تحاول هذه الدراسة استشراف أبرز ملامح التوجهات الأميركية في حقبة الرئيس دونالد ترامب، في ظلّ عدم اكتمال معطياتها بشكل نهائي بعد. وذلك من خلال دراسة المحاور التالية:

 

أولاً: المحدّدات التقليدية للاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، وأدواتها

ثانياً: المحدّدات الشخصية لترامب

ثالثاً-ملامح استراتيجية ترامب تجاه الشرق الأوسط

الملف الإيراني

محاربة الإرهاب

الملف العراقي

الملف السوري

الحلفاء العرب (السعودية، مصر، الأردن)

القضية الفلسطينية

الملف الاقتصادي

رابعاً-موقع روسيا في الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط

خامساً-أدوار طاقم إدارة ترامب في استراتيجيته

سادساً-سيناريوهات الحراك الأميركي في الشرق الأوسط

الخيارات السياسية المطروحة أمام ترامب

الخيارات العسكرية المطروحة أمام ترامب

ملاحظات ختامية

مراجع إضافية

 

أولاً-المحددات التقليدية للاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، وأدواتها:

امتلكت الولايات المتحدة جملة مصالح شكلت محدِّدات لتوجهاتها في منطقة الشرق الأوسط، تعزّزت بشكل أكبر بعد انتهاء الحرب البادرة، ويتمثّل أهمها في:

  • تثبيت الحضور الأميركي العسكري الدائم فيها، وتأكيد قطبيّتها الأحادية من خلالها، ومنع القوى الدولية الأخرى من تحويلها إلى مدخل إلى تغيير النظام الدولي (روسيا).
  • منع قيام قوى إقليمية تهدّد المصالح الأميركية في المنطقة (العراق وإيران).
  • ضمان أمن إسرائيل.
  • مصالح اقتصادية استراتيجية، تتمثّل في: ضمان تدفقات النفط إلى الولايات المتحدة بأسعار مناسبة، وتقييد وصول المنافسين إلى نفط المنطقة (الصين)، وضمان استثمار عائدات النفط – أو جزء منها – في الولايات المتحدة، وضمان مبيعات السلاح إلى دول المنطقة.
  • الحفاظ على أمن الحلفاء فيها، وهم بالدرجة الأولى: دول الخليج العربي وتركيا ومصر.

فيما برزت محدّدات أخرى، ذات طابع قيمي/أيديولوجي، إبان احتلال العراق، وإن كانت موجودة مسبقاً، إلا أنّها لم تأخذ ذات الحيز إلا منذ عام 2003، وهي:

  • إعادة تشكيل الصورة الأميركية إقليمياً ودولياً عبر الشرق الأوسط.
  • محاربة الإرهاب.
  • نشر الحرية والديمقراطية.

ووظّفت الولايات المتحدة جملة أدوات لتحقيق هذه المصالح/الاستراتيجية، أبرزها:

  • الأدوات العسكرية: الحرب بأشكالها الاستباقية والوقائية والردعية، والحصار، والعمليات العسكرية النوعية المحدودة، ودعم الحلفاء عسكرياً، والاحتلال بعد عام 2003.
  • التحالفات السياسية، وبناء التحالفات الإقليمية.
  • المعونات المالية.
  • المنظمات الدولية (الشرعية الدولية).
  • الأدوات الثقافية التي تتجلّى في العولمة بشكلها الأميركي.

ضمن هذه المحددات والأدوات، انطلق مشروع بوش الابن في إعادة تشكيل المنطقة جيوسياسياً وجيوهوياتياً مع احتلال العراق، ضمن مشروع “الشرق الأوسط الكبير/الموسع”، عبر آليات الفوضى الخلاقة. غير أنّ هذا المشروع أدّى إلى التخلي عن جزء من محدّدات الاستراتيجية الأميركية، إذ أنه أتاح لإيران القيام بأدوار إقليمية في العراق ساهمت في ازدياد فعاليتها في الشرق الأوسط، فيما تخلّى بوش الابن عن هدف نشر الحرية والديمقراطية والإطاحة بالأنظمة الحليفة، لصالح تعزيز أمنها مقابل تعزيزها للانفتاح الليبرالي الاقتصادي (النيوليبرالي تحديداً).

وبالمحصلة، أدّى احتلال العراق واضطرابات “الربيع العربي” اللاحقة، إلى تراجع مساحة الفعل الأميركي في الشرق الأوسط فترة أوباما، والتخلي عن عدد أكبر من محدّدات فعاليتها الاستراتيجية، حيث تخلت عن:

  • التدخل العسكري لضبط المسارات السياسية في الشرق الأوسط.
  • منع الصعود الإقليمي لإيران.
  • حماية الحليف المصري، وإسناد الحليف التركي، والتعاون مع الحليف الخليجي.
  • منع وصول قوى دولية إلى الشرق الأوسط، واستخدامه معبراً نحو إعادة تشكيل النظام الدولي.

 

ثانياً-المحدّدات الشخصية لترامب:

أدّت المتغيرات السابقة إلى تراجع الدور الأميركي عالمياً، عدا عن تضرّر عدد من المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، وارتفاع حدّة التهديدات الإرهابية لها. وهو ما أعطى انطباعاً بأنّ الولايات المتحدة باتت منهكة من الدور القيادي العالمي (القطبية الأحادية)، وأنّها في أعلى مراحل القطبية الأحادية المرنة، بل ربّما تلج المرحلة الهشة التي تُنذِر إمّا بالتحول إلى نظام ثنائي/تعددي، أو بانهيار الشكل القطبي المعروف، لصالح شكل القوى الإقليمية الكبرى. عدا عما طال الداخل الأميركي من إنهاك اقتصادي منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتي ما تزال آثارها متفاعلة في الاقتصاد الرأسمالي.

يدرك ترامب جلياً، حجم الضرر الذي لحق بالقوة الأميركية داخلياً وخارجياً، وهو ما جعله يرفع شعار حملته الانتخابية “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى”، والتأكيد عليه في خطاب التنصيب:

“سوف نجعل أميركا قوية مرة أخرى، وسوف نجعل أميركا ثرية مرة أخرى، وسوف نجعل أميركا فخورة مرة أخرى، وسوف نجعل أميركا آمنة مرة أخرى. ونعم، إننا معاً، سوف نجعل أميركا عظيمة مرة أخرى”.

وهو المرتكز الرئيس للاستراتيجية التي يسعى ترامب لبنائها، وفق تصورات ذاتية قامت على:

  • الرفض المطلق والكامل لسياسات الحزب الديمقراطي السابقة، وتحديداً سياسات إدارة أوباما، التي يعتبرها فاشلة بمجملها.
  • محاولة التمرد/عدم الانصياع لسياسات الحزب الجمهوري التقليدية، وإحداث ثورة داخل الحزب.
  • استحضار اللحظات التاريخية الكبرى في التاريخ المعاصر للقادة الأميركيين، ومحاولة التوفيق بينها سوية، على ما بينها من اختلافات، بل وتضادّ في بعض المواقع، وأبرزها:
    • جاكسون: الشعوبية القومية البراغماتية، والاستعداد لاستخدام القوة.
    • نيكسون: نهج أقل تدخلاً.
    • ريغان: نهج امبراطورية الشر وإبراز القوة المفرطة للولايات المتحدة، دون اشتراط استخدامها، إضافة إلى عنصر المفاجأة.
    • بوش الأب: دعم الديكتاتورية في العالم الثالث لتثبيت مصالح الولايات المتحدة، واستخدام القوة.
    • كلينتون: التحفيز الاقتصادي.
    • بوش الابن: التهديد باستخدام القوة العسكرية، واستخدمها تجاه الخصوم، والضغط على الحلفاء.

وإن كان عدد من الرؤساء الأميركيين حاول بداية تسلّمه لمنصبه، التوجّه نحو خيار العزلة، إذ تُعتَبر المدرسة الانعزالية، المدرسة الأعرق في السياسة الخارجية الأميركية، إلا أنّه طالما تغيّرت تلك السياسات بعد أشهر، نتيجة متغيرات خارجية فُرِضَت على الولايات المتحدة.

حيث يبدو، أنّ ترامب ما زال ضمن اللحظة الانعزالية الأولى المرافقة لتسلّم المنصب، والقائمة على اعتقاد أنّ السلوك الأميركي متغير مستقل يؤثر في كافة المتغيرات الدولية. دون إدراك تام أنه في المقابل، سيتحول إلى متغير تابع متفاعل ومتأثر بالمتغيرات الخارجية، بل وخاضع لها، في لحظات معينة. كما حصل على سبيل المثال، إبان أحداث 11 سبتمبر التي أخرجت بوش الابن من محاولته الانعزالية.

وربما يكون الميل الانعزالي ناجما بالأساس عن عدم وضوح الرؤية لدى القائد (ترامب أو سواه)، أو عدم إلمامه بكافة المعطيات اللازمة لبناء استراتيجية متكاملة، إلى حين اكتمال تلك الرؤية، أو استدراجه قهراً إلى التخلي عنها.

على أنّ ترامب لا ينحو نحو الانعزالية بشكلها المحض، بل بشكلها الاستعلائي على العالم، وهو ما أكّده عدد من الباحثين الأميركيين، من أنّ ترامب لديه “كره للعالم/كره للآخر”.

وفق هذه المحدّدات الشخصية الثلاثة الأولية: أميركا العظيمة، استحضار اللحظات التاريخية الكبرى، الانعزالية الاستعلائية، يمكن استكمال أبرز توجّهات ترامب الشخصية التي ستُشكِّل في الفترة المقبلة محدّدات استراتيجيته. وبالاستعانة بخطاب التنصيب، بهدف التدليل عليها، يظهر ما يلي:

  • رابعها: تعظيم المصالح الأميركية، وحيث أنّ من الطبيعي أن تعمل الولايات المتحدة –وسواها- وفق منطق المصالح، إلا أنّ ترامب يسعى إلى تعظيمها إلى درجة لا تتناسب مع الأدوار القيادية للولايات المتحدة، التي تتطلّب مراعاة مصالح الحلفاء.

“أثرينا قطاعات صناعية أجنبية على حساب الصناعة الأميركية، ودعمنا جيوش بلدان أخرى في حين سمحنا باستنزاف جيشنا بشكل محزن للغاية. ودافعنا عن حدود دول أخرى، بينما رفضنا الدفاع عن حدود بلادنا.

وأنفقنا تريليونات الدولارات خارج بلادنا في حين اهترأت البنية التحتية لأميركا وأصبحت في حالة سيئة يرثى لها.

لقد جعلنا دولاً أخرى غنية في حين تبدّدت في الأفق ثروة وقوة وثقة بلدنا.

وثروة الطبقة الوسطى في بلادنا انتُزعت من قيمة منازلهم، ثم أُعيد توزيعها في جميع أنحاء العالم. ولكن هذا هو الماضي، ونحن الآن نتطلع فقط إلى المستقبل.

من اليوم فصاعدًا، فقط ستأتي أميركا أولاً – أميركا أولاً. إن كل قرار نتخذه بشأن التجارة وبشأن الضرائب، وبشأن الهجرة، وفيما يتعلق بالشؤون الخارجية، سوف نتّخذه بصورة تعود بالخير والفائدة على العمال الأميركيين وعلى الأسر الأميركية. ويجب علينا أن نحمي حدودنا من نهب البلدان الأخرى التي تصنع منتجاتنا، وتسرق منا شركاتنا، وتدمر وظائفنا.

وسوف نستعيد وظائفنا. ونستعيد حدودنا وثروتنا، وسوف نستعيد أحلامنا”.

 

  • خامسها: وهي مشتقّة من النص السابق، حيث يظهر أنّ إعلاء المصلحة الأميركية، في معظمه اقتصادي، بل وربما يعود إلى المرحلة المركنتلية الكولونيالية. وبالتالي فإنّ استعادة الألق الأميركي سيكون عبر البوابة الاقتصادية، ما سيشّكل بالتالي محدداً لسلوكه الخارجي، تجاه العالم والشرق الأوسط. حيث يتطلّع إلى زيادة نمو الناتج القومي الأميركي إلى 3-4%، ووقف تآكل النظام الليبرالي، وتخفيض الضرائب على الشركات من 35% إلى 10%.
  • سادسها: لم يحمل خطابه أبعاداً قيمية/أيديولوجية، كما العديد من المشاريع الأميركية السابقة، وخصوصاً أنه أكد على:

“لا نسعى إلى فرض طريقة حياتنا على أحد”.

أي أنّه يتخلى –بشكل غير مباشر- عن أيديولوجية نشر الحرية والديموقراطية وحماية وتعزيز حقوق الإنسان، في العالم الثالث وفي الشرق الأوسط تحديداً. إلا أنّ ذلك لا يعني عدم اتباعه قيماً أيديولوجية شخصية، تمثّلت في البعد الديني المسيحي المحافظ من جهة، والمناهض للإسلام (وإن تمّ ربطه بالشكل المتطرّف فحسب):

“نوحد العالم المتحضر ضد إرهاب الإسلام المتطرّف الذي سنزيله بشكل كامل من على وجه الأرض …

يخبرنا الكتاب المقدس، أنه من المبهج والجميل أن يعيش شعب الله معاً في اتحاد …

الله سيحمينا.

 

وحيث تُعتَبر هذه المحدّدات الستة الشخصية السابقة، شبه ثابتة في شخصية ترامب، فإنّ محدّدين آخرين يظهران، باعتبارهما محدِّدين غير ثابتين، أو قابلين لتغير توجّهات الرئيس، وهما:

  • عدم الثبات على الموقف، ولوحظ ذلك من خلال تغيير تصريحاته أو تغريداته أو مواقفه الأولية خلال حملته الانتخابية بين شهر وآخر، وأحياناً بوتيرة أسرع من ذلك.
  • محدّد الشعبوية، الذي استند إليه كثيراً في فوزه في الانتخابات، وخصصّ لها قرابة ربع مساحة خطاب التنصيب، موظِّفاً إياه في حشد داعمين لتوجّهاته حين يكون بحاجة إلى ذلك.

ثالثاً-ملامح استراتيجية ترامب تجاه الشرق الأوسط:

وفق المحّددات الشخصية السابقة، تبرز ملامح استراتيجية ترامب في المرحلة المقبلة، وإن كانت غير مكتملة بعد، أي أنّها قيد التطوير والإخراج العالمي. وأبرز هذه الملامح فكرياً تجاه الشرق الأوسط:

  • الولايات المتحدة أولاً على حساب الحلفاء والالتزامات الدولية والأعراف الأميركية، من خلال استخدام أدوات الضغط أو التخلّي عن الالتزامات الأميركية التقليدية.
  • تعزيز القوة الأميركية والاستعداد لاستخدامها دون الرغبة بخوض حروب، بل التهديد عبر التفوق العسكري.
  • تصعيد الحرب على “الإرهاب الإسلامي”.
  • دعم الحركات الشعوبية في الغرب، بما قد يؤدي إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي، عدا عن التسبب بارتفاع حدّة التطرّف المقابل في الشرق الأوسط.
  • الأمن قبل الحرية والديمقراطية، والعودة لدعم الديكتاتوريات.

 

بحيث تتمثل هذه المحدّدات عملياً من خلال الملفات التالية:

  • الملف الإيراني:

يحتلّ الملف الإيراني الأولوية القصوى في برنامج ترامب، إلى جانب ملف الإرهاب، حيث عبّر مبكراً أثناء الحملة الانتخابية عن رفضه الاتفاق النووي الموقّع مع إيران، باعتباره “أغبى صفقة على الإطلاق”، مهدّداً بتمزيقه فور توليه منصبه، إلا أنه لم يعمد إلى ذلك، بل يتمّ طرح مراجعة الاتفاق وتعديله.

إلا أنّ الاتفاق جعل من ترامب، أول رئيس أميركي خلال عقدين يتحرّر من قلق قيام إيران بتخطي عتبة السلاح النووي دون أن يتمّ اكتشاف ذلك، نتيجة إفساح الاتفاق النووي للوكالة الدولية للطاقة الذرية للمراقبة اللصيقة لبرنامج إيران النووي.

وبدلاً من إلغاء الاتفاق، يبدو أنّ ترامب سيتوجه نحو محاصرة القوة الإيرانية في المنطقة، وتقويض النفوذ الإيراني المباشر، أو غير المباشر عبر الميليشيات الإيرانية (حزب الله مثالاً)، باعتبار إيران “أكبر راعٍ للإرهاب في العالم”. وهو محلّ توافق كبير بين أعضاء إدارته، وخاصة الصقور منهم:

  • اتّهم نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، إيران بزعزعة الشرق الأوسط عبر كونها راعياً قيادياً للإرهاب: “الرئيس ترامب وضع تحت عيونه دولة إيران كراعٍ قيادي للإرهاب … منذ فترة طويلة وإيران تضخّ أسلحة وأموالا لفروعها الإرهابية في لبنان وسوريا … الرئيس ترامب لن يسمح بتاتا لإيران بتطوير سلاح نووي، هذا وعدنا لكم وللعالم”.
  • يرى فلين أن المعركة مع إيران جزء من “الحرب العالمية ضد الإسلام الراديكالي”.
  • أعلن ماتيس مراراً خلال رئاسته للقيادة الوسطية العسكرية الأميركية أنّ أعظم ثلاثة تهديدات تواجه الولايات المتحدة، هي: “إيران، وإيران، وإيران”. إلا أنّه يرى أنّ الاتفاق نجح في “تجميد” المساعي النووية الإيرانية، ولم يوقفها، كما أنّه سمح للولايات المتحدة بتعزيز قاعدة أهدافها الاستخباراتية في حال قررت قصف المنشآت النووية الإيرانية.
  • ويتبنى الموقف نفسه وزير الأمن القومي جون كيلي، ورئيس الاستخبارات مايك بومبيو.

وتنحصر خيارات ترامب تجاه إيران في:

  • التحلّل المطلق من الاتفاق.
  • استغلال مغامرات إيران وتجاربها الصاروخية لفرض عقوبات جديدة.
  • الضغط على إيران لتعديل جزء من بنود الاتفاق، عبر آليات الترغيب والترهيب.
  • الحفاظ على الاتفاق النووي، مع تطوير آليات بالتشارك مع الحلفاء، تطال البرنامج الصاروخي الإيراني، وملف حقوق الإنسان.
  • تقويض نفوذ إيران في المنطقة من خلال ضرب حلفائها، وتعزيز موقع خصومها.
  • الحرب على إيران.

لكن خيارات ترامب ليست مفتوحة الاحتمالات تجاه إيران بالمطلق، على الأقل في الأشهر الأولى من رئاسته، إذ ربّما يتسم سلوكه بمحاصرة إيران في الخليج العربي وسوريا واليمن وأفغانستان والعراق، وتعزيز الرقابة على برنامجها لتطوير صواريخها متوسطة المدى. حيث تظهر عدة عوائق أمام ترامب في الملف الإيراني، أبرزها:

  • أنّ الاتفاق هو اتفاق دولي، يؤدّي التحلل منه إلى تبعات دولية، وتقويض لدبلوماسية الحلفاء الأوروبيين.
  • في حال تحلّل الولايات المتحدة من الاتفاق، أو الضغط على إيران إلى درجة تدفعها إلى التخلي عن التزاماتها فيه، فإنّ إعادة فرض عقوبات دولية يبدو أكثر صعوبة من ذي قبل.
  • أنّ ترامب يسعى للتقارب مع روسيا في الفترة الحالية، بهدف القضاء على تنظيم داعش، وبالتالي فإنّ روسيا ستضع ملف العلاقات الإيرانية-الأميركية في مقدّمة شروطها للتعاون، عدا عن أنّها ستكون وسيطاً بين الطرفين على غرار ملف سلاح الأسد الكيماوي.
  • أنّ إلغاء الاتفاق يحلّل إيران من التزاماتها فيه، ويسمح لها بالعودة إلى النشاط النووي السري.
  • تبقى الولايات المتحدة بحاجة إلى ميليشيات إيران وحلفائها في العراق –في الفترة الأولى- لمحاربة تنظيم داعش، إلى حين تغيير التركيبة العسكرية والسياسية في العراق.
  • وفي حين يتطلّع ترامب إلى القضاء على تنظيم داعش في سوريا كذلك، إلا أنّه بالحفاظ على نظام الأسد، فإنّه يحافظ على قسم مهم من المصالح الإيرانية في الشرق الأوسط، وهو ما سيُصعِّب عليه استهداف ميليشيات إيران في سوريا ولبنان (حزب الله)، عدا عن صعوبة إقناع الأسد بالتخلي عن إيران في هذه الفترة.
  • كما أنّه –وفق محددات سياسته- لا يولي أهمية لملف حقوق الإنسان، واستخدامه تجاه إيران، سيجبره على استخدامه في ملفات شرق أوسطية أخرى، لا يرغب بها.
  • ويبقى خيار الحرب مع إيران، غير وارد في الأشهر الأولى، لعدّة عوائق، منها غياب الأسباب المباشرة، وعدم وجود تحالف دولي يناصره في ذلك، عدا عن أولويته الأخرى في محاربة داعش.

ووفق النقطة الأخيرة، يدعو جورج فريدمان، للتحالف مع إيران باعتبار السنة خطراً أكبر من الخطر الإيراني، وتأجيل المواجهة مع إيران إلى ما بعد مرحلة الانتصار على السنة. حيث لا يمكن شنّ حرب على الطرفين معاً، وهو يدعو إلى ذلك، وفق اعتبار أن الشيعة/إيران أضعف من السنة وأقل عدداً، وبالتالي التحالف معهم أفضل، كما كان التحالف مع السوفييت ضدّ النازية.

وربّما تقوم إيران باستثمار هذه العوائق، من خلال:

  • أن تُظهر نفسها ذات دور وتأثير في محاربة داعش، وأنّ الضغط عليها سيحُول دون الحصول على مساعدتها، بل ربّما تتساهل في موضوع وجود داعش في العراق وسوريا –بشكل غير مباشر- بهدف زيادة الصعوبات على المشروع الأميركي (كما فعلت في الفترة 2003-2006 في العراق).
  • تقوية علاقاتها مع خصوم ومنافسي واشنطن وفي مقدّمتهم روسيا والصين.
  • اللجوء إلى المحافل الدولية للتصعيد ضدّ عدم وفاء واشنطن بالتزاماتها التي رتَّبها الاتفاق النووي.
  • ومن الممكن أن تستغلّ إيران، الملف المالي الذي شكل أولوية في برنامج ترامب، لتقديم إغراءات اقتصادية ومالية كبيرة، على شكل استثمارات حصرية للولايات المتحدة، تخفّف من الضغط الأميركي.

وعموماً، فإنّ إدارة ترامب ستعمد إلى تصعيد خطابها وسلوكها في الفترة الأولى، لاختبار الخيارات المطروحة، وردود الفعل الإيرانية. وخاصة أنّ التهديد بشن عمليات عسكرية ضدّ إيران، أصبح جزءاً من تقاليد الحزب الجمهوري. ووفقاً لهذه القاعدة، تم فرض عقوبات جديدة تستهدف 25 كياناً إيرانياً وأفراداً متورّطين بشراء تكنولوجيا لدعم برنامج إيران الصاروخي البالستي، بعد تجربة إيران الفاشلة لإطلاق صاروخ طويل المدى (1013 كم)، في نهاية يناير. ومنع حوالي مليون إيراني في الولايات المتحدة من التنقل بحرية خصوصاً لزيارة بلادهم، أو تحويل المال إليها، أو التجارة وبناء المشاريع والعقارات التي تستقطب العملة الصعبة.

ويبدو أنّ هناك إجماعاً في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، على اعتبار أنّ إعادة فتح ملف الاتفاق النووي، سيسبّب المزيد من الضرر أكثر من المنفعة. ومن المرجّح أن يكون نتنياهو وترامب قد اتّفقا على ضرورة إنفاذ التزامات إيران المنصوص عليها في الاتفاق والدفع نحو فرض عقوباتٍ إضافية على الأعمال غير الشرعية خارج نطاق الاتفاق. بحيث تكون العقوبات المحسنّة أكثر فعاليةً إذا تناسبت وترافقت مع إجراءاتٍ دبلوماسية وعسكرية واستخبارية ضمن حملةٍ منسقة ضد نشاطات إيران المزعزِعة للاستقرار. وبالمثل، تكون العقوبات أكثر فعاليةً عندما يتم تبنيها من قبل تحالف دولي. ويتمثّل التحدي الذي يواجه نتنياهو وترامب في كيفية إقناع المجتمع الدولي الأوسع بالتكاتف ضد نشاطات إيران المزعزِعة للاستقرار.

  • محاربة الإرهاب (داعش والقاعدة):

يُعتَبر ملف محاربة الإرهاب، الأولوية القصوى الأخرى على أجندة ترامب وإدارته بمختلف تكويناتها، حيث وعد في حملته الانتخابية بهزيمة “أيديولوجيا الإرهاب الإسلامي المتطرف”، من خلال تغييرات جذرية في استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، وعبر خطة لكسر داعش خلال 100 يوم، وهي خطة سرية وفق زعمه لم تظهر ملامحها بعد، إلا أنها تشمل “التحالف مع الشيطان للقضاء على داعش”. في حين منح ترامب فريقه مهلة لتقديم خيارات جديدة، لمدة شهر، توجت بخطة ماتيس.

إذ أعلن البنتاغون أنّ وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، بعث، في 27 فبراير، خطة أعدتها الوزارة لتكثيف محاربة تنظيم داعش: “ليس في سوريا والعراق فحسب وإنما في العالم بأسره”. وأبرز ملامحها وفق التسريبات الإعلامية الأميركية:

  • تحدّد معنى مصطلح “هزيمة داعش” وقد يضمن تدميره بشكل سريع.
  • حزمة من الإجراءات العسكرية والدبلوماسية والمالية.
  • قد تشمل نشر قوات قتالية دورية في سوريا لأول مرة، كما قد تشمل نشر مدفعية.
  • توسيع استخدام قوات العمليات الأميركية الخاصة.
  • زيادة عدد العسكريين الأميركيين المنتشرين في العراق وسوريا.
  • منح البنتاغون والقادة الميدانيين صلاحيات إضافية لتسريع عملية اتخاذ القرارات.

أي أنّها ستكون جهوداً إضافية على الجهود الأميركية الحالية، في توجيه ضربات جوية إلى مواقع التنظيم، دون تنسيق مع النظام السوري، وتدريب قوات محلية. وتأتي هذه الخطة متزامنة مع تسريبات بوجود 550 جندي أميركي في صفوف الميليشيا الكردية “قوات سوريا الديمقراطية”، في مهمات قتالية ضد داعش بمنطقة الرقة.

ويبدو أنّ تركيز ترامب ينصب في المرحلة الأولى باتجاه تنظيم داعش، والقضاء على “دولة الخلافة”، أكثر منه القضاء على كافة التنظيمات الإرهابية الأخرى (القاعدة في العراق وفي اليمن)، وخاصة عقب إخفاق الغارة الأميركية على مجمع للقاعدة في يكلا/اليمن، في 29 يناير، والتي وصفها جون ماكين بـ “الفاشلة”. وسيظهر هذا التوجه الأميركي –داعش أولاً- من خلال السيناريوهات المتاحة أمام ترامب، والتي سيتم عرضها في هذه الدراسة لاحقاً.

ورغم أنّ هناك إجماعاً داخل فريقه على أولوية محاربة داعش، غير أنّ إشكاليات عدّة تظهر في خطة ترامب لمحاربة الإرهاب، أبرزها:

  • أنّها تتضمن بعداً أيديولوجياً يوحي بمعاداة أو كره للإسلام عامة، من قبله أو من قبل صقور طاقمه، وهو ما قد يضع قيوداً إقليمية على خطته من جهة. عدا عن قيود في المجتمعات العربية التي تعاني من إرهاب التنظيم، والتي قد تشهد تحوّل فئات منها لدعم التطرف.
  • مواقفه من حلفائه في المنطقة، وتحديداً السعودية، والذين هم عماد الحرب على الإرهاب. إذ إنّ قيام فتور في العلاقة بينهما لن يخدم مشروع ترامب.
  • في حال اللجوء إلى خيار العمليات البرية، فإنّ الولايات المتحدة قد تعتمد على الأكراد في سوريا والعراق، وهو ما قد يتسبّب في تردّد تركيا في المشاركة.
  • رغم أنّه أكّد في خطاب القسم على عدم فرض القيم الأميركية على العالم، إلا أنّه في حملته الانتخابية أكد على “بناء الأمم من الداخل”، وهي واحدة من التناقضات في مواقفه، حيث لا يمكن تحديد أي الخيارين سيعتمدهما ترامب.
  • إلا أنّه غالباً، لن يحاول تغيير المنطقة، بل اعتماد خيار قائم فيها عوضاً عن إرهاق الذات في البحث عن بدائل أكثر نفعاً، أي المقارنة بين بديلين فقط: الأنظمة السلطوية، والمنظمات الإرهابية. بحيث يتمّ إعادة تأهيل الأنظمة السلطوية لتكون مقبولة دولياً.
  • إلا أنّ التغاضي عن نظام الأسد والبنية الطائفية للنظام العراقي سيعزّز حالة التطرف المقابلة، كما سيعزز مواقف داعش والقاعدة والنصرة.
  • وفيما تتنوّع مسبّبات الإرهاب في المنطقة التي هي بحاجة إلى معالجة جذرية، على شكل مروحة واسعة، لم يظهر في تصريحات ترامب أي منها، سوى موضوع “إشكالية الفكر الإسلامي المتطرف”.
  • عدا عن أنّ طبيعة الحراك العسكري الأميركي منذ حرب فيتنام، لم يشمل إعداد برنامج فعّال لإعادة بناء الأمم المحتلة، حيث ما تزال أفغانستان والعراق تعيش في خضم الاضطرابات.
  • وفي حال اكتمال التصوّر الأميركي، بغضّ النظر عن طبيعته، فإنّه سيحتاج إلى أشهر طويلة، تتجاوز مهلة 100 يوم التي وضعها ترامب.
  • وتبقى إشكالية إيران في هذا الملف، أنّها عنصر عالي الفعالية في العراق، ولا يمكن إتمام مهمة القضاء على داعش في العراق، إلا من خلال إيران أو ميليشياتها، أو الأطراف العسكرية والسياسية المحسوبة عليها. إضافة إلى بروز التساؤلات التالية:
    • هل سيتم تفعيل المواجهة الأميركية مع إيران وداعش في ذات الوقت؟
    • لأي منهما –إيران وداعش- الأولوية في حال اختيار مواجهة واحدة فقط؟

ومن الملاحظ، أنّ عدة مصادر بحثية أميركية بدأت بالحديث عن اقتراب نهاية مرحلة دولة الخلافة الإسلامية/داعش، وتبحث في التصورات اللاحقة لهذه المرحلة. غير أنّ القضاء نهائياً على الإرهاب، ربّما يتطلّب استدراج كل العناصر الإرهابية إلى بؤر محدّدة للمواجهة، وهو أسهل من توسيع رقعة المواجهة وتنويع أدواتها وتكاليفها، ما يضع الشرق الأوسط على عتبة احتمال قيام مواجهات عسكرية أوسع.

 

  • الملف العراقي:

شكّل الملف العراقي، أبرز محطات انتقادات ترامب للجمهوريين والديمقراطيين معاً، على اعتبار أنّه: “ما كان يجب احتلال العراق، وما كان يجب الانسحاب منه”. وتشهد إدارته ثلاثة من الصقور الذين خدموا في العراق: وزير الدفاع ووزير الداخلية ومستشار الأمن القومي. ويبقى الملف العراقي محورياً في استراتيجية ترامب، مبنياً على ثلاثة ركائز:

  • محاربة داعش في العراق وسوريا.
  • تقويض النفوذ الإيراني.
  • حجم المصالح الأميركية الأعلى في المنطقة، فقد أنفقت الولايات المتحدة في العراق أكثر من 3 تريليون دولار، منذ عام 2003.

ورغم رفضه لسياسات أوباما، إلا أنّ استراتيجية ترامب غالباً ما ستعمد إلى استمرار نهج أوباما، في الاعتماد على الحشد الشعبي والقوى المحلية مع دعم الطيران العسكري الأميركي ومراكز الاستخبارات، مع التزام كامل تجاه الحكومة العراقية الحالية. إلا أنّ ترامب قد يعمد إلى تطويرها سواء أكانت ستّتجه لمواجهة إيران أو داعش. وقد وعد ترامب قبل تنصيبه بإرسال 43 ألف جندي أميركي للعراق لمحاربة داعش.

ويبدو أنّ تطويرها يشمل مهمّات خارج الحدود للجيش العراقي، بدأت تظهر ملامحها من خلال غارة على مواقع داعش في سوريا، بتنسيق مع نظام الأسد ومساعدة وإشراف الجيش الأميركي. ما يوحي بتطلّع أميركي لتحويل الجيش العراقي، إلى وكيل المصالح الأميركية في المنطقة، على المدى المتوسط.

غير أنّ هذا التطلّع، يتطلب تحرير العراق من الهيمنة الإيرانية، ومن البنية السياسية المذهبية شديدة التمترس. فقد دعا بريت ماكغورك، المبعوث الأميركي الخاص للتحالف الدولي لمكافحة داعش، إلى قيام “فدرالية فاعلة” في العراق، ومشاركة السلطة بين الكتل العرقية والطائفية، والتوصل إلى تسوية تفاوضية بين بغداد والأكراد حول الوضع المستقبلي لـ “إقليم كردستان العراق”. وتريد واشنطن ضمنياً أن يصبح العراق قوياً وذا سيادة لكي تتمكن الولايات المتحدة من تقليص وجودها دون التنازل عن البلاد لإيران.

كما أنّ حديث ترامب عن تفضيله لصدام حسين والقذافي، يدفع البعض إلى الاعتقاد بأنّه يبحث عن نظام سلطوي جديد في العراق، قادر على مواجهة التحديات شرق الأوسطية (الإرهاب)، والتدخل في الملفات الإقليمية. وفي حال تكليف هذا النظام السلطوي بمواجهة إيران، أو الحدّ من نفوذها، فإنه لابد أن يكون سنياً-قومياً، مع وجود لمرجعيات شيعية معتدلة في العراق.

وتتمثّل إشكالية هذا الطرح، في أنّه يتعارض مع مصالح الأكراد –حلفاء واشنطن في محاربة داعش-، وربما يجد معارضة من قبل تركيا ذات المطامع في العراق، عدا عن أنّه بحاجة إلى تنسيق عال مع السعودية والكويت، التي ربّما يكون لها تحفظات على بروز نظام شبيه بنظام صدام حسين مرة أخرى، كما أنّه لا يمكن تمرير هذا المشروع دون فعالية خليجية تجاهه.

 

مركز المزماة للدراسات والبحوث

09 مارس 2017