في مثل هذا الشهر من سنة 2013، تمكن مقاتلو «الجيش السوري الحر»، إلى جانب «جبهة النصرة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، من تحرير مدينة الرقة الواقعة شرق سوريا. وخلال تحرير المدينة، أُسقطت تماثيل الأسد، وحُرِّر السجناء، وأقيمت الاحتفالات هناك. كما انخرط النشطاء السوريون يومها في نقاشات ساخنة حول شكل الديمقراطية المقبلة في البلاد، وشكّلوا مجلساً محلياً في المدينة، بينما أنشأت «جبهة النصرة» من جانبها ما أسمته محكمة شرعية. وبعد ذلك، انشق تنظيم «داعش» عن «جبهة النصرة». ولئن تم احتواء التنظيم لبعض الوقت، فإن «الجيش الحر» في الرقة سرعان ما بدأ يضعف ويفقد سيطرته، حيث كان يتعرض للضربات الجوية من جانب القوات الحكومية، كما كان «منهمكاً في قتال النظام في مكان آخر».

وفي يناير 2014، تمكن تنظيم «داعش» من بسط سيطرته على كامل المدينة. وبعد أن «قاموا بانتزاعها من الثوار الذين كانوا قد ضحّوا بكل شيء من أجل تحريرها»، أقام المتطرفون على الفور حكماً يقوم على نشر الخوف بين السكان وترهيبهم. ونتيجة لذلك، فقد فرّ بعض السكان بينما استسلم البعض الآخر للأمر الواقع، هذا في حين اختار البعض الآخر المقاومة ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن بين هذه الفئة الأخيرة «سامر»، مؤلفُ كتاب «يوميات الرقة»، الذي يستعمل اسماً مستعاراً خوفاً على سلامته وسلامة عائلته.

لقد جازف سامر بحياته من أجل كسر حظر الاتصال بالعالم الخارجي الذي يفرضه «داعش» على السكان، فربطت منظمته التي تحمل اسم «الشرقية 24» اتصالا مع مراسل هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، مايك تومسون، وقرئت نسخة مختزلة من هذا الكتاب على جناح الأثير. ويُعد كتاب «يوميات الرقة» ثمرةَ جهدٍ جماعي شارك فيه سامر، ومترجم، ومصور، ومحرر. وفيه يتحدث سامر عن حياة سكان الرقة تحت حكم «داعش» ويصف الأهالي هناك بأنهم «متواضعون» وطيبون.

ويقول سامر إن سيطرة «داعش» على المدينة جلبت خليطاً سريالياً من الحكم الشمولي «البعثي» وحكم السلفية الجهادية، حيث فرض حكام المدينة الجدد على السكان قواعد محددة وصارمة في اللباس، وحظروا التدخين والتلفزيون، وفرضوا المواظبة على حضور صلاة الجماعة، وارتياد الدروس المسائية، ودراسة مواد الشريعة الإسلامية.. حيث يقال للناس إنهم «حادوا عن النهج الصحيح للدين وينبغي أن يتعرفوا على الإسلام من جديد». وإلى ذلك، كان التنظيم يقوم برجم النساء، ورمي المثليين من أماكن شاهقة، وبتجنيد الأطفال في صفوف مقاتليه لخوض الحرب.

وبالنسبة لعمليات الإعدام، يقوم التنظيم بحشد الناس «كما لو كان سيعرض عليهم مسرحية». ثم يقوم بقطع رؤوس «المرتدين» أمامهم باستخدام السيف في الساحات العامة. ثم تعلق الرؤوس على أعمدة الإنارة وسياجات الحدائق. وتشمل قائمة «المرتدين» جنودَ النظام المتقاعدين، والثوار، والصحافيين المواطنين، وغيرهم. وعندما اكتشف سامر أن جاره أُعدم بقطع رأسه، كاد عقله يطير وراح يسب ويصرخ، فكان مصيره التوقيف والجلد عقاباً له على ذلك. وكان هذا أول أذٍ جسدي مباشر يلحقه من «داعش». أما المرة الثانية، فكانت حين تم إرغام الفتاة التي كان يعتزم الزواج بها على الزواج من أحد مقاتلي التنظيم.

وفي تلك الأثناء، تستعر الحرب الجوية، حيث تستهدف الضربات الأميركية مباني «داعش»، بينما تستهدف الضربات الروسية الأسواق والأحياء المدنية. ويتعرض منزل سامر للقصف، فيقتل والده. ورداً على تكثيف القصف الجوي، الأميركي والروسي، ضد التنظيم، يعمد هذا الأخير إلى تصعيد قمعه للسكان، ذلك أنهم كانوا «كلما شعروا بالتهديد، عمدوا إلى صب كل غضبهم علينا». وهكذا، تحول كل ناشط إلى هدف محتمل للتنظيم في أي وقت. وفي تلك الأثناء أيضاً، تتفاقم معاناة السكان ويكتوي الجميع بلهيب الارتفاع الصاروخي في الأسعار. وبينما يضطر السكان الذين يتضورون جوعاً لإحراق الكتب من أجل إيقاد نار الطهي والتدفئة، كان المتطرفون الذين يتقاضون أجوراً جيدة يفرضون نظاماً ضريبياً يشبه إلى حد كبير إتاوة الحماية.

سامر اتخذ الكتابة وسيلة مقاومة. ولما كانت مقاهي الإنترنت تعج بالجواسيس، فإنه كان يقوم بإرسال نصوصه المشفّرة إلى العالم الخارجي عبر وسيطين. لكن الطوق سرعان ما ضاق عليه إذ قُتل صديقه «أنس» من قبل عناصر تابعة لـ«داعش». وعندما انتقد رجل يدعى «خالد» إحدى خطب «داعش»، وقد كان ممن يحفظون كتاب الله، أعدمه التنظيم على الفور أيضاً باعتباره «عدوا لله والإسلام».

وكتب سامر يقول: «إن الإسلام هو أغلى ما نملك»، مضيفاً: «إنه قبسة نور في هذه الأزمنة المعتمة»، ليتابع قائلًا: «إن سكان الرقة المسلمين يكرهون استغلال (داعش) للدين من أجل التغطية على جرائمهم».

وفي نهاية المطاف، يفر سامر من الرقة، وذلك بعد أن أيقن أن اسمه أصبح على قائمة المطلوبين للتنظيم الإرهابي، تاركاً وراءه والدته التي لم يكن يريدها أن تفجع بمقتله على يد «داعش» وربما التمثيل بجثته أمامه. لقد استطاع الهرب متحاشياً نقاط التفتيش التي يقيمها «داعش» على كثير من الطرق والممرات. لقد فرّ عبر الشمال السوري الذي خلا من السكان. كل واحد من مرافقيه لديه قصصه المروعة الخاصة به. ثم انتهى به الأمر في مخيم قرب الحدود السورية التركية، وفي حوزته القليل من الماء والدواء، تحت سماء محاطة بالطائرات الحربية وبالكثير من اللاجئين الفارين مثله من «داعش».

وفي هذا الشهر دخلت الحرب الأهلية السورية سنتها السابعة. ويقول سامر: «إن المنطقة التي أوجد فيها حالياً ملأى بأشخاص مثلي، الآلاف ممن تركوا منازلهم وراءهم، فارين من (داعش) أو من نظام بشار الأسد. معاناتهم ومعاناتي لم تنته بعد، بل ربما لم تقترب حتى من نقطة يمكن أن تتراءى فيها النهاية ولو من بعيد».

محمد وقيف

الكتاب: يوميات الرقة.. الفرار من «داعش»

المؤلف: سامر

الناشر: هاتشينسون

تاريخ النشر: 2017

نقلاً عن جريدة الاتحاد الإماراتية

تاريخ النشر: الجمعة 17 مارس 2017