ليست المرة الأولى التي تخرج فيها قطر عن الإجماع الخليجي والعربي المتعلق بمكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه وتنظيماته. لكن التصريحات القطرية الأخيرة التي نشرت على لسان أمير قطر انتقلت من مربع التعاطف الإعلامي مع «الإخوان» وإيران إلى التعاطف الرسمي الصريح مع كل ما يهدد أمن الخليج ويشق وحدة المنظومة الخليجية، بل ويتعارض مع التوجهات الدولية لمحاربة الإرهاب، وبخاصة ما أسفرت عنه القمة الخليجية الإسلامية الأميركية في الرياض من مقررات وخطوات مؤسسية لمكافحة التطرف وذيوله. وهو ما قابلته قطر بذعر عقب القمة مباشرة، وفسّر خبراءٌ تحركاتها ومواقفها غير الحصيفة بأنها رد فعل مرتبك تجاه توحد الجهود الخليجية والعالمية نحو اجتثاث إرهاب «الإخوان المسلمين» الذين يتخذون من الدوحة مقراً لهم ومن منابر قطر الإعلامية منصات لتبرير مخططاتهم التدميرية. أما الحديث القطري اللاحق عن كذبة الاختراق الإلكتروني لوكالة الأنباء القطرية، فهو مجرد محاولة فاشلة لامتصاص غضب دول مجلس التعاون الخليجي. وهناك سوابق متكررة لقطر في دعم الإخوان المتأسلمين والتقارب مع إيران، الأمر الذي يجعل الدوحة تفتقر للمصداقية، وذلك أيضاً يحرمها من ميزة التراجع عن التصريحات الرسمية الجديدة التي نعلم أنها مدعومة بالفعل بممارسات وتواطؤات قطرية على أرض الواقع، تشير في مجملها إلى أن النهج القطري المساند للجماعة الإخوانية الإرهابية يعد خياراً قطرياً استراتيجياً مهما حاولت الدوحة التمويه عليه.

من الواضح أن مقررات قمة الرياض بتأكيدها على ضرورة اجتثاث الإرهاب من جذوره وإيقاف مصادر تمويله أوجعت التنظيم الدولي الإخواني ومن يقفون إلى جانبه، لأن الحديث عن تتبع مصادر تمويل جماعات الإرهاب بمختلف أشكالها يطال من يقومون بتمويل الإرهابيين ودعمهم وتوفير الملاذات الآمنة لقياداتهم ومرجعياتهم.

ويأتي الإجراء الإماراتي والخليجي بحجب المواقع الإعلامية القطرية، وفي مقدمتها موقع قناة «الجزيرة» الإخوانية، في إطار تدشين المواجهة الإعلامية للأدوات المشبوهة التي تتعاطف مع خطاب التطرف وتتبنى استضافة رموزه وتروج لمواقف الجناح السياسي للإرهاب متمثلاً بتنظيم الإخوان المتأسلمين.
وخلال الفترات الماضية كانت قطر تكتفي بتأجير قناة الجزيرة وبرامجها للخطاب الإخواني الفوضوي، لكن الزلة الرسمية الأخيرة منحت «الإخوان» وإيران و«حماس» و«حزب الله» من يدافع عنهم ويبرر لأهدافهم الشريرة، ليس فقط عبر قناة فضائية، ولكن عبر وكالة أنباء رسمية، لها حسابات في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وجميعها بثت تلك التصريحات بالتزامن، الأمر الذي ينفي الادعاء باختراق موقع الوكالة.

وكانت دولة قطر مشاركة في قمة الرياض ولديها علم مسبق بمحاورها وأجندتها، وهذا ما أثار استغراب المتابعين لحجم المراهقة السياسية التي أفضت إلى بث تصريحات مناقضة لما خرجت به القمة بعد أقل من أسبوع على انتهائها.

ورغم ذلك فإن ما حدث يرفع الحرج عن المنظومة الخليجية التي ظلت تمنح الفرصة تلو الأخرى لقطر لكي تتسق مع محيطها وتعيد رسم سياستها بما يتوافق مع مصلحة البيت الخليجي. لكنها أصرت على خسارة جميع الفرص، وها هي الدوحة تضع نفسها في عزلة خليجية وعربية نتيجة لربط مصيرها بمصير تنظيم الإخوان المتأسلمين ونظام الولي الفقيه في إيران.

كان على قطر الاستفادة من الدروس الكثيرة من حولها، لأن من يربط مصيره بـ«الإخوان» يخسر الانتماء للشعوب ومستقبلها. وعندما نتأمل النماذج التي اخترقها «الإخوان» يتضح العديد من الدروس والعبر. فـ«حماس» الإخوانية شقت الصف الفلسطيني واستأثرت بقطاع غزة لتحقيق حلم الخلافة المزعوم. ومصر رغم الإشكالات الاقتصادية الراهنة كانت ستخسر الكثير لو استمر حكم المرشد. والسودان الذي انقسم إلى دولتين، كان قبل ذلك دولة ذات مساحة كبرى في أفريقيا وذات موارد غنية ومتنوعة، فأدى تسلط تيار «الإخوان» فيها إلى انفصال الجنوب عن الشمال ودخول كل إقليم في صراعات حرمت السودانيين من استثمار ثرواتهم.

أما تركيا التي كانت في مراحل متقدمة من التفاوض مع أوروبا، وكانت معدلات النمو فيها تتصاعد كل عام، فقد تراجعت اقتصادياً وانهارت فرصها للالتحاق بالاتحاد الأوروبي، بعد أن ترك الشارع التركي الفرصة لتصديق أوهام استدعاء الخلافة العثمانية بدفع من اللوبي الإخواني هناك. وما إن تظهر أصابع «الإخوان» في بلد حتى يقع في نكبة، لأن «الإخوان» يبحثون عن حاضنة رسمية ثم ينقلبون عليها، ونتمنى لشعب قطر الشقيق أن ينجو من هذا الفخ.

رابط المقال في جريدة الاتحاد: قطر تربط مصيرها بـ«الإخوان» وإيران

بقلم: د. سالم حميد

تاريخ النشر: الأحد 28 مايو 2017