاتحاد الأوروبي تحت الضغوط التي تمارسها ألمانيا شدّد قوانين عجز الموازنة، ما أجبر المصارف الإيطالية على الحدّ من إقراضها، واتباع سياسة تقشف زادت من عراقيل انتعاش الاقتصاد. في حين يعتمد الانتعاش الاقتصادي على أموال المصارف، ولا يمكن للبنوك أن تتخلّص من أزمتها إلا في حال الانتعاش الاقتصادي.

وقد تسبّب الركود الذي مضى عليه أكثر من سبع سنوات في خروج 25% من المصارف الإيطالية من السوق. وفقدت إيطاليا بحسب أرقام صندوق النقد الدولي 8.5% من ناتجها المحلي الخام، بين عامي 2001-2015، وهو تراجع لم يُسجَّل حتى في أسوأ البلدان الأوروبية تعرّضاً للأزمة الاقتصادية، كما هو حال اليونان التي انخفض ناتجها المحلي الخام في نفس الفترة بنحو 7.3%.

ورغم ضخامة هذه الأزمة، إلا أنّ الديون الهالكة، لا تُشكِّل أكثر من 17% من مجمل أصول البنوك الإيطالية، وهي نسبة مقاربة في إيرلندا والبرتغال. وعليه يبدو أنّ حلّ الأزمة وتحفيز النمو كآلية لتجاوز الأزمة، ممكن في ظلّ إصلاحات سياسية واقتصادية، أكثر منه أزمة مصارف.

رابعاً-مستوى استقرار الدولة الإيطالية:

رغم جملة الأزمات السياسية والاقتصادية التي تشهدها إيطاليا منذ سنوات طويلة، إلا أنّ طبيعة النظام السياسي والاقتصادي، ومكانته العالمية حافظت على مكانة الدولة عند مستوى (استقرار عالي)، منذ تراجعها عن مستوى (استقرار عالي جداً) عام 2008، بل حقّقت تقدما محدوداً عام 2016، عن العام الذي سبقه، إلا أنّها تبقى أقل استقراراً من دول جوارها.

شكل رقم (24)

مؤشر هشاشة الدولة الإيطالية 2007-2016

24

شكل رقم (25)

مؤشر هشاشة إيطاليا ودول جوارها 2016

الدولة قيمة مؤشر هشاشة الدولة 2016 المستوى عن عام 2015 وضع الدولة
إيطاليا 43.1 -0.1 استقرار عالي
فرنسا 34.5 +0.8 استقرار عالي جداً
سويسرا 21.8 -0.5 مستدام
النمسا 27.5 +1.5 مستدام
سلوفينيا 33.9 +2.3 استقرار عالي جداً

مركز المزماة للدراسات والبحوث

14 فبراير 2017