يعمل تنظيم داعش حاليا على إعادة تموضعه من جديد، وتبني مخططات رديفة إرهابية لمخططاته الأولى بفعل الضربات الموجعة التي تلقاها من قوات التحالف في الآونة الأخيرة، وقد ظهر هذا الأمر جليا بعد مضاعفة الجهود للقضاء على هذا التنظيم من قبل الدول العربية والقوى العالمية، ليتبع هذا التنظيم سياسة “الانقضاض عن بعد” مستخدما آليته الأخيرة التي عرفت بالذئاب المنفردة لتمرير نشاطاته الإرهابية وترك الآثار الهادفة التي يسعى إليها هذا التنظيم في إثارة الرعب بين شعوب الدول التي تشارك في مكافحة الإرهاب.

إن تشديد الخناق على تنظيم داعش في سوريا والعراق، وخسارة هذا التنظيم لمناطق كثيرة كانت تحت سيطرته سيؤدي إلى تغييرات في استراتيجيته التنفيذية والفكرية بحيث من المحتمل أن يتجه هذا التنظيم إلى مزيد من التقارب مع تنظيم القاعدة وأن يتنازل عن بعض مبادئه مقابل تشكيل حلف إرهابي ودعم لوجستي بين التنظيمين، وهذا التقارب سيسعى له كلا الطرفين رغم اختلافهما في عام 2013.

وتنفيذيا فإن هذا التنظيم سيستمر في أنشطته الإرهابية مع تغيير تكتيكي يقود إلى اعتماد تباعد المسافات بين نشاط إرهابي وآخر لإرباك الأجهزة الأمنية والدول المشاركة في عملية القضاء على هذا التنظيم، وبث الرعب والخوف بين شعوب هذه الدول، وهذا يعني أن تنظيم داعش لن يعتمد على مناطق محددة للتخطيط والتجهيز كمعقله في الرقة ومناطق نفوذه في سوريا والعراق، بل سينقل مراكز وأوكار التخطيط إلى خارج هذه المناطق كي لا تنتهي وتتوقف أنشطته بمجرد طرده أو محاصرته في مناطق نفوذه وانتشاره، ما يعني أن خطره سيستمر لفترة بعد القضاء عليه في سوريا والعراق، وستبقى الدول الغربية عرضة لهجمات يتم التخطيط لها من داخلها وسيستمر التنظيم في نشر أفكاره وأيديولوجياته بطرق مختلفة منها الاعتماد على الفضاء الإلكتروني، وتكثيف حملاته الدعائية باستغلال أكبر قدر من وسائل التواصل الإلكترونية لخداع العقول وجذب الشباب باستخدام حجج دينية واجتماعية.

والمهمة الأساسية التي سيركز عليها التنظيم في الفترة القادمة هي محاولة تخفيف شدة الانكسارات التي مني بها من خلال التكيف مع الوضع الراهن ومحاولة استعادة قدراته بسرعة، وإثبات فشل المساعي الدولية في محاربته، وهذا سيجعل تركيزه يصب على تنفيذ عمليات إرهابية في أكثر المناطق أمنا في العالم، لذا فإن مخاطره وتهديده للدول الغربية ستستمر وتتزايد في هذه المرحلة.

الأخطر من ذلك أن تثمر مساعي التنظيم في تحقيق مزيد من التقارب والتعاون مع أنظمة داعمة للإرهاب ولها عداء مع الدول العربية والغربية وعلى رأسها إيران، فخبرة الحرس الثوري وأذرعه في المنطقة في دعم وتعزيز الجماعات الإرهابية عالية، وسيقود التقارب ورفع الدعم إلى تنشيط العمليات الإرهابية، وخاصة بعد تشكيل حلف إسلامي عربي أميركي لمواجهة الإرهاب والسلوك الإيراني المزعزع لأمن واستقرار المنطقة، وقد ظهرت مؤشرات عميقة على دعم إيران لعصابات داعش من خلال تزويدها مؤخرا بصواريخ أميركية “تاو” وروسية “كورنيت” متطورة.

هذا التغيير الذي ينتهجه تنظيم داعش في تكتيكه الإرهابي للسيطرة على مشهد الهزائم لابد من مقابلته بتطور وتكامل على المستوى القتالي والفكري في طرق مواجهة هذا التنظيم، أهمها تكثيف جهود مراقبة الفضاء الإلكتروني وتعزيز القدرات في مجال تبادل المعلومات بين دول العالم فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، ووضع آليات جديدة من قبل مختصين وخبراء تلائم التغييرات التي يعتمدها هذا التنظيم وقت محاصرته وتضييق الخناق عليه، وهذا يتطلب إجراء الدراسات والبحوث المتخصصة في المجالات الأمنية ومكافحة الفكر المتطرف والجماعات الإرهابية وإنشاء المزيد من المراكز المتخصصة في مجال مكافحة الفكر الإرهابي على غرار ما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة التي تحولت إلى مركز عالمي لمكافحة الإرهاب والتصدي للفكر المتطرف.

إن وقوع تفجير في قاعة احتفالات بمدينة مانشستر البريطانية وما سببه من خسائر بشرية ومادية طالت حياة 22 شخصا على الأقل وجرح 59 آخرين، وإعلان تنظيم داعش مسؤوليته عن التفجير الذي تم بعبوة ناسفة، يشير إلى وجود مخططات إرهابية أخرى لدى هذا التنظيم ما يستدعي المزيد من الجهود الدولية للقضاء على هذا التنظيم المعادي للبشرية، وهذه الجهود يجب أن تتم عن طريق الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة ورجال وعلماء الدين، لأن فشل الجهود الحالية في مواجهة تنظيم داعش سيقود إلى كارثة كبرى يدفع ثمنها العالم بأجمعه.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

24 مايو 2017