في قراءة لما جاء في كلمة المرشد الإيراني علي خامنئي يوم أمس أمام حشد من خريجي جامعة الإمام الحسين التابعة للحرس الثوري، وبحضور القادة العسكريين المتنافسين على إرضاء خامنئي، نستشف بعض الحقائق التي كتب عنها الكتاب وكشف عنها الخبراء والمتابعون، وأهمها وجود قلق شديد في أروقة الحرس الثوري وبيت خامنئي تؤرق أحوالهم وتقض مضاجعهم، مصادره داخليا وخارجيا، ولكن السؤال المطروح هنا: لماذا هذا القلق وما طبيعته ومصادره الحقيقية؟

بداية تم تحديد طبيعة الخوف والقلق صراحة وعلى لسان أعلى سلطة في إيران علي خامنئي بوجود تخوف من احتمالية خروج مظاهرات واحتجاحات والتي أسماها خامنئي بمحاولات البعض لزعزعة أمن الانتخابات، واعتبر أن مصدر هذا التخوف من الداخل وذلك حين أشار صراحة إلى أحداث عام 2009 ومن الخارج بتأكيده على وجود مخططات ومؤامرات خارجية تستهدف أمن البلاد وتسعى إلى تغيير النظام.

ولمكان وزمان كلمة خامنئي مدلولات تشير إلى عمق الأزمة واشتداد القلق لدى النظام الإيراني ورجال الدين المتشددين والحرس الثوري من عدم سلامة هندسة الانتخابات وتزويرها لصالح المتشدد إبراهيم رئيسي، وخاصة بعد فشلهم حتى الآن في تحريف وخداع الرأي العام لصالح مرشحهم رئيسي، ما يضع بعين الاعتبار وجود نوايا حتمية مصيرية داخل إطار المغامرة لتزوير الانتخابات لصالح إبراهيم رئيسي وإقصاء روحاني عن رئاسة الجمهورية لكونه بدأ بغض الطرف عن بعض مبادئ وأفكار خامنئي الخاصة بالسلطة المطلقة للولي الفقيه.

أعقب ذلك تحدي آخر حين أصدر مجلس تنسيق حركة “درب الأمل الأخضر” بيانا أكد فيه دعمه الكامل لحسن روحاني ودعا كافة مناصريه إلى انتخاب حسن روحاني في الانتخابات المقبلة، وما يعرف بدرب الأمل الأخضر هي حركة أنشأها الإصلاحي “مير حسين موسوي” عام 2009 بعد خسارته في الانتخابات الرئاسية واتهامه السلطات بتزوير الانتخابات لصالح محمود أحمدي نجاد، وأصبح لهذه الحركة مجلس تنسيقي لتنظيم أنشطتها رغم غضب النظام والحرس الثوري عليها وإلصاق عدة تهم برموزها مثل الخيانة والفتنة.

يريد خامنئي قلب الأمور وخلط الأوراق باعتبار أن أي احتجاج قد يحدث هو بمثابة فتنة وتنفيذا لمؤامرات وخطط الأعداء، لذا يجب القضاء على كل تحرك قد يحدث أثناء الانتخابات حتى وإن كان احتجاجا على تزوير أو اعتقالات على اعتبار أن ما يفعله النظام وأجهزته الأمنية فوق القانون والجميع ولا يجوز الاعتراض عليه.

لذا قسم أهداف الأعداء إلى ثلاثة أقسام: على المدى القصير بزعزعة أمن واستقرار البلاد، وعلى المدى المتوسط بضرب الاقتصاد وعلى المدى البعيد بتغيير النظام وإسقاطه، وهذا يعني أن قلق النظام حاليا هو توقع تحرك في الداخل احتجاجا على الانتخابات أو سياسة النظام وخاصة من قبل الشعوب غير الفارسية المضطهدة والتي بدأت تشعر بوجود دعم عالمي وإقليمي لها في الحصول على حقوقها المشروعة التي سلبها النظام الإيراني وحرسه الثوري، ومصدر قلقها الثاني قديم جديد وهو تدهور اقتصادها نتيجة هدر المليارات من أموال الشعب الإيراني للتدخلات الخارجية فارغة الجدوى والمنفعة، وما زادته العقوبات الدولية نتيجة سياسة النظام وإرهاب الحرس الثوري من تدهور لحياة المواطن، ومجيء ترامب المصر على تشديد العقوبات بات يؤرق بكل ما للكلمة من معنى مضاجع خامنئي وحرسه الثوري جراء قرب انهيار شامل للاقتصاد يقود إلى انهيار لنظام الملالي.

أما القلق والتخوف الأكبر والذي بات النظام الإيراني يجيش كافة إمكانياته لتجنب وقوعه هو وجود إرادة دولية وإقليمية وداخلية تتمحور في وجوب التخلص من نظام الملالي وتغييره بشكل جذري، وهو ما أسماه خامنئي بالمخططات بعيدة المدى.

جاء هذا الخطاب المهزوز بعد الموقف الصارم الذي أعلنت عنه المملكة العربية السعودية ووضعت خلاله استراتيجية جدية للتصدي للأنشطة الإيرانية التخريبية ونقل المعارك إلى داخل إيران الهش المكون من عدة قوميات تسعى جميعها للخلاص من نظام الولي الفقيه والتخلص من سياسات الحرس الثوري العنصرية والقمعية والسالبة للحقوق المدنية والسياسية، وخاصة أن هذه القوميات وبعض رموزها يؤكدون بشكل علني رفضهم لحكم الولي الفقيه ويبحثون عن دعم دولي وإقليمي من أجل نيل حقوقهم واسترداد ثقافتهم وحريتهم المسلوبة منذ زمن طويل.

 مركز المزماة للدراسات والبحوث

11 مايو 2017