اللوبي الإيراني في خدمة أهداف طهران الطائفية

تتسابق فئات ومكونات المجتمع الأميركي على إحداث تأثير داخل أروقة صناعة القرار، وتأتي الولايات المتحدة الأميركية على قائمة الدول التي تحوي جماعات ضغط متعددة الانتماءات والهويات؛ تعمل بهدف نيل مكاسب اقتصادية وسياسية وعسكرية لبلدانها الأصلية أو لطوائفها وجالياتها، إلى جانب اجتذاب تأييد البيت الأبيض وتجنب عقوبات وغضب أميركا؛ التي تعتبر شئنا أم أبينا قوة عظمى، تقود العالم، وتؤثر في مجريات السياسة الدولية، وتتحكم في مصير العلاقات الاستراتيجية ومستقبل التحالفات والكيانات الاقتصادية والتكتلات الكبرى.

وقد استقر منذ عقود في الوعي السياسي لدى العامة ولدى غالبية النخبة في عالمنا العربي؛ أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية هو الأكثر هيمنة وتداولاً على ألسنة المحللين، وبالذات عند التيار الذي يفضل تفسير كل الأحداث استناداً إلى إيمانه المطلق بنظرية المؤامرة. ويبدو أن التداعيات السياسية العالمية تعزز في مجملها نظرية المؤامرة، بالقياس إلى تسلسل الأحداث والوقائع من حولنا، بحيث يصعب انتقادها أو السخرية من معتنقيها، لأن التآمر يهيمن بشدة على مجريات وأداءات السياسة الدولية، ويتحكم في المواقف والقرارات الأممية التي يتلاعب بها الكبار وفقاً لحسابات مدروسة. ولا شك أن بعض تلك الحسابات تتعلق بإرضاء جماعات الضغط المتعددة، وبخاصة في المواسم الانتخابية التي تدفع الساسة الغربيين إلى بيع مواقفهم مقدماً لضمان حصد أصوات أقليات ومجموعات بعينها.

وكانت ردود الفعل العقلانية تجاه اللوبي الصهيوني تتجه دائماً إلى المطالبة بإيجاد جماعة ضغط عربية موازية في أميركا. ورغم كثافة أعداد العرب المقيمين في الولايات المتحدة إلا أن هذا الأمر لم يتحقق. وكنا نأمل أن يأتي اليوم الذي نتحدث فيه عن تأثير الجالية العربية في الولايات المتحدة على صناعة القرار وتوجيه مواقف البيت الأبيض تجاه القضايا التي تخص الشرق الأوسط بشكل إيجابي، وبما يكفل دعم السلام والاستقرار في منطقتنا. لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

ونظراً لأن موضوع جماعات الضغط له تأثير مهم وخطير للغاية على تشكيل الموقف السياسي الأميركي من الأحداث المختلفة، ارتأينا في مركز المزماة للدراسات والبحوث نشر هذه الدراسة التي تتناول موضوع جماعات الضغط الإيرانية في أميركا، انطلاقاً من تتبع جذورها ومستوى حضورها وحدود تأثيرها لدى صناع القرار في الولايات المتحدة الأميركية.

ولا شك أن هذا الموضوع المهم للغاية يكشف لنا الكثير من الحقائق، ولعل أبرزها يتمثل في تمظهرات النهج الطائفي الذي يقوم عليه النظام الإيراني وانعكاسه على تحركات إيران الخارجية، مما يسقط عن طهران تمسحها بالإسلاموية مقابل سعيها المحموم لخلط الأوراق في المنطقة، والاستقواء بتفاهمات إيرانية غربية معلنة وأخرى غير معلنة لتسهيل وشرعنة التدخل الإيراني في العراق وسوريا وأماكن أخرى، بالإضافة إلى محاولات كسب الوقت لبناء مشروع إيران النووي المشبوه. ولنا أن نتخيل حجم تأثير جماعات الضغط الإيرانية إذا ما علمنا أن أحد أشهر أعضاء اللوبي الإيراني قام بزيارة البيت الأبيض في عهد الرئيس باراك أوباما 33 مرة، التقى خلالها كبار موظفي إدارة أوباما طبقاً لسجل زوار البيت الأبيض.

وبالعودة إلى محاور هذه الدراسة الاستثنائية التي يقدمها مركز المزماة للدراسات والبحوث إلى القراء والباحثين العرب، فقد استهل الباحث بتأكيد أهمية دراسته من خلال التنويه إلى افتقار الأدبيات العربية إلى أبحاث وتحليلات تكشف عن استثمار نظام طهران لمجتمع الأميركيين الإيرانيين في تشكيل لوبي ينشط في مؤسسات السياسة الأميركية.

ولعل زاوية النظر الأكثر إلحاحاً التي تفرض نفسها في إطار تأمل موضوع جماعات الضغط في السياسة الأميركية – سواء كانت صهيونية أو إيرانية – هي تلك التي ترتبط بتقييم المبادئ والأخلاق في النهج السياسي لبلاد العم سام، ومدى تناقض المواقف والانحيازات الأميركية مع التطبيل الغربي على كافة المستويات للحداثة والعدالة وحقوق الإنسان والحكم الرشيد والشفافية. بينما يمثل رفع الإدارة الأميركية للعقوبات عن طهران دعماً مباشراً لنظام طائفي متطرف، يتباهى قادته بتحريضهم على نشر الفوضى والطائفية والكراهية في العالم الإسلامي، في ظل عدم كبح برنامج طهران السياسي الخارجي المتمثل في تصدير الثورة الإيرانية وغزو المنطقة بالفكر المذهبي الانقسامي المدمر.

إن وجود جماعات ضغط مهما كان تأثيرها وتوغلها في مؤسسات صنع القرار الأميركي، لا يبرر للولايات المتحدة وللعالم الغربي التناقض مع قيم الحداثة والسير في اتجاه دعم ومساندة قوى التخلف والطائفية. والحال كذلك ينطبق على التعاطف الغربي غير المبرر حضارياً وثقافياً مع الجماعات الإسلاموية. وبالطبع فإن النظام الإيراني يرتكز في بنيانه ونظرياته على الاستعارة من جماعات دينية سبقته في التشدد والتنظير لطموح التمكين، وبالتالي تزداد مساحة التساؤلات بقدر المعلومات التي يقدمها الكتاب الذي بين أيدينا عن حجم وطبيعة اللوبي الإيراني في أميركا.

ونظراً لفرادة هذه الدراسة وتدشينها مدخلاً جديداً لمقاربة أحد أذرع النظام الإيراني، المتمثلة في جماعات الضغط التي تتحرك لخدمته خارج حدوده، فقد أحسن الباحث عندما استبق الفصول الثلاثة للدراسة بتقديم إطار مفاهيمي لتعريف جماعات المصالح والضغط، بالإضافة إلى تأصيل المفاهيم المجاورة لجماعات الضغط والمرتبطة بها، مثل صناعة القرار السياسي ومراكز التأثير ومسميات الكيانات المنظمة للأميركيين الإيرانيين.

فيما تناولت فصول الدراسة على التوالي؛ جماعات الضغط ومؤسسات صنع السياسة في أميركا، وأثر تلك الجماعات على صُنع القرار الأميركي. وفي موضوع الأميركيين الإيرانيين تناولت الدراسة نشأة وديمغرافيا هذه الشريحة وتأثيرها في الحياة الأميركية، وصولاً إلى صعود جماعات الضغط المنظمة التي تعبر عنها.

بينما تناول الفصل الأخير جماعات الضغط الإيرانية بين مواطن التمركز وحدود التأثير. واستشهد الباحث في سياق قراءة حدود تأثير قوى الضغط الإيراني بمجموعة قضايا ركزت عليها جماعات الضغط، واستنتج نجاحاً ملحوظاً للوبي الإيراني في الحد من توجيه ضربة عسكرية لطهران، إلى جانب خلق أصوات معارضة لفكرة العقوبات الاقتصادية وعدم جدواها. كما استغلت طهران تمدد “داعش” في العراق لتقديم نفسها كمنقذ ومحفز للفصائل الشيعية على محاربة التنظيم. وفي الموضوع السوري لعبت جماعات الضغط الإيرانية دوراً في التأكيد على محورية إيران في الساحة السورية. وبشأن المشروع النووي لإيران كان دور جماعات الضغط بحسب الدراسة يتركز في الدفع باتجاه نقل الخلاف مع الغرب إلى طاولة الحوار الدبلوماسي، ومن ثم الضغط لتمرير الاتفاق النووي في الكونجرس الأميركي، وهذا ما تم بالفعل.

ومن بين قائمة طويلة من الاستخلاصات والنتائج التي تضمنت كذلك تلخيصاً مكثفاً لمحتوى الدراسة؛ وضع المؤلف استنتاجات لافتة للاهتمام، من بينها:تراجع المكون الديني أمام المكون القومي بالنسبة للأميركيين الإيرانيين. وأن الإدارات الديمقراطية كانت أكثر استيعاباً من الإدارات الجمهورية لعناصر من أصل إيراني تمارس الضغط بشأن تطبيع العلاقات مع طهران.

من الغريب في هذا السياق أن يلعب اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة دوراً مباشراً في حماية النظام الإيراني المتطرف، بل وإضفاء مشروعية دولية عليه، رغم أن ذلك النظام دشن ولادته بحادثة اقتحام السفارة الأميركية في طهران، واحتجاز أكثر من 50 أميركياً من العاملين في السفارة كرهائن لمدة 444 يوماً.

وختاماً نذهب مع الكاتب الذي يتمنى أن تمنح هذه الدراسة العبرة للأميركيين العرب في كيفية خلق لوبي للدفاع عن المصالح العربية بين أروقة السياسة الأميركية، وبخاصة أن العرب في أميركا يمتلكون من مقومات الصعود والنجاح ما يتفوق على مقومات الأميركيين الإيرانيين، من حيث الإمكانات البشرية والمادية واعتبارات القومية فضلاً عن القضية العادلة، إلى جانب أهمية الاستفادة من حقيقة أن جماعات الضغط بشكل عام أصبحت جزءاً من آليات عمل النظام الأميركي، في ظل تمكين البنية القانونية في أميركا لجماعات الضغط من ممارسة تأثيرها على صُناع القرار السياسي لتحقيق أهدافها.

يمكنكم الحصول على هذا الكتاب من المتجر الإلكتروني لمركز المزماة عبر الرابط التالي:

جماعات الضغط الإيرانية في أميركا الجذور الحضور وحدود التأثير

تأليف: محمد محمود مهدي

تقديم د. سالم حميد

إصدار مركز المزماة للدراسات والبحوث

سنة الإصدار 2017