ميكافيلية الفساد

يناقش هذا الكتاب ديناميات السياسة الداخلية في إيران منذ العهد الصفوي حتى الآن، وما شهدته البلاد من فساد سياسي وإداري قاد في طبيعة الحال إلى فساد اقتصادي ومالي وأخلاقي تسبب في سقوط أنظمة حاكمة، فعلى مدى العقود العابرة، بزغت بلاد فارس أو إيران كدولة دينية سياسية تتبنى نهج الإسلام السياسي الشيعي، ثم تحولت في العهد البهلوي إلى دولة علمانية أزاحت هيمنة رجال الدين الشيعة في الحكومة والمجتمع، لتعاود الكرة مرة أخرى بعد نجاح الثورة عام 1979 إلى دولة دينية ذات تركيز كبير على الأيديولوجيات القومية المعادية للإمبريالية.

وفي دراسة أسباب سقوط الأنظمة التي حكمت إيران منذ العهد الصفوي وطوال هذه الفترة وحتى يومنا هذا؛ شهدت إيران نقلات وتغيرات متناقضة في العالم السياسي والاقتصادي عاكست طنين الشعارات التي رفعت إبان ثورة عام 1979، وأصبح واقع الحال نموذجا نقيضا لما بنيت عليه أساسات الثورة وما وعد به رجال الدين، حيث تبنى النظام الإيراني نهجا اقتصاديا لا يتناسب مع تحكم وسيطرة الدولة بالقوة على القطاعات الاقتصادية، نتج عن ذلك بروز ظاهرة الفساد التي سرعان ما تحولت إلى ثقافة عامة تم السكوت عنها حتى تجذرت ووصلت إلى درجة تعذر معها السيطرة عليها، وفي عام 2005 فاز المرشح عن التيار المتشدد محمود أحمدي نجاد على أساس برنامج انتخابي يقوم بشكل أساسي على مكافحة الفقر والفساد، إلا أن الفقر والفساد بكافة أنواعه استشرى دون حدود في الحكومة الإيرانية في عهد نجاد، وبقيت صور الفساد تحت غطاء نسجته أجهزة النظام الأمنية وتكتم عنها المسؤولون وابتعدت وسائل الإعلام عن الخوض فيها، حتى تسلم الرئيس المعتدل المدعوم إصلاحيا زمام الأمور لتبدأ عملية تراشق الاتهامات بين التيارات السياسية المتنازعة تزيح الستار عن حجم الفساد الاقتصادي بتبني نهج تشويه صورة الغير بكشف فضائح فساد في حقه، وقد أظهرت ملفات كشف الفساد في عهد روحاني أن كل التيارات السياسية والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والعسكرية متورطة في قضايا فساد ضخمة فاقت مئات المليارات من الدولارات.

ولكل حكم مستبد حزمة من الطرق الميكافيلية التي ينتهجها لتثبيت سيطرته وتأمين دائرة دعمه وحمايته، أبرزها شراء الولاءات كأبرز طرق حماية الأنظمة والسلطات غير الشرعية، وسرعان ما يبدأ أي حكم أو نظام فاقد لقاعدة شعبية وصفة شرعية تدعمه فور تسلمه زمام الأمور عن طريق انقلاب عسكري أو ركوب ثورة شعبية وسرقتها، بالبدء بمنح الهدايا والأموال وتقديم المناصب والصلاحيات لعدد من المقربين وأصحاب النفوذ لضمان وجود حلقة تدعم الحكم وتقضي على المعارضة، ما يفسح الطريق لتفشي الفساد بكافة أشكاله.

في هذا الكتاب نسلط الأضواء بشكل موضوعي على ملفات الفساد التي شهدتها إيران خاصة بعد عام 1979 في ظل نظام الحكم الديني الحالي، مع الخوض في الأسباب التي خلفت هذا الحجم من الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي، وما تركه الفساد من تداعيات وانعكاسات على الصعيد الاقتصادي والتنموي وأبعاده الاجتماعية على ثقافة المجتمع والحياة المعيشية للمواطن، مع الحرص على ذكر ردود الأفعال الداخلية والخارجية وانتقادات المنظمات الدولية وتصنيفها للحكومة الإيرانية من حيث انتشار الفساد وغياب الشفافية، ويمكن وصف هذا الكتاب على أنه رؤية حقيقية بعين واقعية للداخل الإيراني الحقيقي.

وقد تحول الفساد في إيران بكافة أنواعه إلى ثقافة عامة، ما يعني صعوبة معالجته أو الحد منه، فالرشاوي أصبحت قاعدة شعبية يتقبلها الجميع، والفساد الأخلاقي أصبح جزءا من عقيدة الشيعة، وانتشار المخدرات والجرائم نتيجة حتمية لارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

وقد تسبب كثرة انتشار الفساد في إيران بزيادة عدم ثقة أطياف المجتمع الإيراني بالنظام، ويؤكد ذلك الأستاذ الجامعي حجت الإسلام ناصر رفيعي، ويقول حول الفساد الاقتصادي: إن هناك بعض المسؤولين في الدولة ضالعين بقضايا فساد اقتصادي، وأصبحنا نرى تداولا كبيرا لقضايا الفساد في المرحلة الأخيرة عبر الوسائل الإعلامية، وهذه القضايا زادت من عدم ثقة أطياف المجتمع الإيراني وخاصة الشباب بالنظام، وأضاف: لماذا يستطيع البعض أخذ قروض بالمليارات بينما قروض زواج الشباب يتم تأخيرها بحجة عدم وجود أموال؟

ويعتبر الفساد ثاني أكبر معوقات تحسن الاقتصاد الإيراني بعد الركود، ويؤكد ذلك رئيس غرفة تجارة وصناعة ومعادن إيران “غلامحسين شافعي” الذي صرح أن الاقتصاد الإيراني يعاني من مشكلتين رئيسيتين هما: الفساد والركود، ويجب محاربة جذور الفساد بكل الطرق، ويرجع الخبراء سبب تفشي الفساد إلى عدم الانضباط المالي وسيطرة الحرس الثوري على غالبية القطاعات الاقتصادية، وعدم تبني رؤية جادة في مكافحة الفساد، وكذلك ضلوع عدد كبير من رموز الدولة بقضايا فساد ضخمة، إضافة إلى أن الفساد الإداري والمالي تحول إلى وسيلة لدى النظام لشراء الولاء وكذلك إلى ثقافة عامة في إيران، لذا أصبح من الصعب السيطرة عليه، إلا أنه وصل إلى درجة أن بعض المتابعين قد حذروا من خطورة الفساد على النظام الإيراني، وهو ما نبه إليه الكاتب والمحلل السياسي شهريار كيا، الذي أكد أن عجز السلطات الإيرانية عن مواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها نتيجة فساد متأصل في بنية النظام الإيراني، مؤكدا أن الاتفاق النووي لا يمكنه معالجة هذه الأزمة التي تهدد بسقوط النظام، مشيرا إلى أن الجهة الوحيدة التي استفادت إلى حد كبير من الثروة الاقتصادية الناجمة عن رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة، هي النخبة الحاكمة في النظام الإيراني والحرس الثوري.

ويعمل النظام الإيراني على التعتيم على قضايا الفساد التي أصبحت ككرة الثلج، نظرا لخطورة الكشف عنها، وخاصة بعد أن أصابت رموز هامة في الدولة، ويلاحق حاليا كل من يعمل على توسيع موضوع الكشف عن الفساد، وقد لاحظنا ذلك عندما قامت عناصر من الشرطة الإيرانية في وقت متأخر من الليل بمحاصرة منزل النائب محمود صادقي لاعتقاله بأمر من السلطة القضائية، بسبب اتهامه رئيس الهيئة القضائية وأحد أبرز رجال الدين “صادق لاريجاني” بالفساد المالي، مطالبا بكشف عن أرصدته في المصارف الإيرانية، وأكد صادقي أنه علم بوجود 63 حسابا مصرفيا باسم صادق لاريجاني تذهب إليها كفالات المعتقلين والسجناء ممن يتم إطلاق سراحهم، ما يعد فسادا إداريا وماليا في آن واحد.

وكان لتورط رئيس السلطة القضائية “صادق لاريجاني” في ملفات الفساد ردود أفعال خطيرة، عبر عنها الناشط السياسي الدكتور محمد ملكي، وهو أول رئيس منتخب لجامعة طهران بعد الثورة الإيرانية عام 1979، حيث أكد بعد الكشف عن قضية فساد لاريجاني أن النظام الإيراني يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأنه آيل للسقوط بسبب الأزمات العديدة التي يواجهها، وقال ملكي إن هناك عدة قضايا داخلية كملف فساد رئيس السلطة القضائية الإيرانية “صادق آملي لاريجاني” وقضية قارئ القرآن في بيت المرشد الإيراني المتهم باغتصاب الأطفال، وقضية المدعي العام السابق القاضي سعيد مرتضوي المتهم باختلاس المليارات من صندوق التأمينات، وغيرها من ملفات الفساد كلها مرتبطة ببعضها، وتوحي بتفكك النظام، كما أكد ملكي أن المرشد الإيراني علي خامنئي متورط بقضايا الفساد هذه، وأن الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية والأزمات والمشاكل تزداد في إيران يوما بعد يوم.

والغريب أن ملكي هاجم النظام بشدة، وهو موجود في طهران ولكنه ممنوع من السفر، وقال خلال مقابلة مع تلفزيون “در تي في” التابع للمعارضة، من منزله في طهران: إن الفساد بات اليوم متفشيا في أعلى هرم النظام، بالإشارة إلى فضيحة فساد رئيس السلطة القضائية الإيرانية المتورط بامتلاك 63 حسابا فيها ما يزيد عن 310 ملايين دولار أميركي وآخرون يؤكدون أن قيمة أرصدته بلغت مليار دولار، وهذه المبالغ حولت لحساباته من قيمة الكفالات المالية، التي يدفعها المتهمون في المحاكم، وطالب رئيس كتلة الشفافية الاقتصادية في مجلس النواب الإيراني “محمود صادقي” بفتح ملف تحقيق حول تورط رئيس وبعض مسؤولي السلطة القضائية في ملف فساد اقتصادي كبير.

ومن قضايا الفساد التي تم الكشف عنها مؤخرا، قضية فساد في الفريق الإيراني للسيدات، حيث قرر الاتحاد الإيراني لكرة القدم حل هذا الفريق بعد كشف سرقة مليار تومان (30 ألف دولار) من الحساب البنكي للفريق.

وتتزايد وبشكل يومي ملفات الكشف عن الفساد، ومن غير الممكن إحصاؤها أو التطرق إليها بالتفصيل في هذا الكتاب لكثرتها وكثرة المتورطين فيها، كما أنه من المؤكد أن الملفات التي تم الكشف عنها هي جزء بسيط من حجم الفساد المنتشر في إيران، وخاصة أنها تحولت بعد استلام روحاني الحكم إلى منجنيق لتراشق التهم بين التيار المعتدل والإصلاحي من جهة، والتيار المتشدد والحرس الثوري من جهة أخرى، وهو ما يفسر زيادة الكشف عن الفساد، إلا أن قضايا الفساد المتورط فيها خامنئي ورموز الدولة وقيادات الحرس الثوري فإنها تعتبر خطا أحمرا لا يجرؤ أحد على الكشف عنها، وكذلك فإنه عادة ما يكون الكشف عنها بأدلة أمرا صعبا لسريتها وعدم اطلاع الكثير عليها.

وباعتراف عدد من المسؤولين الإيرانيين بأن الفساد أصبح متجذرا في مؤسسات الدولة، فإنه أصبح خارجا عن السيطرة، ولا يمكن معالجته، وهو ما أكده نائب طهران السابق في مجلس الشورى الإيراني “علي رضا زاكاني” الذي قال إن الفساد المالي في إيران قد خرج عن السيطرة، مضيفا أن المسؤولين الإيرانيين الذين لهم أرصدة عالية من الأموال، لم يحصلوا عليها بطرق سليمة، كما أكد أحمد توكلي أن الفساد في إيران أصبح منظما، ويحظى بدعم وحماية من داخل السلطة.

ومازال عدد من قضايا الفساد يثير ردودا وانتقادات في وسائل الإعلام الإيرانية، مثل قضية اختلاس مبالغ ضخمة تقدر بــ 8000 مليار تومان من صندوق التربويين للادخار وكذلك قضية الرواتب الفلكية التي يتقاضاها عدد من مسؤولي الحكومة، وقضية فساد رئيس السلطة القضائية، وقضية فساد بلدية طهران المتهم مسؤوليها بتوزيع أراض على بعض المسؤولين، وقضية شهرام جزائري، وقضية محمد رضا رحيمي، وملف بابك زنجاني، وقضية “شانديز” و”كريسنت”، وقضية 7 آلاف مليار تومان معوقات بنك الاستثمار غير القابلة للاسترداد، واختلاس 1200 مليار تومان من البنك الوطني، وغيرها الكثير من قضايا الفساد التي مازالت ساخنة في وسائل الإعلام الإيرانية.

يمكنكم الحصول على هذا الكتاب من المتجر الإلكتروني لمركز المزماة عبر الرابط التالي:

الفساد في إيران أسباب وتداعيات

تأليف: إبراهيم المقدادي

تقديم: د. سالم حميد

إصدار: مركز المزماة للدراسات والبحوث

سنة الإصدار 2017