بات الكثير من العرب مدركين لخطورة السلوك الإيراني في العالم العربي وضرورة التصدي له، كما رافقت هذه الصحوة قرارات ومواقف رسمية عربية ندّدت بهذا السلوك العدواني الذي لا يمت بأي صلة للأعراف والعلاقات الدولية. فهذا السلوك الإيراني المستمر منذ عقود، والذي يستمد زخمه من الأوهام التاريخية البهلوية الشاهنشاهية، والتي غلفها خميني بالمذهب الصفوي الفارسي، حتى باتت من أهم الأخطار التي تهدد الأمن والسلام في العالم العربي.

وبالنظر لهذه الصحوة العربية المباركة، إذا صح التعبير، فيا ترى هل وضع صناع القرار في العواصم العربية المعنية على سلم أولوياتهم، آلية جادة ومحكمة لمعالجة هذا السلوك الإيراني التخريبي أم ليس بعد؟

ولو افترضنا جدلاً أن توجهاً استراتيجياً قد بدأ يتبلور في بعض من العواصم العربية، وبالتحديد الخليجية، فإنه بالضرورة يتطلب مشروعاً سياسياً متكاملاً، من شأنه أن يحد من هذه السلوكيات الإيرانية في عالمنا العربي. وقد يكون فهم الحيثيات المتعلقة بجغرافية إيران السياسية، وطبيعة الأقاليم التي تشكل هذه الجغرافية، وتوجهات سكانها الأصليين، ولا سيما رغباتهم التي عادة ما تكون خارج المركز الإيراني، قد تكون من أساسيات أي مشروع عربي لمواجهة هذا الجار العدواني في قادم الأيام.

وقبل أن نعرج مع القارئ الكريم في مسعانا هذا -أي فهم الوحدات والأقاليم الجغرافية السياسية الإيرانية- لابد لنا أن نشير إلى مسألة في غاية من الأهمية، ألا وهي طبيعة الإعلام الفارسي داخل وخارج الحدود الإيرانية المموّل والمدعوم والمسير من قبل المؤسسات الأمنية التابعة للنظام والحرس الثوري المسؤول الوحيد عن حفظ النظام في طهران. لذلك، فإن أغلب المعلومات المتوفرة عن جمهورية إيران الإسلامية لدى الشعب العربي ومؤسساته، خاطئة أو ناقصة، بل ربما حتى مغلوطة لا تمت للواقع بصلة أبداً، لأنها تخضع للمراقبة والتنقيح من قبل المؤسسات الأمنية المعنية قبل نشرها إعلاميا وإرسالها إلى المتلقي العربي. ولهذا، تُجرّد هذه المعلومات من أهميتها العلمية وصفتها الواقعية، وتدخل في إطار الأدلجة والانحيازية لصالح النظام والقومية الفارسية المسيطرة على كافة الشعوب والقوميات الأخرى.

تشير الإحصائيات غير الرسمية إلى أن تقريباً 70 بالمئة من سكان إيران هم من غير الفرس ويقطنون في الأقاليم الشمالية والشرقية والجنوبية والغربية التي تحيط بالإقليم الفارسي في وسط إيران.

ومن هذه الأقاليم، أذربيجان (الجنوبية)، موطن الأتراك، ويقع في الشمال والشمال الغربي من جغرافية إيران السياسية، ويحد هذا الإقليم كل من أذربيجان (الشمالية) وأرمينيا وتركيا وبحر قزوين، ويقدر نسبة الأتراك في إيران بـ 30 بالمئة أو أكثر من مجموع السكان، هذا أولاً.

ثانياً: إقليم كردستان، والذي يقع في غرب إيران، ويحد هذا الإقليم كل من تركيا والعراق، ويصل عدد السكان الأكراد بناءً على إحصائيات كردية مستقلة إلى 7 ميلون نسمة (قرابة 9% من مجموع سكان إيران).

وأما ثالثاً: إقليم الأحواز، موطن العرب، والممتد من إقليم الأكراد مروراً بالجانب الثاني الشرقي للخليج العربي إلى إقليم بلوشستان عند باب السلام -أي مضيق هرمز-، ويصل عدد السكان العرب الأحوازيين إلى 8 مليون عربي على الأقل في عموم إيران (قرابة 10% من مجموع السكان).

رابعاً: إقليم بلوشستان، والذي يمتد من باب السلام من الخليج العربي مروراً بالجانب الثاني من بحر العرب وباكستان إلى أفغانستان، ويصل عدد السكان البلوش تقريباً إلى 3 ميلون نسمة (قرابة 4% من مجموع السكان).

خامساً: إقليم التركمان، والذي يقع في الشمال والشمال الشرقي من إيران، ويحد هذا الإقليم تركمنستان، ويقدر عدد سكان التركمان في إيران تقريباً بـ 2 ميلون نسمة.

يضاف إلى ذلك، عدد من الأقليات المنتشرة في عموم جغرافية إيران السياسية، ومنها اللور، والأرمن، والبشتون، وسواهم.

والجدير بالذكر أنه من الصعب البت نهائياً وبدقة بالنسب السكانية في إيران، بسبب التعتيم المفروض من قبل السلطات الفارسية. إلا أن المعطيات على أرض الواقع، وكذلك الدراسات والتقارير لنشطاء الشعوب غير الفارسية في إيران تؤكد صحة النسب المذكورة أعلاه.

بالنظر لما سبق، تسعى إيران لإحداث شرخ في الوحدة الوطنية في عديد من الدول العربية، من خلال التلاعب بتركيبتها السكانية، ودعم جماعات أقلوية (شيعية غالباً، وعرقية كذلك) بهدف تهديم أسس العالم العربي، وإحداث مزيد من الصراعات داخله. وذلك، يحتم على أية استراتيجية عربية فعالة وواقعية، أن تتعامل بالمثل مع إيران أولاً، وأن تدعم تطلعات الشعوب في جغرافية إيران ثانياً، لأن رغبة هذه الشعوب بالخلاص من الهيمنة الفارسية وحقها في تقرير المصير، يتوافق كلياً ورغبة الدول العربية المجاورة لإيران.

والمنطق يقول، إنه في حال أصحبت الأخيرة -أي إيران- مجموعة دول صغيرة تخضع للقوانين والأعراف الدولية، فهذا الأمر، بالضرورة لصالح الدول العربية، وخاصة دول الخليج العربي، ومن شأنه أن يحد من التطلعات الفارسية التوسعية في العالم العربي كلياً. وفي الحالة الإيرانية هذه قد يصدق المثل العربي القائل: من كان بيتهُ من زُجاج لا يرمي الناس بالحجارة.

وأما عن السؤال الذي طرحته في مستهل هذا المقال، أعتقد أن الجواب لدى الساسة وصناع القرار العربي، إلا أن السواد الأعظم من العرب -أي الجماهير- في حيرة حقيقية من أمرهم، فالكثير منا يتساءل، يا ترى كيف لدولة أجنبية تتدخل في شؤوننا وتحرض على أمن اوطاننا وتفكك مجتمعاتنا وأيضاً تقتل فينا ومازلنا نعتبرها دولة صديقة!؟

بقلم: جمال عبيدي

11 مايو 2017