مع اقتراب الانتخابات الإيرانية المقرر إجراؤها يوم الجمعة القادم 19 مايو 2017 واحتدام المنافسة بين قطبي النظام الإيراني المتشدد الأصولي من جهة والإصلاحي والمعتدل من جهة أخرى، وبعد انسحاب عمدة طهران محمد باقر قاليباف من الانتخابات الرئاسية لصالح إبراهيم رئيسي مرشح الأصوليين وانسحاب النائب الأول للرئيس الإيراني اسحق جهانغيري لصالح حسن روحاني، فإن الحرس الثوري الإيراني في حالة تأهب قصوى لما هو قادم.

بدأ الحرس الثوري برنامجه الخاص بهندسة الانتخابات منذ أن انتشرت في شوارع المدن الإيرانية لافتات تحمل عبارات تطالب رئيسي بالترشح للانتخابات مثل “نرجو أن يترشح رئيسي للانتخابات”، حيث تبين لاحقا أن استخبارات الحرس الثوري هي من قامت بهذا العمل بغية إظهار رئيسي على أنه الأفضل لرئاسة إيران ودفعه إلى خوض الانتخابات وإقصاء روحاني وأيضا توحيد صفوف التيار المتشدد الذي تصدع بعد حكم نجاد وتعرض لانقسامات وانشقاقات وزالت هيبته بين المواطنين.

زاد الإحساس العام بوجود نية لدى الحرس الثوري بتزوير الانتخابات عندما نشر أحد المواقع الإيرانية صورة لإبراهيم رئيسي في مؤسسة أستان قدس رضوي وأمامه عدد من قادة الحرس الثوري يقبلون يده، كما وتجمع صداقة وثيقة بين قائد فيلق القدس قاسم سليماني التابع للحرس الثوري مع إبراهيم رئيسي الذي أيضا على علاقة وثيقة بمجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى للبلاد علي خامنئي.

وقد ظهر جليا أيضا دعم قادة ما يعرف باسم “الباسيج” (قوات التعبئة) لإبراهيم رئيسي، وهذه القوات تسهم إلى حد كبير في التحكم والسيطرة على الداخل الإيراني، وهي ميليشيا شبه عسكرية تابعة لـلحرس الثوري وتعمل داخل إيران فقط، وتتكون من متطوعين مدنيين من الذكور والإناث، وتشارك في أنشطة مثل الأمن الداخلي وتوفير الخدمات والتحكم في الرأي العام، وسيكون لها دور كبير وتأثير عال في الانتحابات القادمة وتوجيهها لصالح رئيسي.

وحسب تحليلات مختصين في الشأن الإيراني فإن إبراهيم رئيسي المرشح الأصولي لرئاسة البلاد، النائب العام السابق وسادن العتبة الرضوية، كان الأوفر حظاً أو الوحيد المرشح لخلافة المرشد علي خامنئي، وفي حال خسارته في الانتخابات الرئاسية فإنه في الوقت نفسه سيخسر خلافة منصب المرشد لأنه سيكون واضحاً للشعوب الإيرانية أنه لا يمتلك شعبية واسعة ولا يمكنه أن يتسلم منصبا حساسا وهاما في إيران كمنصب المرشد، ولذلك يرى المختصون أن ترشحه للرئاسة كان ورطة وخطأ فادحا من التيار المتشدد والحرس الثوري الذي لا يمتلك الآن إلا أن يجعل رئيسي رئيسا ولو بالتزوير.

ومن المؤشرات التي تدل على إصرار الحرس الثوري على فوز إبراهيم رئيسي هو استعانته بالاستخبارات الروسية الماهرة في هندسة الانتخابات وتزوير نتائجها أو التأثير على طريقة سيرها، وقد انكشف ذلك حين التقى وفد روسي برئاسة رستم مينيخانوف الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الأقليات الدينية مع إبراهيم رئيسي وهو اجتماع مخالف للبروتوكلات الدبلوماسية الإيرانية المنصوص عليها في وزارة الخارجية الإيرانية، إلا أن الحرس الثوري المسيطر فعليا على إيران؛ مستعد في سبيل الوصول إلى أهدافه إلى انتهاك أي قانون أو بروتوكول وحتى لو كان إيرانيا، كما أن موسكو قامت بتقديم رئيسي من خلال وسائل إعلام روسية على أنه شخصية إيرانية هامة ورجل دولة رفيع المستوى ويحظى بمكانة دولية.

يصر الحرس الثوري على إنجاح رئيسي في الانتخابات رغم معرفته العميقة والمؤكدة بأنه لا يمتلك قاعدة وتأييدا شعبيا مثل حسن روحاني، والذي رغم الحرب الإعلامية الشرسة التي تشنها عليه قنوات التيار المتشدد الإعلامية وتركيزهم على أن الأوضاع في إيران ما تزال سيئة وأن الاتفاق النووي لم يؤد إلى تحسن الأوضاع المعيشية في إيران؛ إلا أنه لا يزال يتمتع بتأييد شعبي أكبر من رئيسي، وفي حال سارت الانتخابات بدون تزوير فإن فوزه بولاية رئاسية جديدة هو أمر مؤكد.

وقد أشار روحاني في إطار حملته الانتخابية في زنجان، إلى دعم الحرس الثوري لإبراهيم رئيسي حيث هاجم الحرس الثوري مشيرا إلى أنه يحشد التأييد لرئيسي، غير أنه لم يذكر الحرس بالاسم، ونقلت وكالة العمال الإيرانية عن روحاني قوله “لا تذهبوا إلى المناطق الريفية وتكذبوا على الناس… لا تجمعوا الناس في الحافلات، لا تقدموا لهم وجبات غداء في القواعد العسكرية”.

إن الانتخابات الرئاسية هذا العام أخذت جميع المتابعين للشأن الإيراني إلى عام 2009 حين قام الحرس الثوري بتزوير الانتخابات وتصدى بكل عنف للاحتجاجات الشعبية التي قامت حينها تحت اسم الثورة الخضراء، وهو الآن يعلم أنه في حال أقدم على تزوير الانتخابات فإن أتباع حسن روحاني سيقومون باحتجاجات واسعة وهو على أهبة الاستعداد ويقوم بتحضيرات ضخمة لردع مثل هذه الاحتجاجات التي لن تكون ضد تزوير الانتخابات فحسب بل هي ثورة شعبية ضد الظلم الذي يفرضه على مختلف القوميات في إيران والتي لن يكون آخرها حرمان الشعوب من اختيار مرشحهم الرئاسي، وتحت عنوان (مشروع الأعداء في تحريض أنصار روحاني، على الشعب الإيراني أن يكون حذرا) قالت وكالة أنباء تسنيم أن عضو حزب المؤتلفة الإسلامي حمید رضا ترقي قد قال في حوار مع تسنيم أن الأعداء يخططون لتحريض أنصار روحاني، لأنهم وفق ما أعلنوا أن النتيجة إذا كانت خلافا لما يريدون فإنهم سيرفضوها ويقاومون النتيجة.

ورغم شكلية منصب الرئيس في إيران في ظل وجود المرشد الإيراني الذي هو الحاكم الفعلي للبلاد إلا أن هناك مخاوف واضحة لدى التيار المتشدد والحرس الثوري من فوز حسن روحاني ذي الشعبية الواسعة والذي تمكن من توقيع الاتفاق النووي ويعد بانفتاح أكبر لإيران على العالم وتعزيز للحريات، وهو ما يشكل هاجسا لدى المرشد الإيراني الذي يريد أن تبقى إيران تحت قبضة الولي الفقيه والحرس الثوري الذي يصر على أن تبقى إيران في عزلتها وعلى نفس سياساتها العدائية بعيدا عن التحرر والانفتاح الذي سيؤثر سلبا على مصالحه المتمثلة في نهب خيرات إيران واستخدامها لتصدير فكر الثورة وتمويل الفتن والحروب في المنطقة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

17 مايو 2017