فيما نستثني الأطروحات الجامعية التي تعتاش على الاحتفاء بكل ما هو ماض، والمشاريع الرومنطيقية في لملمة بقايا التاريخ الشعري بين دفتي كتاب، والقصيدة التي تأتي بعد الترجمة، بوصفها واقعة وجودية في تخوم عالمين مستقلين/متصارعين، والنصوص الموسميّة التي تطلّ علينا من فراغات الزمن. حينها، لن يتبقى لدينا شيء سوى النزر اليسير من المنتوج الشعري، ولحظات وجيزة من الزمن الأدبي، ما يفتح لدينا إمكانية النظر -وبدقة- في اللحظة الراهنة للأدب الأحوازي، كحقيقة مازال يتخللها الكثير من المجاز النقدي، والغموض المفهومي، في تعريف مصادر وآليات هذه المنظومة الأدبية الناشئة، التي لم تَجد مكانتها الطبيعية بعد في الفضاء العربي الثقافي، رغم محاولات جادة يقوم بها أبناء تلك المنطقة في سبيل تعريف منجزاتهم عبر آليات عصرية وطرق مبتكرة من الكتابة والنشر والتواصل والتوزيع.

تميّز الصراع السياسي والثقافي بطابع لغويّ عميق منذ نشأته في الأحواز. وفي ظلّ هيمنة الآخر-اللغة المغايرة على كل مناحي الحياة، والتي كانت تدفع بالعرب من السكان الأصليين إلى الهامش المظلم وإبقاء صورتهم لعقود من الزمن دون ملامح واضحة ومعبّر عنها، كان الشعر هو النشاط اللغوي الوحيد، والسلاح غير المرئي المخفي في الصدور، والذي يتم تهريبه شفاهياً في كلّ مناسبة وموقف، له الصدارة في هذه المواجهة عبر الأجيال. فتحولت القصيدة إلى تلك الساحة المفتوحة للصراع اللغوي والهوياتي، وكان الشعراء هم رواد هذه المواجهات حتى جاءت قصيدة النثر، لتتقمص أشكال هذا الصراع في كل تجلياته وأنماطه، وتحوله إلى تجربة وجودية حقيقية، تنهي الطابع الأحادي للخطابات السياسية والثقافية التقليدية وتعيد صياغة الدلالات المحلية فيما يخدم تطلعات الشباب ورؤاهم، وفي كافة جوانب الحياة.

استطاع روّاد قصيدة النثر في الأحواز أن يلفتوا الأنظار في محيطهم الثقافي، وأن يتصدّروا المشهد الشعري، عبر اعتمادهم تأسيس حركة أدبية استطاعت أن تحرّك المياه الراكدة في الساحة الشعرية والأدبية، وأن تهرّبُ الكلمة من رواق الجامعات والمؤسسات الحكومية إلى الشارع، ومناقشة همومه وآماله وطموحاته، حيث تأسست حركة قصيدة النثر “نتيجة ردة فعل على ما عاناه الشعراء الشباب من المنظومة التقليدية الشعرية والعقلية الرجعية التي ترى في كل تغيير انسلاخاً عن الهوية والابتعاد عن الموروث المقدس أدبياً كان أو علمياً”.

كلّ من كتبوا عن قصيدة النثر العربية في الأحواز من العالم العربي، حاولوا أن يعبروا عن انطباعاتهم المختلفة تحت عناوين عديدة، ولكنهم اتفقوا في التعبير عن تلك الحالة غير التقليدية لطبيعة الحوار الذي يدور حول هذا الشكل الأدبي هناك، فهي رغم تمردها على الشكل، تمرّدٌ على الواقع الثقافي والسياسي، وطريق جديدة لاستعادة الهوية اللغوية والثقافية وتعريقهما.

تقول الشاعرة اللبنانية حنان فرفور في مقال لها تعليقاً حول المؤتمر السادس لقصيدة النثر، والذي أقيم السنة الماضية في مدينة عبادان: “إن الشاعر الأحوازي إذ يقدم في كل نص رؤية/رؤيا جديدة حادة ومفتوحة، ينطلق من معاناته الوجودية اليومية اللغوية متمرداً على واقعه، فمعركته كانت دون شك مضاعفة، معركة هوية وجودية يحاول جاهداً الحفاظ عليها، متكئاً في ذلك على أكثر الأجناس الأدبية جرأة وتمرداً، يسكبها برغم ما فيه من توتر، عميقة ذات قرار موغل، وعين استشرافية مفتوحة لا تكاد ترمش”.

وفي السياق ذاته يضيف الشاعر والإعلامي العراقي ميثم الحربي نقلاً عن الشاعر جمال نصاري: “إن الهموم والموضوعات الأساسية التي تعتمل في نفوس النثراء وتكشفها نصوصهم أنّ هناك حضوراً لنهر كارون ونهر الكرخة بوصفهما علامتين تندمج فيهما الذاكرة وتحولاتها المثيرة، كما بحثت قصيدة النثر كشكل شعري محرّض إشكالية الإنسان العربي في الأحواز وحنينه إلى اللغة وما يشكله ذلك الحنين من نزوع ليس إلى تحقيق يوتوبيا بل إلى انتزاعها. وعالجت القصيدة النثرية الأحوازية مقولة الوطن العالمي المطبوخة على نار ثائر كوبا (إرنستو تشي جيفارا)، وتنفتح الهموم أيضاً على استثمار ثيمات معرفة الجسد والأساطير والمرايا فضلاً عن ارتيادها فضاء محكات فكرية ينتجها الضغط العالي للمُهمينات”.

يشدّد أحد مؤسسي الحركة في موقع آخر، على أن ما يميز حركة قصيدة النثر عن غيرها، أنها “تجربتنا الأولى في النظرية الشعرية”، تبرّر الأسباب الوجودية لنصوص باتت تزعزع مكانة أصحاب القصائد الموسميّة. نظرية أضاءت الكثير من النقاط وأثارت الكثير من الجدل حول الأسبقية في الكتابة، والتي بقيت حتى الآن إشكالية زمنية، تعيد إنتاجها الأنانيات الأدبية بين حين وحين. وما نفهمه من سياق حركة قصيدة النثر أنها ومنذ انطلاقتها، وعبر تأسيسها لشبكة مفهومية جدلية، أعطت الشرعية الوجودية، ليس فقط لنصوص وتجارب حقيقية باتت تتوالد هنا وهناك، بل لنصوص وتجارب كانت توجد من قبل، والتي كانت تقبع ضمن اللامفكر فيه الأدبي، ضمن الساحة الأدبية في الأحواز.

منجزات حركة قصيدة النثر في الأحواز:

  • قصيدة النثر العربية في إيران: الكتاب يحتوي على معلومات قيمة عن القصيدة النثرية، بما في ذلك القصيدة النثرية في الأحواز. ينقسم الكتاب إلى فصلين، الأول قراءات نقدية تم من خلالها مناقشة المواضيع التالية: لمحة تكوينية لقصيدة النثر، ملامح إبداعية، المرآة والذاكرة، … ونرى في الفصل الثاني نماذج شعرية من شعراء قصيدة النثر العربية في إيران.
  • منفرد بعمق القمر: يمارس علينا النص في هذه المجموعة الشعرية نوعاً من التصريح المضلل بحيث نتحرك أبداً معه ولا يمكن لنا رغم ذلك حصره ولا تأكيد مقولته بل ننزاح إلى التأويل لنشكل المشهدية المقابلة للتصور، عبر حركة التغيير الدائمة هذه من دون أية إدانة أو مقارنة المفاهيم الجديدة لحيوية ألفة الاختلاف في الروح المبدعة.
  • قطار الشتائم: في” قطار الشتائم” سعيد إنسان الاحتجاج والرفض، ولشعره مخالب وأنياب خربشت جسد الوطن لكنه يتطلع إلى المستقبل البعيد بعيون مملوءة بالأمل.
  • الجريمة: مجموعة شعرية للدكتور جمال نصاري، وتشتمل على قصائد نثرية منها: الجريمة، أنا الأرض بشهواتها، الرحلة إلى جهنم بنوايا حسنة، طفل تيتم مرات… مع ترجمتها الفارسية.
  • مجلة حبر أبيض: المجلة الاختصاصية الأولى في الأحواز، تتناول من خلالها تحولات قصيدة النثر. تحتوي هذه المجلة على ستة حقول وهي التعريف بالمجموعات الشعرية والحوارات والترجمة والنصوص الشعرية والملحق الذي يتغير في كل عدد تم طبع أربعة أعداد من هذه المجلة وشارك فيها مجموعة من شعراء العراق وتونس وسوريا والمغرب والجزائر والكويت والأردن والسعودية وإيران.

بقلم: يوسف السرخي

18 مايو 2017

الهوامش:

  • ميثم الحربي، الرّقص على شفرة السكين، صحيفة العالم الجديد، كانون الثاني 2015
  • حنان فرفور، قصيدة النثر الأحوازية بين الواقع والطموح، صحيفة الأثير، فبراير 2017
  • جمال نصاري، قصيدة النثر العربية في ايران، عبادان، دار هرمنوطيقيا 2016
  • يوسف السرخي، حركة قصيدة النثر: إعادة صياغة الدلالات المحلية، مجلة حبر أبيض، العدد الرابع، 2016.
  • مجلة حبر أبيض، العدد الثاني حتى الخامس، عبادان 2016.
  • صحيفة الإعلان الجديد، العدد 68، 2016.
  • جمال نصاري، قصيدة النثر العربية في إيران، مركز بابل الثقافي، 2015.
  • يوسف السرخي، منفرد بعمق القمر، دار هرمنوطيقيا، عبادان 2012.
  • سيد سعيد أبو سامر، قطار الشتائم، دار هرمنوطيقيا، عبادان 2013.