بات التساؤل حول الخطاب الديني، ولاسيما الإسلامي منه، تساؤلا ملحاً منذ عدة عقود، وعلى الأخص بعد تفجيرات 11 سبتبمر 2001 الإرهابية، وإن اختلفت الدوافع والأسباب من مرحلة إلى أخرى. وفي ظل ظروف عالمية وإقليمية معقدة، ومعروفة للجميع، سادت خلال الأعوام الماضية الأخيرة وما تزال سائدة، ظهرت دعوات متباينة للتعاطي مع الخطاب الإسلامي، تتراوح بين التخويف منه وربطه بالعنف تارة، وبين الخوف عليه والالتفاف حوله كطوق نجاة من الذوبان في بحور التغريب تارة أخرى. وبين هذين الطرفين الحديين في التعاطي مع المكون العقدي والديني في عمومه، كان الطابع الوسطي للمقاربة الإماراتية حول الخطاب الإسلامي.

وفي كتابه «تجديد الخطاب الديني في دولة الإمارات العربية المتحدة»، والذي نعرضه هنا بإيجاز، يؤكد الأكاديمي والكاتب الصحفي الدكتور محمد يونس، أهمية رصد وتحليل الخطاب الإسلامي في بلد اختار الجمع بين التمسك بالأصالة والسير في طريق المعاصرة، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة التي تعد نموذجاً للاعتدال والوسطية والتسامح، نموذجاً يعيش في ظله ما يزيد على 200 جنسية، من مختلف أنحاء العالم، لها خلفياتها الدينية والعرقية والثقافية المتباينة.

وكما يوضح الكتاب فإن الخطاب الديني لدولة الإمارات يقوم على الوسطية والاعتدال والتسامح، انطلاقاً من تعاليم الإسلام السمحة؛ وبموجب دستور الدولة الذي ينص في مادته السابعة على أن «الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد، والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع فيه، ولغة الاتحاد الرسمية هي اللغة العربية»، كما يكفل حرية العبادة للجميع وفقاً للمادة الثانية والثلاثين منه، ويؤكد على التسامح بموجب المادة الأربعين فيه: «يتمتع الأجانب في الاتحاد بالحقوق والحريات المقررة في المواثيق الدولية المرعية».
ويتأكد هذا التوجه المعتدل والمتسامح للخطاب الديني في الإمارات من خلال الخطاب الرسمي لقيادة الدولة، بدءاً من المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ليستمر على هذا النهج صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله. كما يتجسد هذا التوجه الوسطي للخطاب الديني الإسلامي في نهج المؤسسة الدينية الرسمية للدولة (متمثلة حالياً في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، وإلى جانبها دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، ودائرة الشؤون الإسلامية في الشارقة.. والتي تهدف من خلال خطاباتها ونشرياتها وفتاويها وسائر ممارساتها، إلى توعية وتنمية المجتمع وفق تعاليم الإسلام السمحة وإلى تقديم رسالة إسلامية وسطية.

ومن ذلك يخلص المؤلف إلى أربعة محاور تلخص الخطاب الديني الذي تنتهجه دولة الإمارات: منهجية الاعتدال والوسطية فكراً وممارسة، تعزيز ثقافة التسامح الديني في المجتمع، التنوع في تناول التراث الفقهي والفكري والحضاري، تسخير التقنيات الحديثة لخدمة الخطاب الديني التجديدي.

ويعقد المؤلف فصلا خاصاً لإبراز «مظاهر التسامح الديني في الدولة»، موضحاً ما يتمتع به المقيمون في الإمارات من حرية ممارسة شعائرهم ومعتقداتهم واحتفالاتهم الدينية على اختلافها. وتعزيزاً لهذا التوجه، يقول المؤلف، حرصت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف على «نشر فكر الاعتدال والوسطية والتسامح وبث روح الألفة والتعارف بين الناس من منطلقات الثوابت الإسلامية الثابتة، وتوجيهات القيادة الحكيمة البانية».

ويتأكد هذا التسامح على أرض الواقع في العديد من الممارسات والأعمال التي تترجمه فعلياً، ومنها حرية أتباع الأديان الأخرى في ممارسة عقائدهم الدينية، وحرص أعضاء من الحكومة والمؤسسة الدينية الرسمية في الدولة على مشاركة أصحاب الملل الأخرى احتفالاتهم بأعيادهم، كما اعتمد مجلس الوزراء «البرنامج الوطني للتسامح»، وأصدرت وزارة التربية ميثاق المعلمين للتسامح، مرتكزين في محاورهما الرئيسية على الدين الإسلامي ودستور دولة الإمارات وتاريخ المجتمع الإماراتي وقيمه والمواثيق الدولية المرعية. ومن هذه الممارسات الفعلية، أيضاً السماح لأبناء الجاليات الأجنبية بإقامة دور عباداتهم، وتخصيص مدافن لغير المسلمين كل بحسب طائفته على أرض الدولة.

وعلى ضوء ذلك يتطرق الكتاب إلى تقرير الحريات الدينية الأميركي، الذي سجل ما تتمتع به دولة الإمارات العربية من تسامح وحرية في ممارسة العقيدة الدينية، وأوضح بالحرف أن «حكومة دولة الإمارات تتبع سياسة تتسم بالتسامح تجاه الديانات غير الإسلامية».

وإلى ذلك، عملت دولة الإمارات على تجديد الخطاب الديني من خلال وسائل تقديمه، بما يلبي احتياجات الجمهور وتطلعاته، ويؤمِّن تقديم خطاب يعكس وسطية الإسلام وسماحته. وفي هذا الإطار يتعرض المؤلف بتعمق وتفصيل وافيين إلى خطبة الجمعة الموحدة وما خضعت له من تطوير وتحسين، والعناية الفائقة بالدروس الدينية.. كوسيلتين مباشرتين لإيصال الخطاب الديني. كما يتوقف عند وسائل أخرى غير مباشرة؛ مثل الكتب والمطبوعات الدينية، والمركز الرسمي للإفتاء، ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، وتأهيل المساجد ورعايتها، وإنشاء مركز الموطأ، وتأسيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، ومجلس حكماء المسلمين.

ويخصص المؤلف فصلا خاصاً لقضايا الخطاب الديني في دولة الإمارات، وفيه يستعرض نتائج الدراسة التحليلية التي أجراها لخطب الجمعة الموحدة التي أُلقيت في مساجد الدولة خلال عامي 2009 و2010، ويوضح أن هذه الخطب تناولت موضوعات تتعلق بالعقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والقرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة النبوية والعلم والتعليم والمناسبات الدينية والوطنية ورعاية بيوت الله.. مما يؤكد الحرص على تقديم خطاب ديني ثري يعكس غنى الدين الإسلامي نفسه وشموليته وملاءمته لاحتياجات الإنسان وتطلعاته، وعلى عرض رؤية الدين الحنيف لعلاج العديد من القضايا المثارة على الساحة حالياً، وهذا جانب أساسي في عملية تجديد الخطاب الديني.

محمد ولد المنى

الكتاب: تجديد الخطاب الديني في دولة الإمارات العربية المتحدة

المؤلف: د. محمد يونس

الناشر: دار هماليل للطباعة والنشر والتوزيع

تاريخ النشر: 2017

نقلاً عن جريدة الاتحاد الإماراتية

تاريخ النشر: الجمعة 07 أبريل 2017