يقدم الباحث في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية قادر عبد الرحيم جردة حساب للإرهاب الداعشي في كتابه الصادر حديثاً في باريس بعنوان: “داعش .. تاريخ ورهانات وممارسات تنظيم الدولة الإسلامية”.

يستهل المؤلف كتابه بالتساؤل في مقدمته عن ماهية مشروع ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، وكيف أصبح هذا التنظيم حديث وسائل الإعلام، كما أصبح رغم الغموض الذي يكتنفه فاعلا رئيسيا في منطقة الشرق الأوسط.

وسعياً لتقديم إجابات شافية، يعود المؤلف إلى بداية إنشاء جماعة الإخوان المسلمين وصولا إلى تشكل جماعات الإرهاب، مرورا بتأصيل تواجد الإسلاميين الحركيين في المجتمعات العربية.

الكتاب يعطي مفاتيح للقارئ الفرنسي والغربي بشكل عام لفهم حركات الإسلام السياسي والتنافس الإقليمي والعداوات العرقية والدينية ولعبة القوى الغربية.

  

قرن من الحركات الإسلاموية

تأكيداً لجذور داعش الإخوانية؛ يرى المؤلف أن مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا وضع أهدافاً واضحة تتعلق بالسعي لإعادة الخلافة الإسلامية. ومع ذلك، فلا يوجد أي شيء حول طبيعة هذه الدولة الإسلامية. وبحسب الكاتب فإن عدم الوضوح لدى تنظيم الإخوان المسلمين يدل على انعدام الرؤية في فكر الإسلامويين الذين يعانون بشكل عام من صعوبات جمة في وضع معالم دولة إسلامية في ضوء مجتمعات لديها ديناميتها الخاصة.

خلال قرن تجذرت الحركات الإسلاموية إلى حد كبير في العالم الإسلامي، وخاصة في العالم العربي، حيث ظهرت في القرن الحادي والعشرين أزمة سياسية وشرعية، ويقصد بها الاحتجاجات التي اندلعت أواخر 2010 ومطلع 2011 وجلبت إلى السلطة بعض الحركات الإسلاموية (تونس، مصر، المغرب)، ويتساءل الكاتب ما إذا كان الإسلاميون سيجددون أنفسهم استجابة لتحديات واحتياجات المجتمع.

في بداية الستينيات، اقترح سيد قطب، أحد المنظرين الإسلاميين الأكثر تأثيرا، القطيعة مع المجتمعات التي ابتعدت عن التقاليد حسب زعمه. ومن تفسيره الشهير “في ظلال القرآن”، استمدت بعض الجماعات المتطرفة الشرعية النظرية للعنف لتبرير إعادة أسلمة المجتمعات الإسلامية قسرا، ثم في فترة ما بعد الاستقلال، تطور الخطاب الإسلامي، رغم أن العقيدة لا تزال تقوم على العودة للأصول، فقد أضيف إليها تحدي الأنظمة القائمة.

ومع الوقت يتطور الإرهاب وتأخذ المواجهات السياسية طابعا عسكريا: على أساس الصراع على السلطة، في تونس والجزائر والأردن ومصر، حيث كانت محاولات الاستيلاء على السلطة عن طريق العنف.

وفي سياق الكتاب يرصد المؤلف أهمية تداعيات ما بعد فشل النماذج السياسية العربية لمرحلة ما بعد الاستقلال (القومية العربية والاشتراكية والناصرية والبعثية) ويرى أن كسر هذا الزخم كان شكلاً من أشكال فشل مشروع النهضة العربية، الأمر الذي كثّف من سعي المثقفين العرب لإعادة تقييم التاريخ كله دون أي تمجيد مطلق أو تشاؤم مفرط، على أساس دراسة الماضي في مجمله والنهضة بشكل نقدي، وعلى هامش هذا النقاش، يتعلق قادة داعش بأيديولوجيتهم الدموية.

علمنة الإسلام في فرنسا

بالنسبة للإسلام في الغرب وفي فرنسا تحديداً، يقول المؤلف أن الصعوبات تلاشت أمام اعتبار الإسلام كأحد عناصر المشهد الديني والثقافي الفرنسي منذ أواخر الثمانينيات، ومع ظهور جيل جديد من المسلمين الفرنسيين تغيرت طبيعة النقاش. بينما كان من قبل محصوراً بالنقاش حول منح حرية ممارسة العقيدة للعمال المهاجرين، واليوم يتعلق الأمر في فرنسا بقبول الدولة لتطبيق القانون العام على هؤلاء المواطنين الذين يطالبون ببناء مساجد، ولعب مكتب الأديان في وزارة الداخلية الفرنسية دورا هاما في وضع سياسة تطوعية لاعتبار مسلمي فرنسا كأقلية دينية.

لكن هناك مجموعات إسلامية في فرنسا، تشكل أقلية صغيرة جدا، تظهر تشددا أكثر في ممارساتها وتمتثل بشكل صارم للتعاليم الدينية، وتظهر نشاطا كبيرا لتبرز وتحاول كسب الاعتراف بها.

ويقول المؤلف: لقد بدأت عملية علمنة إسلام فرنسا وتعد نتيجة إستراتيجيات فردية للمعنيين الرئيسيين، المواطنين الفرنسيين المسلمين، وأيضا عملية مأسسة الإسلام، الديانة الثانية في فرنسا، إن وضع الإسلام في الفضاء العمومي لا يزال قيد الدراسة، كما أن وضع فرنسا كأرض للديمقراطية وجمهورية علمانية ضد الطائفية يتطلب تكيف الممارسات التقليدية للإسلام مع هذا الواقع الجديد.

من الإرهاب إلى الفكر الإسلاموي

سعياً لتقديم تعريف موجز ودال بشكل مباشر، يرى المؤلف أن الإرهاب الإسلاموي هو نشر نظرة متطرفة ودينية للعالم، وأن المنظمات التي تمارس هذا الإرهاب لا تتردد في اللجوء إلى التبريرات الدينية. وبحسب المؤلف فإن الجهاد، في تعريفه الديني، لا يرتبط بالضرورة بالعمل السياسي أو العنف، ولكن أولا بمقاربة شخصية تعتمد على بذل جهد ذاتي داخلي من أجل التحسن، أو ما يطلق عليه في الأدبيات الإسلامية الوسطية جهاد النفس، لكن ولأسباب سياسية بحتة، فقد ألغت جميع الجماعات الإسلامية الإرهابية هذا البعد الروحي للترويج لشرعنة العنف، لإجبار الدول على العودة إلى شريعة الله كما تتصوره تلك الجماعات، هذا العنف زعزع استقرار البلدان التي كان الإرهابيون قادرين على ترسيخ وجودهم فيها وتسببوا في تراجع الديمقراطية في الدول الغربية التي تعرضت لهجمات إرهابية، واتخذت دول الغرب من أجل مكافحة الإرهاب إجراءات لم تكن من قبل معهودة.

بين القاعدة وداعش

يعتبر تنظيم القاعدة البذرة التي تأسس عليها تنظيم داعش بعد غزو العراق من قبل الولايات المتحدة، وكانت العمليات المتعددة التي تم تنفيذها في منتصف التسعينيات في غرب أفريقيا وخليج عدن بمثابة إشارات لهجوم 11 سبتمبر 2001، وتعتبر لحظة مهمة في حملة الإرهاب التي ستغير بشكل عميق المشهد الإستراتيجي في الشرق الأوسط.

 

ويتضح من تسلسل الأحداث أن أفغانستان كانت مختبرا لجيل من المتشددين الإسلاميين الذين يعيشون تجربتهم في ضوء الواقع الاجتماعي لكل فرد، قبل الانخراط في الجهاد.

ويمكن اعتبار اغتيال أنور السادات على يد إسلامويين نقطة تحول أيضاً أدخلت مصر في دائرة مواجهة مع الجماعات الأكثر تطرفا، وتلك المواجهات أنتجت حركة الجهاد الإسلامي في مصر، وبدورها قدمت العديد من القادة والمقاتلين الذين أسسوا تنظيم القاعدة، ومن بينهم الزعيم السابق لحركة الجهاد الإسلامي، أيمن الظواهري، زعيم القاعدة الحالي. بعد مقتل بن لادن، ضعفت القاعدة إلى حد كبير وقررت العديد من الأطر التابعة لها تسخير مهاراتها لصالح داعش.

 استهداف فرنسا

يعيد الكتاب التذكير بمجمل الحوادث الإرهابية التي وقعت في فرنسا، ويرى أن تلك الهجمات كانت من أكبر الأخطار التي واجهتها منذ الحرب العالمية الثانية، مما دفع الحكومة الفرنسية إلى إعلان حالة الطوارئ.

وبحسب المؤلف تعد إستراتيجية داعش لنشر الإرهاب في أوروبا نتيجة للصراع على النفوذ بينها وبين القاعدة. ويرى أن المعركة بين التنظيمين تدور أيضا على الأراضي العراقية والسورية، حيث تريد داعش ضمان هيمنتها على الإرهاب الدولي.

ويستنتج أن فرنسا أصبحت هدفا مفضلا لداعش لأنها البلد الذي يستضيف أكبر عدد من المسلمين في أوروبا الغربية. ولأنها قوة استعمارية قديمة ودولة علمانية. لكن الأهم أنها الدولة الغربية التي يشكل مواطنوها أكبر عدد من المقاتلين الأجانب في داعش. ومن خلال استهداف فرنسا، فإن داعش تستهدف تماسك المجتمع الفرنسي في محاولة لإثارة العنصرية ضد الفرنسيين المسلمين.

 إنترنت الإرهاب

وفي محور آخر من الكتاب، يقول المؤلف أن داعش أدركت بسرعة أهمية التواصل في عالم الانترنت. وأن الحرب الافتراضية تعد ركنا أساسيا من الحرب التي تدور على الأرض. وكمثال على استخدام داعش للإنترنت فإنها قامت في أبريل 2014، ببث 55 ألف تغريدة خلال الهجوم على الموصل، مع صورة كتب عليها “نحن قادمون إلى بغداد” وسمحت تلك التغريدات بتصدر كلمة “بغداد” للنتائج على تويتر. وبذلك فإن العالم يواجه وضعا جديدا تماما، حيث تدخل داعش إلى بيوتنا من خلال الهاتف المحمول أو اللوحة الإلكترونية. وأصبحت مواقع التواصل الإجتماعي تشكل هدفا رئيسيا لداعش لنشر فكرها.

داعش وتجارة النفط

تمكن تنظيم داعش من احتلال أراض شاسعة تمتد من العراق إلى سوريا. ومن هذه المناطق تدير داعش جهاز دولتها بفضل مواردها المالية التي تحصل عليها من تهريب النفط وبيع التحف ومختلف الأنشطة الإجرامية. ولم تسنح لتنظيم القاعدة الفرصة لتأسيس دولة بدائية محليا أو إقليميا. بينما تمكنت داعش من اعتماد نهج يجذب من خارج حدود الشرق الأوسط الآلاف من الشباب الذين يؤمنون بعودة الخلافة.

وفي هذه المرحلة من السابق لأوانه القول ما إذا كانت داعش ستقوم بتعزيز مكانتها أو أنها سوف تنهار. لكنها تستفيد من الصراعات الإقليمية. وفيما يتعلق بتمويلها، فإن داعش أسست لاقتصاد إرهاب حقيقي، يقوم على تهريب البشر والأسلحة والمخدرات وشبكات الهجرة إلى أوروبا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب: “داعش.. تاريخ ورهانات وممارسات تنظيم الدولة الإسلامية”

المؤلف: قادر عبد الرحيم

دار نشر Eyrolles

190 صفحة

غلاف كتاب قادر عبدالرحيم