الجميع في الداخل والخارج الإيراني يعلمون جيدا أن الرئيس الفعلي لإيران هو علي خامنئي ومعاونوه هم قادة الحرس الثوري وغير ذلك لا يعدو أن يكون مجرد مسؤول تنفيذي لسياسات خامنئي ورجالاته، حتى منصب الرئيس الذي يستخدمه النظام الإيراني للدعاية وتحسين صورته لدى الداخل والخارج يقف على مسافة بعيدة متدنية بينه وبين قائد الحرس الثوري أو حتى قائد فيلق القدس قاسم سليماني وأيضا قادة الباسيج، فلماذا منصب رئيس الجمهورية في إيران؟ وما سر استماتة المتشددين عليه؟

إن الدراسات المتخصصة في هيكلة النظام السياسي الإيراني والتي بدأت منذ توليه الأمور عام 1979 والتي استندت إلى اعتبارات أساسية، وما تشهده مصانع القرارات الداخلية والخارجية في إيران تؤكد واقعية دكتاتورية النظام الفارسي وعنصريته في ممارسته للسياسات الداخلية الخارجية، وما يضعه أمام الرأي العام من مناصب صورية وأشكال برلمانية وديمقراطية ليست سوى أساليب إعلامية لخداع الرأي العام بوجود انتخابات وديمقراطية ومناصب يختارها الشعب.

لذا فإن الانتخابات الإيرانية بشكل عام لم تعد محل اهتمام من قبل الداخل والخارج الإيراني، بعد القناعة التي ترسخت بأن منصب الرئيس في إيران هو منصب شكلي لا غير، وأن السلطة الحقيقية بيد المرشد الأعلى للنظام الإيراني الذي يختار من بيده تعيين وعزل المرشد أي مجلس الخبراء، ويحدد أيضا أعضاء مجلس صيانة الدستور الذي يمنح الأهلية للمترشحين في كافة الانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية، وللمرشد المصادقة على صلاحية المرشحين لخوض الانتخابات بعد موافقة مجلس صيانة الدستور.

وللمرشد أيضا صلاحيات مفتوحة مثل الإشراف على تعيين السياسيات العامة لإيران، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة الجيش والحرس الثوري، فضلا عن تعيين كبار القادة العسكريين والأمنيين، والإشراف المباشر على قوات الحرس الثوري وقوات الباسيج، وإعلان الحرب وتعيين رئيس السلطة القضائية ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ويمكن للمرشد عزل الرئيس من منصبه بعد قرار المحكمة العليا وأخذ رأي البرلمان، وجميع هؤلاء يتم تعيينهم أو المصداقة على وصولهم لهذه المناصب من قبل المرشد خامنئي، فماذا تبقى لمنصب الرئيس الذي تشتعل حاليا المنافسات حوله؟

رغم كل ذلك، يبقى التخوف من السقوط عالقا في أذهان قادة النظام الإيراني، وخامنئي يعتبر أي محاولة لتغيير سلوك النظام على أنه مقدمة لإسقاطه، والتي ربما ستمر عبر منصب الرئيس ومن خلال روحاني، وخشيته من غضب شعبي قد يلتف حول روحاني أو أحد قادة الإصلاحيين زادت من توجس السقوط في أي لحظة، وهو سر التنافس الشديد على منصب الرئيس رغم قصر صلاحياته حاليا.

ثانيا، إن إبراهيم رئيسي هو أفضل خيار لدى الحرس الثوري والتيار المتشدد وخامنئي لاستلام منصب المرشد بعد رحيل خامنئي، وعملية إعداده تبدأ من خلال إيصاله لمنصب الرئيس كما حصل مع خامنئي قبل رحيل الخميني، وقد تورط داعموه لهذا المنصب بترشحه للانتخابات الرئاسية، وأصبح من الضروري فوزه في هذه الانتخابات ولو عن طريق التزوير أو انسحابه في حالة عدم ضمان فوزه، لذا يستميت التيار المتشدد وقادة الحرس الثوري ورجالات خامنئي في تشويه صورة منافسه الذي أصبح خطيرا حسن روحاني والترويج لإمكانيات وكفاءة رئيسي ودعوة الشعب لانتخابه مع الإعداد لهندسة الانتخابات، وهو السبب الثاني لاستماتة المتشددين على منافسة ورحاني على منصب لا وزن له.

وأخيرا يبقى الانفتاح الذي يتطلع إليه روحاني وما يمكن أن يجلبه من نفوذ غربي وإقليمي يحدث تغييرا قسريا في بنية النظام، ويحد من هيمنة الحرس الثوري وتسلطه على الاقتصاد، وما قد يقود في النهاية إلى تغيير النظام بالكامل، هو القلق الأكبر لدى المتشددين من استمرار روحاني لدورة رئاسية ثانية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

14 مايو 2017