كشف تتابع الأحداث وما تزامن معها من تحليلات واستنتاجات امتدت منذ عام 2005 عندما تقلد نجاد الرئاسة للمرة الأولى ومرورا بتنصيبه رئيسا لولاية ثانية عام 2009 في انتخابات تمت هندستها وتزويرها واندلع على إثرها احتجاجات عمت البلاد وكادت أن تضع نقطة لعمر النظام، إن النظام الإيراني المتمثل ببيت خامنئي والحرس الثوري على اعتبار أن الحرس الثوري نافذ في كافة مؤسسات الدولة، قد استخدموا المتشدد محمود أحمدي نجاد كأداة يمكن تسميتها بوقا يتنطع لمصلحة النظام كونه يجيد التهديد والوعيد.

بعد سقوط النظام العراقي السابق، والذي كان بمثابة لجام لأفواه قادة النظام في طهران، الذين تغنوا بسقوط نظام بغداد وساهموا كثيرا مع الولايات المتحدة وإسرائيل في إسقاطه، وما لبثوا بعد السقوط أن خرجوا من جحورهم ليطلقوا العنان لألسنتهم بالتبجح ويرخوا الحبال الأرسن لقواتهم بالتمادي والتدخل هنا وهناك في المنطقة دون مراعاة لأدنى حقوق الجوار أو شعوب المنطقة أو القوانين الدولية والقرارات الأممية.

في ذلك الوقت كان الإصلاحي خاتمي المرتبك في قيادة وإدارة البلاد بفعل تدخلات وأنشطة رجالات خامنئي والحرس الثوري التي حدت من صلاحياته وأفشلت جهوده في الانفتاح على العالم الخارجي، وغير مرغوب فيه من قبل النظام لعدم مطابقة فكره تماما مع فكر الثورة الإيرانية المتحجر، فكان لابد من الإتيان بشخصية تعمل كبوق وتطلق التهديدات النارية ضد أميركا وإسرائيل باعتبارهما أعداء الأمة العربية والإسلامية، والغرض من ذلك إحراف الرأي العام المحلي والعالمي عن الأنشطة السرية للنظام الإيراني في الدول العربية، وخداع العقول من خلال أسلمة وتبييض وشرعنة تحركات النظام الإيراني وحرسه الثوري المدمرة لمكتسبات الدول العربية.

وبالفعل تمت هندسة الانتخابات لفوز نجاد لاستخدامه كبوق يتماشى مع مخطط النظام ويساعد على خداع العقول في التمثيل بأن النشاط الإيراني في المنطقة هدفه مقارعة الاستكبار ونصرة الشعوب المظلومة، وكان لابد من إعادة تنصيبه مرة أخرى عام 2009 تخوفا من فكر الإصلاحي موسوي الهادف إلى إيجاد قاعدة للتغيير تشمل سياسات البلاد الداخلية والخارجية، وبالطبع محورها الرئيسي الانفتاح على العالم الخارجي وتخفيض التدخلات الإيرانية في المنطقة بهدف الإنفاق على تنمية الداخل بدل هدر الأموال على مشاريع تدميرية خارجية، أما نجاد فإنه مواكب لأفكار النظام ولا يهمه سوى المنصب والشهرة، ليتفق هدفه تماما مع تطلعات النظام في إطلاق التهديدات النارية منها حذف إسرائيل عن خارطة الوجود والتي لم يترجم منها ولو حرف واحد على أرض الواقع.

لقد استخدم النظام الإيراني نجاد لتخويف القوى الغربية من تهوره وجنونه في احتمالية جر المنطقة إلى حرب غير مسببة، وأيضا في خداع عقول الشعوب الإيرانية والعربية بوجود عداء واقعي بين الجمهورية الإيرانية التي تقود المقاومة وبين قوى الاستكبار والظلم، وبعد انكشاف حقيقة نجاد في الداخل والخارج وخاصة بعد الكشف عن ملفات فساد كبرى حدثت في حكومته من أقرب المقربين إليه أمثال بقائي ورحيمي، وأصبحت تهديداته محطة لسخرية الشعوب العربية، أصبح نجاد في نظر النظام منتهي الصلاحية، وبالفعل صدر قرار مجلس صيانة الدستور برفض أهلية نجاد واعتباره فاقدا لأهلية رئاسة البلاد بعد أن كان رئيسا لدورتين استمرتا 8 سنوات.

أوصى بداية خامنئي نجاد بعدم الترشح، وكان ذلك تخوفا من حالة الإدمان التي أصابت نجاد المستميت على الشهرة والصيت، وقد وصل إدمانه إلى حد أنه ربما قد يرفض أوامر أسياده ومن أوصلوه إلى سدة الحكم، والنظام الإيراني الذي بدأ يتوجه نحو الخضوع للغرب لا يريد شخصية تأجج الأجواء وتعطي القوى الدولية ذريعة محاصرة إيران وفرض عقوبات جديدة قد تؤدي إلى انهيار شامل في أركان الدولة، فكان لابد من إقصاء نجاد وترتيب مرحلة جديدة من مراحل الاستمرار وتجهيز بديل عن المرشد باستغلال الانتخابات لتلميع صورة المقترح الأول لتولي منصب المرشد بعد خامنئي وهو إبراهيم رئيسي سادن ما يعرف بالعتبة الرضوية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

25 أبريل 2017