ليس من فرق من ناحية العمل التطبيقي الظاهري والولاء المعلن بين روحاني ورئيسي في الفترة الحالية في طريقهما نحو المنصب التشريفي لرئاسة الجمهورية، غير أن ما يكنه روحاني يختلف كثيرا عما يكنه رئيسي، وما يخفيه الأول تحت عمامته كثير من الحقد والنوايا المبيتة التي يطمح تياره من ورائها في السيطرة على منصب المرشد أو على الأقل إضعاف منصب المرشد وتخفيض سيطرة الحرس الثوري على شؤون البلاد وتعزيز صلاحيات منصب “رئيس الجمهورية” وإعادة الدور للجيش الإيراني الذي نجح بالفعل الحرس الثوري بتهميشه وإضعافه.

قلق متبادل بين الإصلاحيين والمحافظين

لا شك أن الأسابيع التي تفصلنا عن خوض الانتخابات تعتبر الأصعب بالنسبة للنظام الإيراني الذي يخشى أن يحدث أمر لا يستطيع السيطرة عليه كاندلاع احتجاجات أو التفاف تيارات سياسية وعسكرية عليه أو البدء بحالة عصيان سياسي ومدني، المهم أن التخوف والقلق ستؤرق مضاجع الحرس الثوري والنظام الإيراني والتيار المتشدد في هذه الأيام المقبلة، وكما هو ظاهر فإن روحاني يظهر ميله لسياسة النظام في فترة الصراع الانتخابي تخوفا أيضا من سخط المرشد وغضب الحرس الثوري، وأشارت مكالمته الهاتفية مع بشار الأسد فور ضرب مطار الشعيرات وتأكيده وقوف إيران لجانبه إلى سعي روحاني لمداراة خامنئي والتيار المتشدد تجنبا لغضبهم قبل الانتخابات، في حين تؤكد مواقف وسلوك وتصريحات روحاني على وجود نوايا تهدف إلى الخلاص من منصب المرشد أو تقليص صلاحياته بهدف محاصصة الحزب المتشدد في الهيمنة على البلاد والمناصب المؤثرة.

رئيسي الرئيس أم المرشد؟

رئيسي لا يختلف عن نجاد في إدارة البلاد مطلقا كرئيس للجمهورية، ومقرب من خامنئي ويسعى تياره المتشدد بالتعاون مع الحرس الثوري إلى إبرازه وتحسين صورته أمام الرأي العام بغية إعداده لمنصب المرشد بعد رحيل خامنئي، فهو رمز متشدد كان يعمل بالخفاء ويسير على نفس خطى خامنئي، ومن توجهاته الظاهرة العمل على إحكام سلطة التيار المحافظ والحرس الثوري بشكل أكبر على شؤون البلاد، ولا شك أن رئيسي يرغب في مزيد من التدخلات الإيرانية في المنطقة، ويغلب عليه طابع تصفية الأمور وحل المشاكل والأزمات بالقوة والقبضة الحديدية، ويعمل مع نجل المرشد “مجتبى” بسرية في إدارة البلاد من خلف الأبواب المغلقة، ويعتبر وصول أحد الإثنين إلى منصب المرشد بأن كلا الاثنين يعملان بصلاحيات المرشد ولكن بلسان أحدهما.

ووصول رئيسي لكرسي الرئاسة يعني نجاح الخطوة الأولى في وصوله إلى كرسي المرشد، ويعني أيضا توجه البلاد إلى مزيد من التشدد وتطابق الرؤى المتطرفة بين السلطات الثلاث دون عناء، واتساع الفجوة بين النظام والمواطن، ومزيد من تدهور الأوضاع في كافة المجالات، مع ارتفاع احتمالية توجيه ضربة عسكرية للمنشآت الحساسة في إيران، وأيضا زيادة احتمالية تحرك مسلح داخلي ضد النظام ما يستدعي التورط في مزيد من أعمال قمعية وانتهاكا لحقوق الإنسان ورفضا للقرارات الدولية.

التحديات أمام روحاني

أما روحاني ورغم فشله في دورته الأولى في تثبييت قاعدته الشعبية، وحسب استطلاعات الرأي فإن شعبيته قد تراجعت كثيرا، غير أن ما يجب توضيحه أن خسارته لقاعدته الشعبية لم تكن مكسبا للتيار المحافظ، بل ما فقده من شعبية يشير إلى يأس الشعوب الإيرانية من سياسات الحكومة والنظام بشكل عام، وعدم رغبتها في تأييد أي تيار سياسي ليقينها بأن جميع التيارات هي عبارة عن ألاعيب بيد المرشد، ولا تجرؤ على تخطي الخطوط الحمراء التي رسمها خامنئي بقلم الحرس الثوري وأجهزته الأمنية.

ونجاح روحاني في محافظته على كرسي الرئاسة لدورة ثانية يعني مزيد من الانقسامات بين الحكومة والنظام، بحيث تتجه البلاد إلى مثلث أقطاب متناقض رؤوسه النظام والحكومة والشعوب، وارتفاع حدة الصراع بين الأصوليين والمحافظين سيزيد من عمق الأزمات والمشاكل وتعطل مسيرة الحياة الإنتاجية، ما يتطلب من الشعوب التحرك لإحراز أي تغيير قد يجلب أي تحسن على حياة المواطن.

التزوير أم الانسحاب؟

خلاصة القول أن ترشح إبراهيم رئيسي جاء بتخطيط من الحرس الثوري وكان بمثابة مغامرة كونه يستعد لمكانة المرشد أعلى سلطة في إيران، وترشحه يعني أن الحرس الثوري سيضمن إحرازه غالبية الأصوات، وهذا لن يكون إذا ترك الأمر دون تزوير للانتخابات، وفي حين تبين أن لا مجال في التزوير ولا يمكن ضمان النتيجة لصالح رئيسي تخوفا من ردة فعل فريق روحاني ومؤيديه، فإن رئيسي سينسحب قبل التصويت للحفاظ على ماء الوجه وإبقاء الأمل في توليه منصب المرشد، وترك المواجهة المصيرية بين روحاني وقاليباف، بمعنى أن فوز رئيسي لن يكون إلا بتزوير الانتخابات لعدة أسباب أهمها: ضعفه في الإدارة التنفيذية والأمور السياسية والدبلوماسية، وفقدانه للقاعدة الشعبية، وسمعته غير الجيدة في الأوساط الشعبية باعتباره أحد أعضاء لجنة الموت التي ارتكبت مجزرة عام 1988 وعدد آخر من الجنايات في حق الشعوب الإيرانية، وتأييده للتدخل الإيراني الدموي في صراعات المنطقة، ووجود جبهة من الرموز السياسية التي لا ترغب بأن يتقلد رئيسي منصبا نافذا في البلاد.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

24 أبريل 2017