سعت إيران منذ خمسينيات القرن العشرين، في ظلّ الحكم الشاهنشاهي إلى مدّ نفوذها إلى القارة الإفريقية، وباستخدام أداة التبشير المذهبي، دون أن تُحدِث كثير أثر حينها، ليتمّ إعادة إحياء المشروع الإيراني بعد الثورة الخمينية، باستخدام ذات الأدوات، ولأهداف سياسية واقتصادية، كما مشروعها السابق. إلا أنّ انشغال إيران بترسيخ سلطوية النظام الخميني وحربها مع العراق، شكَّل عائقاً آخر، أجّل مشروع مدّ النفوذ إلى إفريقيا، إلى مرحلة رفسنجاني وخاتمي، التي شهدت بعض التقدّم، وخصوصاً على مستوى التبشير المذهبي والاتفاقيات الاقتصادية، حيث بدأت تشهد عدّة دول إفريقية ظهور الجماعات الشيعية فيها، وأبرزها كان في نيجيريا.

غير أنّ المنافع الاقتصادية والسياسية للمشروع الإيراني لن تظهر إلا متأخراً في عهد نجاد، وليتمّ إعادة ضخّ الزخم إليها فترة روحاني، حيث شهدت هذه الفترة بروز جماعات شيعية في عدّة دول إفريقية، من مثيل: مالي وغانا وغينيا والسنغال، عدا عن الدول العربية في إفريقيا. إضافة إلى توسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين إيران وتلك الدول.

أما على مستوى دولة غينيا ([1])، فرغم أنّ بين الدولتين عدّة اتفاقيات استثمارية وتجارية، تعود إلى منتصف عقد التسعينيات، إلا أنّ مسار العلاقات لم يشهد كثير زخم في الفترة الماضية، بالرغم مما حاول الإعلام الإيراني تصديره فترة نجاد ([2]).

وتسعى هذه الدراسة لتبيان مقوِّمات هذه العلاقات، وأبرز المتغيرات فيها خلال العام الأخير، رغم محدوديتها، وارتكازها بشكل أساسي حول التعاون الاقتصادي. إلا أنها تشير إلى نية إيران توسيع هذه العلاقات في الفترة المقبلة. وتشمل الدراسة المحاور التالية:

أولاً-الأهداف الإيرانية العامّة من التغلغل في إفريقيا.

ثانياً-مقوّمات التغلغل الإيراني في غينيا.

ثالثاً-المسار التاريخي في علاقة الدولتين.

رابعاً-أبرز التطوّرات الاقتصادية في علاقة الدولتين.

خامساً-أبرز التطوّرات السياسية في علاقة الدولتين.

سادساً-أبرز التطوّرات الثقافية/الدينية في علاقة الدولتين.

 

أولاً-الأهداف الإيرانية العامّة من التغلغل في إفريقيا:

أ-أهداف سياسية، تشمل:

  • توسيع دائرة النشاط الدبلوماسي الإيراني، والحصول على تأييد مزيد من الدول في المحافل الدولية للقضايا الإيرانية، وخصوصاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان، والملف النووي.
  • مناكفة القوى المنافسة، إسرائيل وتركيا، سياسياً واقتصادياً.

ب-أهداف اقتصادية، تشمل:

  • الحصول على حصة من موارد هذه الدول، وخصوصاً الموارد ذات القيمة الاستراتيجية، من مثيل: الألماس، الذهب، اليورانيوم، البوكسيت.
  • الحصول على حصة من الاستثمارات المحلية في هذه الدول، بغية تنشيط القطاعين العام والخاص، وتوسيع الموارد الإيرانية.

ج-أهداف دينية، تشمل نشر التشيع في هذه الدول، لأهداف من أبرزها:

  • الحصول على حاضن اجتماعي في هذه الدول، أشبه ما يكون بلوبي إيراني، يساعد في ترسيخ المشروع الإيراني فيها، ويضغط على الحكومات المحلية لمنح مزيد من النفوذ لطهران.
  • الحصول على مورد بشري “شيعي” إضافي، يمكن زجّه في حروب إيران في الشرق الأوسط.
  • مناكفة الدور التبشيري السعودي في إفريقيا.

الأهداف الاستراتيجية الإيرانية في أفريقيا:

أحد الأهداف الاستراتيجية التي رسمتها إيران في القارة الأفريقية بشكل عام، يتمثل في محاولة كسر حائط العزلة الدولية وخاصة الغربية المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي وسلوكها المذموم، إذ ترى إيران في القارة الأفريقية ساحة خصبة من أجل كسب التأثير والنفوذ، وللدول الأفريقية تأثير واضح في المحافل والمنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.

ومن الأهداف الكبرى للتحرك الإيراني في أفريقيا تطلعها الجاد إلى الحصول على اليورانيوم، ولعل ذلك يفسر لنا سر السعي الإيراني نحو تدعيم علاقاتها مع الدول المنتجة لهذا المعدن، مثل زيمبابوي والنيجر وناميبيا، وهناك دول أفريقية مثل توغو وغينيا وأفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وأوغندة وزيمبابوي فيها احتياطات جيدة من اليورانيوم، وتسعى إيران لدعم علاقاتها مع هذه البلدان.

وسعي إيران لتطوير علاقاتها مع غينيا يعطي مؤشرا واضحا حول أهمية متغير اليورانيوم في السياسة الخارجية الإيرانية، فمنذ اكتشاف اليورانيوم في غينيا عام 2007 توطدت علاقات طهران بها، حتى إن التبادل التجاري بين البلدين في العام 2010 قد زاد بنسبة 140%.

وترنو إيران أيضا في أهدافها تجاه أفريقيا إلى كسب الدول الأفريقية  من خلال المساعدة في بناء مشروعات البنية التحتية للطاقة وتجديد مصافي النفط وبناء محطات توليد الكهرباء وحتى تقديم خبرتها التكنولوجية في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية، فالتهديد بفرض مزيد من العقوبات النفطية على إيران، دفعها لتنويع صادراتها النفطية لتشمل الاقتصاديات النامية في أفريقيا، وعملا على ذلك فعلت حزمة من الأنشطة داخل الدول الأفريقية، منها إنشاء مصنع لإنتاج سيارات الأجرة في السنغال، وأبدت إيران الاستعداد لشراء الكاكاو من غانا.

وثقافيا تحاول طهران طرح فكرها الثوري كبديل ناجح للفكر الاستعماري الجديد وما تحمله النوايا الإمبريالية الغربية في أفريقيا، فتريد أن تصنع من نفسها أنموذجا ناجحا في مقارعة الاستكبار ومحاربة الإمبريالية ورفضها للاحتلال، حتى تقنع الشعوب الأفريقية بأنها معهم وأقرب إليهم في مشروعهم الرافض للإمبريالية، وفي هذا الإطار استلهمت بعض الحركات والجماعات الإسلامية في أفريقيا في خطابها الإسلامي تجربة الثورة الإيرانية، ما يدل على التأثير الإيراني على هذه الجماعات واختراقها فكريا، وذلك من باب تغيير واقع الجمود والتخلف الذي أصاب المجتمعات المسلمة الأفريقية في مرحلة ما بعد رحيل الاستعمار.

هذا التأثير الثقافي والديني، سارعت طهران إلى استغلاله سياسيا بتطويره ليأخذ طابعا دينيا مذهبيا، وذلك في إطار نشر المذهب الشيعي بين الجماعات المسلمة في الدول الأفريقية.

تطور العلاقات الإيرانية مع غينيا:

بدأت العلاقات بين إيران وغينيا عام 1983، عندما تم تأسيس ممثلية إيرانية في “كوناكري” عاصمة غينيا وأكبر مدنها، وكان من الأهداف الإيرانية لإقامة علاقات مع الدول الأفريقية في ذلك الوقت هو إفشال السياسات العراقية في هذه الدول لمتابعتها ومراقبتها، والآن هناك سفارة إيرانية والسفير هو خليل ساداتي اميري، وسفارة غينية في طهران والسفير هو عبدالکریم دیوباته.

ظلت العلاقات الإيرانية الغينية على مستواها الطبيعي حتى أرسل رفسنجاني الذي كان رئيسا لإيراني عام 1989 وفدا سياسيا برئاسة آية الله أميني، حيث دخلت العلاقات مرحلة جديدة، والتقى وقتها أميني بالرئيس الغيني وسلمه رسالة خطية من الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني، ثم التقى بعدها بالعديد من المسوؤولين في غينيا، وناقشوا سبل تطوير العلاقات الثنائية.

وحسب التقارير الإيرانية، فإن تأثير الفكر الثوري الإيراني على جمهورية غينيا وصل إلى درجة قطع العلاقات بين العراق وغينيا، وخاصة بعد قيام العراق باحتلال الكويت، حينها تطورت العلاقات بين إيران وغينيا بشكل ملموس.

كما كان لزيارة “موسي سنگره” نائب وزير الخارجية الغيني وأيضا “أحمد تيجان تراوره” المسؤول عن الرابطة الإسلامية في غينيا لطهران من أجل المشاركة في مراسم أربعين وفاة الخميني، أثر كبير في فتح قنوات التواصل بين البلدين على مصراعيها، وخاصة أن “موسى سنگره” كان سفيرا في الولايات المتحدة وقد طرد منها بعد إدانته بعدة اتهامات، ما جعله يميل أكثر إلى دول مثل إيران تدعي مقارعة الاستكبار، وبعد ذلك تمت العديد من الزيارات واللقاءات بين مسؤولي كلا البلدين، منها ترأس ولايتي لوفد إيراني زار غينيا في عام 1994، وكانت هذه الزيارة قد حظيت باهتمام إعلامي كبير من كلا الطرفين، واعتبرها المسؤولون في غينيا بأنها نقطة تحول على صعيد تطوير العلاقات في كافة المجالات.

ثانياً-مقوّمات التغلغل الإيراني في غينيا:

تُشكِّل البيئات الهشّة عامل جذب كبير للتغلغل الإيراني، حيث تشهد غينيا ثلاثة مستويات رئيسة من الهشاشة، تشجع إيران على استغلالها، وهي:

  • البنية الإثنية شديدة التنوّع: حيث تشمل قرابة 27 إثنية (جماعة قبلية أو عرقية)، بعضها لا يتجاوز أعضاؤه عدّة آلاف. ما يُمكِّنها من استقطاب الجماعات المهمّشة والضعيفة والطرَفية في هذا البنيان العرقي، عبر أداة التبشير المذهبي/الشيعي، رغم أنّ أكثر من 85% من السكان مسلمون. وخصوصاً أنّ ذلك يترافق مع مستوى مرتفعٍ من الأمية والجهل والفقر والنزاعات المحلية، يزداد حدّة في الجماعات الأصغر والطرّفية ([3]).
  • البنية الاقتصادية، وتُشكِّل عامل جذب للمشروع الإيراني على مستويين:
    • مستوى عالٍ من الفقر، يساعد على اجتذاب الجماعات المحلية، عبر المساعدات المالية والعينية، مهما كانت محدودة. حيث لا يتجاوز نصيب الفرد من الدخل القومي 470 دولار سنوياً عام 2015، فيما بالكاد بلغ الدخل القومي للدولة 6 مليار دولار عام 2015.
    • إلى جانب ذلك، تتمتّع غينيا بثروات باطنية هائلة، أهمها: البوكسيت والحديد والألماس والذهب. وتعتبر الدولة الأولى تصديراً لخام البوكسيت. غير أنّ هذه الثروات تترافق ببنى تحتية متأخرة، ومستوى استثمار خارجي مباشر منخفض، حيث لم يتجاوز 85 مليون دولار عام 2015. وهو ما شجّع إيران على دفع الحكومة الغينية إلى توقيع عدّة اتفاقيات استثمارية معها، بغض النظر عن قدرة إيران على الالتزام بتلك المشاريع.
  • البنية السياسية: والتي تشهد اضطرابات عديدة، وبروز الجيش كفاعل رئيس في الحكم، وخصوصاً إبان انقلاب 2008، والنزاعات الأهلية المسلحة 2009، عدا عن تأثرها بالحروب الأهلية التي قامت في جوارها، واحتلالها المرتبة 12 عالمياً على مستوى الدول المهدَّدة بالانهيار خلف العراق، وهو ما يشجّع إيران على استقطاب بعض الفاعلين العسكريين فيها، والعمل دون رقابة حكومية فعّالة.

ثالثاً-المسار التاريخي في علاقة الدولتين:

مرّت مرحلة بناء العلاقات بين الطرفين، بعد عام 1979، بأربع مراحل:

  • مرحلة خميني: لم تشهد كثير أثر نتيجة الانشغال الداخلي، والحرب مع العراق، إلا أنّها استطاعت توسيع أسس التشيّع التي وضعها نظام الشاه.
  • مرحلة رفسنجاني وخاتمي: حيث شهدت توسيع العلاقات، من خلال:
    • أوفد رفسنجاني، آية الله أميني، لتدشين العلاقات مع غينيا، والتقى خلال زيارته وزيري الخارجية والإسكان في غينيا (1989).
    • حضور وفد غيني، يشمل وزير الخارجية ووزير الشؤون الإسلامية للمشاركة في أربعينية خميني (1989).
    • توقيع اتفاقية البوكسيت (1992)، وهي أول مشروع إيراني خارجي في مجال استخراج المعادن.
    • زيارة وزير الخارجية الإيراني، علي أكبر ولايتي، لغينيا.
  • مرحلة نجاد: وتم خلالها بناء مدرسة أهل البيت (حوزة)، في العاصمة كوناكري، وجلب رجال دين شيعة من قم للتدريس فيها (2010). حيث بلغ عدد طلابها –وفق المصادر الفارسية- قرابة 100 ألف طالب. في حين تؤكِّد مصادر شيعية أخرى أنّ عدد الطلاب فيها يقارب 600 طالب فقط.
  • مرحلة روحاني: وتمّ فيها تجديد اتفاقية البوكسيت، وتوقيع مذكرات تفاهم اقتصادية أخرى.

ويلحظ من هذا المسار، أنّه يبقى مساراً طموحاً دون إنجازات كبرى تسنده، فرغم حجم المطامع الإيرانية في غينيا، إلا أنّ ذلك لم يترافق مع ذات الزخم الإيراني الذي شهدته دول إفريقية أخرى، وربّما ذلك عائد لعوائق الضغوطات المالية الإيرانية، أو عوائق محلية في غينيا، أو نتيجة المنافسة الدولية.

وقد استخدمت إيران في تغلغلها، خطاباً يتناسب مع المستويات الثلاث (السياسية الاقتصادية والثقافية)، وجد له صدى لدى العديد من المجتمعات الإفريقية، حيث يركِّز على النقاط التالية:

  • سياسياً: التركيز على قضية حماية الاستقلال السياسي والاقتصادي، ومواجهة القوى الغربية ورفض سياسات “الإملاء” التي تفرضها على دول العالم الثالث.
  • اقتصادياً: التركيز على موضوع التعاون المشترك وتبادل المصالح، لتحقيق تنمية مستقلة، ومحاربة الفقر، والتعهد بمساعدة هذه المجتمعات في تحديث بنياتها التحتية، وتقديم “الخبرات التكنولوجية” الإيرانية لها، ضمن محاولة ترويج “النموذج التنموي الإيراني”، رغم إخفاقات هذا النموذج الكبيرة داخل إيران.
  • ثقافياً: التركيز على موضوع الأخوة الإسلامية.

رابعاً- أبرز التطورات الاقتصادية في علاقة الدولتين:

تمتلك إيران مشروعاً ضخماً لإنتاج الألومينيوم، يهدف إلى الوصول إلى إنتاج 1.5 مليون طن عام 2025. ووفقاً لأصغر زاده، مدير التنقيب في شركة المناجم والتعدين الإيرانية الحكومية (IMIDRO) فإنّ “إيران بحاجة خام البوكسيت، حيث لم تعد تمتلك ما يكفي منه، وعليها شراؤه، ورغم استثماراتها في مناجمها داخل إيران، إلا أنّها من غير المحتمل أن تجد ما يكفي تطلّعاتها بتوسيع قدرة الإنتاج إلى 1.5 مليون طن من الألومينيوم سنوياً بحلول عام 2025، فيما لا يتجاوز الإنتاج حالياً 450 ألف طن ([4])، وحتى نصل إلى هذا الهدف، نحن بحاجة إلى أكثر من 4 ملايين طن من البوكسيت سنوياً”. وحيث أنّ إيران تشهد تقييدات على استيراد الخام من أستراليا، فإنّها تتطلّع إلى تعويض ذلك عبر غيينا.

وخصوصاً أنّ لإيران استثمارات مع حكومة غينيا لاستخراج خام البوكسيت من منطقة دابولا، من خلال شركة مشتركة (SBDT) لاستثمار البوكسيت، بنسبة 51% لإيران، و49% لغينيا، ولمدة 99 عاماً، قابلة للتجديد كل 25 عاماً، تم إنشاؤها عام 1992. وظلّ المشروع راكداً خلال الخمسة وعشرين عاماً الأولى، بسبب ارتفاع تكاليف النقل وعدم كفاية البنى التحتية، إلى أن تمّ تجديد العقد لمدة 25 عاماً إضافية عام 2015. وتسعى الشركة الإيرانية للاقتراض لإتمام هذا المشروع، الذي من المتوقع أن تبلغ كلفته قرابة 550 مليون دولار.

كما تتطلع إيران للحصول على صفقة بناء خط أنابيب نقل معدن البوكسيت في غينيا، لنقله من المناجم في غرب إفريقيا إلى منافذ الشحن ومنه إلى الموانئ الإيرانية على الخليج العربي، عبر سفن الشحن الكبيرة، ما يزوِّد إيران بمعدن الألومينيوم الخام بما قيمته 10 مليار دولار. وتقوم الفكرة، أنه عوضاً عن نقل الخام عبر السكك الحديدية المكلفة، سيتمّ بسحق المعدن وخلطه بالماء وضخّه عبر أنابيب إلى موانئ التصدير.

على أن جزءاً مهماً من اهتمام إيران بالاستثمار في استخراج البوكسيت وصناعة الألومينيوم، يعود لأهميته في إنتاج الطاقة النووية (السلمية والعسكرية). وهو ما يؤكِّد نية إيران إعادة تفعيل برنامجها النووي في حال تغيّرت المعطيات الدولية القائمة، من خلال توفير البنى اللازمة لذلك بشكل مسبق.

ورغم أنّ إيران وقّعت على اتفاقية استثمار مناجم البوكسيت في غينيا عام 1992، إلا أنّ عدم امتلاكها القدرة المالية، أعاق هذا المشروع، في حين ما تزال تعاني من ذات الضائقة المالية، وتأمل أن تستطيع تخصيص جزء من الإيرادات المالية المتأتية عن رفع العقوبات، أو من السماح لها بالاقتراض الدولي لإتمامه. كما يُلاحظ حرص إيران على تجديد الاتفاقية، رغم أنّها غير مجدية لدولة غينيا، بغية احتكار هذه المناجم، ومنع القوى المنافسة من الوصول إليها. يساعدها في ذلك مستوى الفساد السياسي في غينيا، وعدم وجود محاسبة برلمانية فعّالة للاتفاقيات الموقّعة مع الدول الأجنبية، إضافة إلى ضعف أداء المجتمع المدني والأحزاب السياسية في غينيا، والتي هي انعكاس للأزمة السياسية والبنية العرقية.

وقد أضيفت إليها اتفاقيات جديدة، وقّعها وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أثناء زيارته إلى غينيا، في يوليو 2016، تشمل 10 مذكرات للتعاون الاقتصادي، كما اتّفقا على تشكيل لجنة اقتصادية مشتركة لتوسيع العلاقات الثنائية. وتشمل تلك المذكرات، مجالات: تعدين الألماس والذهب، واستخراج النفط، وبناء محطات توليد الكهرباء، والطرق السريعة، والسكن الشعبي، ومجالات الصحة والتعليم. وقد رافق ظريف في زيارته وفد اقتصادي كبير يضمّ ممثِّلي القطاع الحكومي والخاص في إيران، كما شملت الجولة نيجيريا وغانا ومالي، بهدف تعزيز العلاقات التجارية.

كما وقّعت إيران وغينيا مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في صناعات المياه والكهرباء والطاقة (أكتوبر 2016)، بغية بناء محطات توليد الكهرباء وسدود كهرومائية، عبر شركة “تصدير الأجهزة والخدمات الخاصة بصناعة الماء والكهرباء” الإيرانية (صانير SUNIR). ووفقاً للرئيس التنفيذي للشركة، بهمن صالحي، فإنّ “قدرة الشركة على تنفيذ مشاريع الطاقة في غينيا تبلغ 5 مليار دولار، وتوفِّر فرصة لـ 250 شركة مقاولات إيرانية”. وتنصّ مذكرة التفاهم على قيام الجانبين بتأسيس شركة مستقِّلة مسؤولة عن تنفيذ مشاريع الطاقة في غينيا.

غير أنّه من المشكوك فيه أن تستطيع إيران الوفاء بكامل التزاماتها في هذه العقود، نتيجة ضائقتها المالية، وعدم قدرتها على تخصيص جزء من مواردها المالية في ظلّ الظروف الحالية، وعبء الانشغالات العسكرية التي تستنزف تلك القدرات (كما حصل في اتفاقية البوكسيت)، عدا عن أنّ جزءاً من تلك الاتفاقيات يبقى مجرّد مذكرات تفاهم. ومما يزيد من الضغوط على إيران، ارتفاع مستوى الحراكين الإسرائيلي والتركي في غرب إفريقيا، اللذين قد يدفعان حكومة غينيا إلى إعادة النظر في تلك الاتفاقيات، مقابل أخرى أكثر مصلحة لها.

ويمكن اختصار كافة التبادلات التجارية بين إيران وغينيا منذ عام 2007 حتى عام 2013 بالجدول التالي:

الرقم بالألف دولار:

السنة 2007 2008 2009 2010 2011 2012 2013  
الصادرات الإيرانية لغينيا 1793 2339 5225 8133 4102 1352 769  
الصادرات الغينية لإيران 46 24 0 0 0 0 0  
الميزان التجاري 1747+ 2315+ 5225+ 8133+ 4102+ 1352+ 769+  

أهم الصادارت الإيرانية لغينيا عام 2012:

الرقم بالألف دولار:

اسم السلعة القيمة
عصائر البرتقال 51
الآلات والمعدات المدمجة 44
آلات السحق والطحن 134
البسكويت 22
أجهزة منزلية وأدوات التنظيف 17

رابعاً- أبرز التطورات السياسية في علاقة الدولتين:

لم تشهد العلاقة بين الدولتين كثير زيارات في الفترة الأخيرة، ولعلّ أبرز التطورات التي شهدتها، كانت زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف، لغينيا، في يوليو 2016، في إطار جولته الأفريقية، واجتماعه بشكل منفصل مع كل من: رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، وزير الخارجية، رئيس البرلمان. وذلك على رأس وفد سياسي واقتصادي من القطاعين الحكومي والخاص.

وربّما تصب زيارة وزير الخارجية الإيرانية في يوليو 2016، في منحى طمأنة حكومة غينيا على التزام إيران بالمشاريع المشتركة من جهة، ولمواكبة التنافس مع إسرائيل التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع غينيا في ذات الشهر، بعد قطيعة دامت 49 عاماً. حيث أتت زيارة ظريف بعد زيارة نتنياهو بأيام، ضمن وفد من مستشاريه ورئيس جهاز الموساد، مع افتتاح قرابة 20 مكتباً إسرائيلياً في إفريقيا. بل ووقّعت إسرائيل اتفاقيات عسكرية مع عدّة دول إفريقية لتشكيل نقاط ارتكاز للغواصات الإسرائيلية، وتخشى إيران أن تتحوّل هذه النقاط إلى محطّات مراقبة لسفنها ونشاطها في القارة الإفريقية.

كما تأتي بعد زيارة أردوغان لعدة دول إفريقية كذلك، واختيار تركيا عضواً مراقباً في القمة الإفريقية، وتحضير تركيا لاستضافة القمة الإفريقية-التركية.

وسبق وأن التقى روحاني برئيس غينيا، على هامش الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في سبتمبر 2014، حيث أعلن عن تقديره لجهود غينيا في دعم موقف إيران داخل الأمم المتحدة (الملف النووي). وهو أحد الأهداف التي تتطلع إليها إيران من توسيع علاقاتها السياسية.

خامساً- أبرز التطوّرات الثقافية/الدينية في علاقة الدولتين:

رغم أنّ إيران لم تحقق كثير إنجاز على الصعيدين السياسي والاقتصادي في غينيا، إلا أنّ نشاطها التبشيري يبقى الأكثر ملاحظة في عموم غرب إفريقيا، حيث استطاعت خلال العقود الثلاثة الماضية، أن تخترق هذه المجتمعات، عبر المنظّمات الخيرية والهيئات الحكومية والأهلية، والمراكز التعليمية والثقافية، بقيادة إبراهيم الزكزاكي، أبرز متشيعي غرب إفريقيا، وتحت إشراف المجمع العالمي لأهل البيت. فيما استطاع هذا المشروع، استقطاب العديد من المناطق التي سبق للسعودية –ودول الخليج العربي عموماً- أن أسّست فيها مراكز إسلامية سنية.

ووفقاً للمصادر الفارسية والشيعية ([5])، فإن عدد الشيعة في غرب أفريقيا يصل إلى نحو 7 ملايين شخص. حيث قدّرت هذه المصادر نسبة الشيعة في غينيا وحدها، بحدود 5% من عموم السكان، أي قرابة نصف مليون شيعي، يتوزعون على مناطق: العاصمة كوناكري، غيكدو، لابي، زيريكوره، فوتا جالون، بيتا، تيلي ميله، دلاباو مامو. ويعتبر محمد دار الحكمة من أبرز رجال الدين الشيعة في غينيا. كما وصل ثلاثة وزراء شيعة إلى الحكومة عام 2010، هم وزراء: المواصلات، الداخلية، التعليم العالي.

ووفق ذات المصادر فإن 600 طالب شيعي يدرسون في الجمعيات الشيعية الغينية التالية (عام 2010):

  • جمعية أهل البيت ومدرسة الثقلين، مركز الزهراء، مدرسة محمد رمضان، في العاصمة كوناكري.
  • مركز وحوزة حمد الله، مدرسة الإمام المهدي، في غيكدو.
  • مدرسة فاطمة الزهراء، في بيتا.
  • مدرسة أهل البيت في كالبيز.
  • بالإضافة إلى عشرات يتمّ تدريسهم في إيران ولبنان وسوريا.

وتسعى إيران لتعزيز دور رجال الدين الشيعة في هذه الدول، من ذلك مشاركة وفد من غينيا، في مايو 2016، في المؤتمر الديني الدولي الذي عقدته إيران في قم، تحت عنوان “الأطروحة المهدية وواقع أتباع أهل البيت في إفريقيا”، ضمن مشاركة 30 دولة إفريقية، للتحذير من التمدّد “السلفي” في القارة، حيث انبثق عن المؤتمر العديد من اللجان، التي يُشرف عليها إيرانيون، لتحقيق هدف التصدّي للسلفية.

فيما أقيم المؤتمر الوطني للوحدة الإسلامية (ديسمبر 2016)، برعاية رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية الإيرانية والمجمّع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وشارك فيه 1500 عالم شيعي وسني والعديد من المفكرين القادمين من مختلف مناطق كوناكري عاصمة غينيا. وشارك في المؤتمر ممثِّلون عن كبار مراجع الدين الشيعة، من بينهم: آية الله مكارم شيرازي، وصافي كلبايكاني، وسبحاني.

ويظهر عمق الترابط بين التوجّه السياسي والعقدي، في التوجيهات التي قدّمها آية الله الصافي الكلبايكاني، للسفير الإيراني في غينيا (يناير 2017): “استثمروا الفرصة التي سنحت لكم في ترويج المعارف الإسلامية وثقافة أهل البيت، وأتمنى لكم التوفيق والنجاح الدائم وكلما زاد تواصلنا مع باقي البلدان الإسلامية وعلماء الإسلام فهذا الأمر يكون لصالح الإسلام والأمة الإسلامية”.

وقد استفادت إيران في موضوع التبشير المذهبي الشيعي في إفريقيا، من العوامل التالية:

  • تراجع دعم النشاط الدعوي السني، نتيجة ضغوطات “مكافحة الإرهاب”.
  • ضعف دور المؤسّسات التعليمية السنية في غرب إفريقيا.
  • عوائد النفط العراقية التي شكّلت رافداً جديداً للمشروع الإيراني.
  • ترسّخ الوجود اللبناني الشيعي في العديد من هذه الدول، منذ عدّة عقود، ومساهمته الفعّالة في نشر التشيع، وتشكيله حاضناً ارتكز عليه المشروع الإيراني.

ختاماً:

رغم ارتفاع سقف الطموحات الإيرانية في مشروع التغلغل في إفريقيا، إلا أنّ هذه الدول تبقى في قلب المصالح الاستراتيجية الدولية (الولايات المتحدة وأوروبا والصين)، إضافة إلى المصالح الإسرائيلية والتركية، ولا يمكن لإيران في ظلّ ظروفها الحالية، منافسة هذه القوى اقتصادياً أو سياسياً.

لذا تسعى إيران للتعويض عن انخفاض قدرتها التنافسية، من خلال مشروع توسيع الحاضن المجتمعي الشيعي، إلى درجة يمكن من خلالها فرض الإملاءات الإيرانية على حكومات غرب إفريقيا، ويبدو أنّ هذا المشروع هو الأكثر تقدّماً حالياً ضمن الاستراتيجية الإيرانية تجاه إفريقيا.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

15 فبراير 2017

مصادر إضافية:

(1) Hashem Kalantari, “Iran to Seek Bids for Guinea Bauxite Pipeline in Aluminum Push”, Bloomberg, 12/5/2016:

https://www.bloomberg.com/news/articles/2016-05-12/iran-to-seek-bids-for-guinea-bauxite-pipeline-in-aluminum-push

(2) _____, “Iran Looks Beyond Guinea Mine Project to Secure Bauxite Supply”, Reuters, 8/11/2016:

http://af.reuters.com/article/guineaNews/idAFL4N1D92NA?pageNumber=1&virtualBrandChannel=0

(3) _____, “Iran, Guinea Sign 10 Documents on Economic Cooperation”, Azer News, 30/7/2016:

http://www.azernews.az/region/100129.html

(4) _____, “Iran, Guinea Ink Power Deal”, Mehr News Agency, 17/10/2016:

http://en.mehrnews.com/news/120577/Iran-Guinea-ink-power-deal

(5) _____، “إيران تنفذ مشاريع للطاقة في غينيا كوناكري”، الوفاق أونلاين، 16/10/2016:

http://www.al-vefagh.com/News/167917.html

(6) _____، “حوزة قم تعقد اجتماعاً لطلاب 30 دولة … سلاح إيران للسيطرة على إفريقيا”، بوابة الحركات الإسلامية، 12/5/2016:

http://www.islamist-movements.com/35546

(7) _____، “الشيعة في غينيا”، مركز الأبحاث العقائدية: http://www.aqaed.com/shia/world/_guinea/

(7) _____، “روابط با ايران”، أفران: http://www.afran.ir/modules/publisher/item.php?itemid=495

([1]) تُعرف كذلك بغينيا كوناكري، نسبة إلى عاصمتها، لتمييزها عن غينيا بيساو، وكانت تعرف سابقاً بغينيا الفرنسية.

([2]) قال منو شهر متكي في لقاء صحفي مشترك مع وزير خارجية غينيا في طهران، عام 2010: “نحن نشهد الآن زيادة 140% في العلاقات التجارية بين البلدين، ما يدل على عزم الطرفين على تطوير العلاقات، وخصوصاً في القطاعات الاقتصادية”. واتفق الطرفان على رفع تأشيرة الدخول لمواطني الدولتين.

([3]) للاطلاع على بنية الجماعات الإثنية في غينيا، انظر: http://www.axl.cefan.ulaval.ca/afrique/guinee_franco.htm

([4]) ترى مصادر أخرى، أن القدرة الإنتاجية الإيرانية تبلغ  450 ألف طن سنوياً، فيما لا يتجاوز الإنتاج الإيراني الحالي لا يتجاوز 350 ألف طن سنوياً.

([5]) موقع عصر إيران، وموقع شيعة نيوز، وموقع مركز الأبحاث العقائدية.