انشغلت وسائل إعلام فرنسية مؤخراً بإجراء مقابلات وتحقيقات إضافية على خلفية ما أثاره كتاب الصحافية بيرانجار بونت “جمهورية قطر الفرنسية” الذي تقول مؤلفته أن الهدف منه هو تعرية جزء من الطبقة السياسية في فرنسا وكشف علاقاتها بقطر من خلال تلقي الهدايا السخية التي يسيل لها اللعاب، ضمن نشاط السفارة القطرية في باريس خلال فترات سابقة لاستقطاب أكبر عدد ممكن من النواب الفرنسيين على وجه الخصوص.

المعلومات الصادمة التي وردت في كتاب “جمهورية قطر الفرنسية” “La République Française du Qatar” وضعت مؤلفته Bérengère Bonte في الواجهة، حيث استضافتها محطات تلفزة وقنوات فضائية للتحدث حول مضمون الكتاب الذي يمثل محتواه صدمة للقراء وفضيحة لعدد غير قليل من النخبة السياسية في شمال فرنسا تحديداً.

تذكر مؤلفة الكتاب أن من بين أصدقاء قطر ثلاثة من شمال فرنسا هم: النائب Nicolas Bays، الذراع اليمنى لرئيسة بلدية مدينة ليل، والأمينة العامة السابقة للحزب الاشتراكي، Martine Aubry وPierre de Saintignon، والمدرسة الثانوية Averroès من ليل.

قبل ذلك كان قد صدر في الخريف الماضي كتاب استقصائي يدور حول نفس الموضوع بعنوان “أعزاؤنا الأمراء” وأكدت بيرونجير بونت من جديد بعض ما جاء فيه عن أحد النواب وعلاقته بالقطريين. حيث ورد أن نيكولا بايز وجه في العام الماضي رسالة نصية للسفير القطري ليطالب بتقديم منحة مالية للقيام برحلة. قالت بيرونجير بونت في كتابها “بحسب ما قال مستشار قرأ الرسالة النصية ، أوضح بايز أنه في حاجة إلى رحلة لقضاء إجازة مع أسرته ولكن ليست لديه إمكانيات قضاء مدة إجازة في الدوحة، إذن أية لفتة ستكون محل تقدير”.

قالت المؤلفة أيضاً إن النائب الاشتراكي أدرك في وقت متأخر على ما يبدو تغير سلوك قطر التي تريد أن تكف عن الإغداق على النواب الفرنسيين. وفي كتاب “جمهورية قطر الفرنسية: ينكر نيكولا بايز من جديد أنه طالب بهدية واعترف فقط بأنه “طلب فئة ركاب أعلى على متن الخطوط الجوية القطرية”.

وبينما هدد النائب برفع دعوى تشهير على مؤلفي كتاب “أعزاؤنا الأمراء”، يؤكد جورج مالبرونو الذي يحتفظ بنسخة من الرسالة النصية الشهيرة أنه لم يتم رفع دعوى ضد الكتاب.

تقول التفاصيل أيضاً أن السفير القطري في باريس محمد الكروي الذي شغل هذا المنصب من 2003 إلى 2013 كان حريصاً على الاعتناء بدفتر أسماء الشخصيات السياسية لديه، وقد تعاطف مع بيير دو سانتينيون، الذراع اليمنى لمارتين أوبري. وتتحدث المؤلفة في كتابها عن “موائد العشاء التي لا حصر لها والمجون” في أحد فنادق مدينة ليل ذي الخمس نجوم.

وبحسب المؤلفة كان بيير دو سانتينيون يأمل أن تقوم قطر بتمويل مشروع النهوض بالتكنولوجيا والبرنامج الثقافي في مدينة ليل Lille 3000.

ومن الواضح أن أوبري وسانتينيون كانا يأملان أن يستثمر القطريون في برنامج Lille 3000 كل سنتين. ويطلق الناس نكات فيقولون إن القطريين تحدثوا عن بناء محطة في الدوحة تكون نسخة من محطة Saint-Sauveur في مدينة ليل. غير أن هذه الأحلام لم تتجسد بعد.

وبعد أن ظلت الشكوك تحوم حول قطر واتهامها باستمرار بتمويل منظمات جهادية، تقول المؤلفة بيرانجار بونت إن هناك خليطا مثيرا. فمنظمة قطر الخيرية المقربة من السلطة القطرية أسهمت ماليا في توسيع المدرسة الإسلامية الخاصة Averroès (شمال) بموجب عقد. وتم تمويل توسيع مدرسة أفيرويز جزئيا بفضل دعم قطر الخيرية.

وكان عمار الأصفر مسؤول مسجد ليل الجنوبية قد أسس مدرسة أفيرويز الثانوية، وهو أيضا رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية، التي تعتبر الواجهة الفرنسية للإخوان المسلمين. وتقول بيرانجار بونت إن قطر تقدم دعما كبيرا إلى جماعة الإخوان المسلمين. ولا شك لديها في أن هذا يفسر دعم مدرسة أفيرويز الثانوية وبناء أماكن عبادة في فرنسا بمعرفة اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية. وفي أكتوبر الماضي اعترف مسجد مقاطعة Villeneuve d’Ascq بأن منظمة قطر الخيرية أسهمت في تمويل بنائه.

وزاد تفاعل وسائل الإعلام مع الكتاب الجديد الذي يركز على سخاء قطر مع النواب الفرنسيين، وبثت قناة فرانس 2 تحقيقاً مصورا قالت فيه إن  19 نائبا فقط من بين ال 577 نائبا في الجمعية الوطنية قاموا بالإبلاغ عن مثل هذه الهدايا ومنها الدعوة لأحداث رياضية.

وبشأن فضيحة الهدايا قامت قطر منذ عام 2002 إلى عام 2013 بمضاعفة عددها لحوالي 15 نائبا من اليسار واليمين، بحسب ما كشف عنه الصحافيان كريستيان شينو وجورج مالبرونو في كتابهما “أمراؤنا الأعزاء جدا” قائلان: كان المال يوزع وتذاكر الطيران توزع وحتى الأحذية توزع. وهناك نائب اشتراكي من شمال فرنسا تلقى زوج أحذية راقية جدا وكان سعيدا لدرجة أنه طلب زوج أحذية جديدا من السفير الذي جاء بعده.

مؤلفة الكتاب الجديد الصحفية بيرانجار بونت، قالت لمحطة فرانس 2: إن “كتابي هو عن الطبقة السياسية الفرنسية أكثر مما هو عن قطر”. وسخرت بونت قائلة إنه لشيء مسلٍ أن تسمع اليوم فرنسيين يوضحون لك أنهم سلموا الشيك لشخص من دائرتهم لنقطة مطافئ، ولكن في واقع الأمر حدث توزيع شيكات منهجي للغاية سواء في باريس أو الدوحة عندما كانوا يذهبون إلى حمام السباحة في فنادق الدوحة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع.

كان ذلك في عهد السفير القطري محمد الكواري الذي تم تعيينه في واشنطن والذي عاد إلى أوربوا لتوه، وهو في إسبانيا حاليا. ومن خلفه في منصبه ربما يكون عكسه تقريبا، يتوارى عن الأنظار إلى حد كبير. وفي الواقع أن العلاقات بين قطر وفرنسا ترتبط دائما بالشخصيات التي تحكمهما. فعهد محمد الكواري كان عهد نيكولا ساركوزي في فرنسا وأمير أكثر نشاطا بكثير ورئيس وزراء كان مصابا بجنون العظمة إلى حد ما، وكل ذلك كان يسير على خير ما يرام. إذن كان ذلك عهد نشاط دبلوماسي واقتصادي يحيط به صخب شديد.

في فرنسا تغير الرئيس وتغير السفير، وفي قطر غيروا الأمير. ولم تتوقف العلاقة. استمر البعض في مد أيديهم. الحالة الصارخة أكثر من غيرها هي حالة Rachida Dati، وزيرة العدل السابقة، التي كانت تربطها علاقة قوية للغاية بقطر خلال مدة ولاية ساركوزي البالغة خمس سنوات.

كانت وزيرة للعدل، الآن هي نائبة أوروبية عن الدائرة السابعة لباريس، وبهذه الصفة طلبت من السفير القطري عن طريق صندوق قطري مبلغ 400 ألف يورو.

نجحت على مدى ستة أشهر في أن تدخل في روع الجميع أن هذا المبلغ من أجل إحدى الجمعيات. وقوبل طلبها بالرفض. هي تنكر ذلك ولكني بحثت عن مستند. تلقيت مكالمات هاتفية نارية منها.

تواصل بونت قائلة: وأخيرا وقعت في يدي رسالة الرفض التي أرسلها القطريون لوزيرة العدل. وهي موجهة من الصندوق السيادي القطري. يقولون لها شكرا جزيلا للفرصة الرائعة التي اقترحتموها علينا بالاستثمار في شركتكم “Alfa One Energy 2”.

ولم تحصل رشيدة داتي على سنتيم واحد من القطريين في هذا الصدد. كان طلبها مكتوبا على ورقة رسمية تحمل صفة الوزيرة والنائبة الأوربية والنائبة عن الدائرة السابعة. كل هذا الماضي تولد عنه عرفان بالجميل من بعض الناس في ذلك العهد. خلق عهد الكواري الطبقة السياسية التي يتشكل منها نواب اليوم، لا أعرف عددهم، لكن أغلبية ساحقة من نواب اليوم ذهبوا بالفعل إلى قطر، إلى حمام السباحة في فنادق في عطلة نهاية الأسبوع.

   إعفاء قطر ضريبيا!!

يوجد ازدواج ضريبي مع بعض الدول منذ 1993 وفي عهد ساركوزي امتد إلى قطر. أصبحت فرنسا جنة ضريبية بالنسبة لقطر. تخسر فرنسا 200 مليون يورو سنويا بفضل هذا القانون. اليسار لم يفعل أي شيء لإعادة الوضع إلى ما كان عليه.

وبالنسبة لدومينيك دو فيلبان رئيس الوزراء السابق، كان مقربا جدا من أمير قطر. وقد أقامت في منزله ابنة الأمير السابق مياسة شقيقة الأمير الحالي عندما كانت تدرس في جامعة باريس للعلوم السياسية. ذلك أنه كان عضوا في عدة مجالس إدارة. وعمل محامي أعمال. لم يعد محاميا وهو حاليا مستشار دون أن يتحمل عيوب وأعباء ثوب المحاماة.

قضية ألتراس نادي باريس سان جيرمان

توصل القطريون إلى عودة المشجعين المتطرفين /الألتراس/. جميع الموظفين الفنيين والمسؤولين عارضوا ذلك ومدير شرطة مكافحة التخريب في أثناء المباريات الرياضية ومدير الأمن في نادي باريس سان جيرمان بل حتى وزير الداخلية في ذلك الوقت عارضوا الفكرة.

ذهب رئيس النادي ناصر الخليفي ليقابل كل ممثلي صحافة باريس وتوصل إلى إعادة الألتراس. وتشوهت العلاقة السياسية بين فرنسا وبين قطر. لأن الثقة لم تكن موجودة. ووقعت الوزيرة المفوضة في شؤون الفرنسيين في الخارج في الفخ سنة 2014 عندما ذهبت لتوقع اتفاقية بين المدرسة الثانوية الفرنسية في الدوحة وبين فرنسا، فقد ألقى النائب العام القطري خطابا باللغة العربية أمامها والمشكلة هي أن السفارة الفرنسية لم توجد مترجم.  وقال المسؤول القطري عكس ما نصت عليه الاتفاقية تماما في وقت توقيعها أي “سنعيد تدريس الشريعة الإسلامية، سنفصل البنات عن الصبية”، أي عكس المنصوص عليه تماما.

وتصالح الطرفان في نهاية الأمر، واعتذر النائب العام، الخ … في الواقع أن الجميع قد تغيروا ولكن كل شيء استمر كما كان.

لماذا لا تتم مساءلة قطر عن الإرهاب؟

وفي ملف الإرهاب سألت قناة فرانس 2 مؤلفة الكتاب السؤال التالي: تنفي قطر بصوت عال وبعشرات البيانات أي تمويل للإرهاب ولكن الأجهزة السرية الأمريكية تواصل اتهاماتها لقطر؟ هل العلاقات المتميزة بين فرنسا وقطر تمنع فرنسا من التساؤل، ليس حول قطر ككيان، ولكن حول بعض الأمراء القطريين الأغنياء. أتذكر أنني سألت نفس السؤال لجاك لانج رئيس معهد العالم العربي وقال لي أن هذا كلام خاطئ.

وردت بونت بجواب صادم قائلة أن: جاك لانج حصل للتو على 2 مليون يورو من قطر و5 مليون من السعودية لإصلاح مشربيات نوافذ مبنى المعهد. وأنا لست حاكمة في موضوع الإرهاب ولكني خلال تحقيقي في الأشهر الأخيرة سمعت خلال الشتاء في كابول من مصادر عديدة عالية المستوى جدا عن تمويلات قطرية وسعودية لداعش التي تجند أنصارا مقابل مبالغ مالية أكبر كثيرا مما تقدمه طالبان لتنفيذ هجمات على المساجد الشيعية.

وتفسر المؤلفة صمت الحكومة الفرنسية تجاه قطر معللة ذلك بأن قطر اشترت 24 طائرة رافال من فرنسا، ومنذ عام ونصف حصلت شركة توتال على امتياز حقل نفط ضخم. لكل هذه الأسباب. رغم أن قطر دولة صغيرة جداً محصورة بين السعودية وإيران وتحاول البقاء وتدرك جيداً أنها ضعيفة. إلا أن القطريين يلعبون ورقتهم. ولديهم الكثير من المال وهم جالسون على أكثر من مائة عام من الغاز.

عنوان الكتاب: جمهورية قطر الفرنسية

تأليف: الكاتبة بيرانجار بونت

الناشر: دارFayard – فرنسا

عدد الصفحات: 358 صفحة