عادة ما تعتبر لغة المصالح وحماية الأمن الوطني من أهم أسباب أي تقارب بين دولتين، بحيث يكون هذا التقارب يلبي بعض أهداف كلا الطرفين ويزيد من حصانة أمنها الداخلي والخارجي، وهذا المنظور الذي يقوم عليه أساس التقارب بين أي دولتين، لاسيما إذا كان الدافع ينبع من مخاطر العزلة الدولية، وهو ما تشترك فيه الآن كلا من قطر وإيران، غير أن الأوساط السياسية الدولية وخاصة العربية متفقة على اعتبار التقارب القطري الإيراني يمثل حاليا منعطفا خطيرا على المصالح العربية وخاصة الخليجية، فهو تقارب يضر بالواقع الخليجي والعربي لما يلحقه من أضرار على الأمن القومي المهدد من المشروع لإيراني، فالخروج عن الصف الخليجي من خلال التأييد المطلق لإيران لا يفسر إلا بأنه ضربة قوية للصف الخليجي والعربي في ظل الإجماع على خطورة النظام الإيراني ومشروعه التوسعي في المنطقة.

فهذا التقارب يعزز المعسكر الطائفي الإيراني، ويفتح شهية حكام طهران لمزيد من الأنشطة التدخلية والإصرار على ممارسة سياسته القائمة تجاه محيطه العربي، فلا شك أن تعزيز العلاقات بين الدوحة وطهران من شأنه زعزعة أمن واستقرار المنطقة، خاصة أن كلا البلدين لديهما مساحة واسعة يتفقان فيها على نفس النهج في إمداد وتغذية الجماعات الإرهابية والعدائية للأنظمة العربية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس والجماعات المسلحة في ليبيا وأخيرا ما تم الكشف عنه من مشاركة الدوحة لطهران في دعم ميليشيات الحشد الشعبي العراقي الذي انبرى وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان قبل بضعة أيام في تهديده للأنظمة العربية وعلى رأسها السعودية بهذه الميليشيات الطائفية وما تسرب من أن قطر أيضا وعدت هذه الميليشيات بمليار دولار في حال شنت حربا على الشمال السعوددي، فالنظام الإيراني يسعى منذ زمن لزعزعة أمن الخليج العربي من خلال دعم جماعات شيعية وتحريضها على الأنظمة، ويحاول باستمرار مد التنظيمات الإرهابية بكل أسباب القوة لتستمر، وهذا المشروع سوف يجد تعزيزا في حال أصبح التقارب الإيراني القطري أكبر.

إن دعم الدوحة للنظام الايراني وما يمكن أن تقدمه من خلال ميزانيتها المالية الضخمة يعني إضعاف الموقف العربي تجاه السلوك الإيراني في المنطقة، وهدف إيران من جلب قطر إليها في ظل الظروف الراهنة واضح لإضعاف الحلف العربي الدولي مقابل إيران ومن أجل شق الصف الخليجي والعربي والإسلامي، ويمكن شرح أسباب التقارب الإيراني القطري بعدة نقاط أهمها:

أولا:

الخلافات بين قطر والسعودية بسبب اختلاف المواقف حول الملفات الإقليمية وخاصة حول سوريا والإخوان المسلمين، فقطر تدعم الإخوان وغيرها من التنظيمات التي تصنفها السعودية والإمارات جماعات إرهابية، وتحاربها بكل قوة، وقد أدت هذه الخلافات إلى سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من الدوحة كإجراء تأديبي لقطر، غير أن الأخيرة ورغم وعودها استمرت في دعم الإخوان، وشن حملة دعائية عن طريق الجزيرة ضد السعودية والإمارات.

هذه الخلافات هي المحرك الرئيسي والوقود الفعلي لعجلة التقارب الإيراني القطري، ومع أن الخلافات ناتجة عن دوافع سياسية قطرية غير أنها تعتبر فرصة أمام الدبلوماسية الإيرانية من أجل مزيد من التقارب مع بعض دول المنطقة وكسر عزلة إيران، كما أن طهران تعتبر هذه الخلافات والتقارب مع قطر ضربة قوية للتحالف السعودي ضدها وورقة ضغط يمكن من خلالها التشويش على توافق آراء الدول العربية ضد إيران ومحور المقاومة، فهي لن توفر أي جهد نحو التقارب مع قطر.

وفي المقابل لا ترغب قطر أن تكون ضمن الصراع الطائفي بين السعودية وإيران وعضوا في المعسكر السعودي في الصراع الطائفي القائم في المنطقة، لاسيما أن لديها خلافات تاريخية وحدودية مع السعودية، وتعتبر نفسها ذات ثقل مستقل عن السعودية التي تمثل مركز الثقل العربي السني في الخليج والعالم العربي، وهذا سبب آخر يدعو قطر إلى تنويع تحالفاتها، والاقتراب من إيران بعد رأب الصدع الإيراني الدولي من خلال الاتفاق النووي ورفع العقوبات، فقطر كانت تخشى من تقاربها مع إيران غضب الغرب لا العرب، والدليل أنه بعد رفع العقوبات سارعت بالإفصاح وعلى لسان أميرها عن رغبتها في تعزيز علاقاتها مع إيران رغم العداء الإيراني لدول الخليج والعرب أجمع.

ثانيا:

قطر غير راضية عن اتساع الدور الإقليمي للسعودية، وتسعى من خلال التقارب مع دول إقليمية أخرى أن تمارس سياساتها باستقلالية.

قطر تسعى الآن إلى إعادة تعريف دورها في تشكيل ائتلاف قوي من خلال الانضمام إلى تحالفات جديدة مع تركيا وروسيا وإيران من أجل الثبوت على مواقفها أمام السعودية، والتقارب بين قطر وإيران يأتي في هذا الإطار، لذا لا يغفل على أحد مساعي قطر في توسيع العلاقات مع إيران خاصة بعد فوز روحاني وتهنئة أمير قطر له ومطالبته بتوسيع العلاقات مع إيران، وتعتقد الدوحة أن السعودية تحاول بعد تولي دونالد ترامب السلطة في أميركا، زعامة العالم العربي.

ثالثا:

ترى الدوحة أن تقاربها مع طهران يخدم هدفها في الاستقواء على السعودية، وأشار إلى ذلك المعارض القطري والمسؤول السابق بالمخابرات القطرية المستشار “علي آل دهنين” الذي أكد أن حمد بن خليفة الأمير السابق، هو الحاكم الفعلي لقطر ويعمل من خلف الستار وليس تميم وأن السياسة القطرية الخارجية لم تتغير بعد تولي الأخير الحكم، وأضاف أن تقرب قطر من إيران يخدم هدف الاستقواء بها ضد السعودية، ولو خيرت قطر بين علاقتها بدول الخليج وإيران فإنها ستختار إيران.

رابعا:

تسعى قطر بشكل واضح إلى التمدد في الخليج، واستخدمت جماعة الإخوان المسلمين لأجل هذا الهدف، وبعد تعرضها لرفض وتصد من قبل السعودية والإمارات والكويت والبحرين، جعل قطر تعيد حساباتها السياسية الخارجية وترسم علاقاتها من جديد، لذا فقد أصبحت على يقين أنها لن تكون رقما خليجيا صعبا إن لم تكن على علاقات قوية مع إيران.

خامسا:

وهو دافع اقتصادي بحت يتمحور حول المصالح الاقتصادية المشتركة بين طهران والدوحة، وما يربطهما من صلة حول حقل الغاز المشترك بينهما في مياه الخليج العربي، وهذا يعتبر دافعا اقتصاديا إضافيا يجعل قطر تتقرب أكثر من إيران حفاظا على مصالحها في الحقل المشترك، لا سيما أن إيران فتحت مؤخرا باب الاستثمار في هذا الحقل الغني بالغاز الذي تبلغ مساحته 9700 كيلومتر مربع، وتمتلك قطر 6000 كيلومتر مربع منه، وإيران تمتلك 3700 كيلومتر مربع منه.

وتعلم قطر أن الاتفاق النووي بين إيران والغرب سيطلق مشاريع الاستثمار في الحقول الغازية الإيرانية القطرية المشتركة بعد رفع العقوبات الدولية، وهذا يستدعي مزيدا من التعاون والتقارب بين البلدين لضمان المصالح الإقتصادية المشتركة في هذا الشأن.

وبعد رفع العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي عن طهران كثمرة للاتفاق بين إيران والمجموعة الدولية 5+1، أصبحت إيران بالنسبة لبعض الدول فرصة استثمارية، وتسعى قطر لأن تنال حصتها من هذه الاستثمارات التي تراكضت إليها بعض الدول الأوروبية مستندة على الثقة المتبادلة والتي كانت قد عززتها باتفاقيات وتعاونات أمينة وعسكرية وتوافق في المواقف حول العديد من القضايا، ولا يخفى على أحد مساعي قطر وسلطنة عمان الحثيثة على إيجاد موطئ قدم لها في الاستثمارات في إيران، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تغيير وجهة المستثمرين الإيرانيين من أماكن أخرى في الخليج وخاصة الإمارات إلى الدوحة ومسقط، واستندت قطر في مساعيها إلى الاتفاقيات التي وقعتها مع إيران خلال السنين الماضية في مجال النقل الجوي والتعاون العلمي والتقني والتعليمي والثقافي، وكذلك إلى دعوات العديد من الخبراء والمسؤولين في إيران الداعمة لزيادة حجم التبادلات التجارية والاستثمارات بين الدوحة وطهران.

وأبدت الأوساط الإيرانية رغبة في توسيع العلاقات عن طريق حكومة روحاني التي اتصفت بقدرتها العالية على التكيف مع المواقف والجهات المعارضة لنفوذها في المنطقة، فتيار روحاني دعا بشدة بعد الاتفاق النووي إلى انفتاح إيران على الخليج.

سادسا:

إن السياسة الخارجية لقطر تعاني من تخبط في الرؤية، وقد اتضحت هذه الصفة عبر ممارساتها السياسية الواقعية ونظرتها الحقيقية إلى القضايا الإقليمية، وما اتسم به قادة النظام القطري من ازدواجية لا تخفى على أحد في نهجه في التعامل مع الأزمات التي مرت بالمنطقة، فقد عرف عن السياسة القطرية وجود اختلاف كبير بين ما تعلنه الدوحة من مواقف وبين سلوكها على أرض الواقع، فلا مانع لدى الدوحة من التوقيع على اتفاقيات وتعهدات وتقوم بانتهاكها على الفور سرا، وهذه الصفة هي التي أغضبت الدول الخليجية ودفعت الدوحة للعب على وتر التهديد بإيران كقوة إقليمية يمكن لها أن تتقارب معها ما يعني إضعاف الدول الخليجية التي تعتبرها الدوحة ندا لها وهي السعودية والإمارات، وهذا ما نعنيه بإصابة السياسة القطرية بداء التخبط السياسي.

سابعا:

ومن دوافع تقرب قطر من إيران المتاجرة والسمسرة السياسية مع إيران من جهة ومع دول الخليج العربي من جهة أخرى، فالدوحة تعتقد أنه بإمكانها أن تتحصل على ما تعتقد أنه فوائد مباشرة من علاقاتها مع طهران، وفي الوقت نفسه تستمر عضوا في مجلس التعاون الخليجي، وتستغل علاقاتها مع إيران للمشاكسة والمناورة مع دول الخليج،  وتستخدم هذه الوصلة إذا لزم الأمر لتحصل على منافع من هنا وهناك، وقد تبين هذا الأمر بعد القمم الخليجية الأخيرة التي وجدت قطر نفسها فيها في معرض هجوم وانتقاد لاستمرارها في دعم الجماعات المتطرفة في المنطقة، ويمكن وصف هذه السياسة بأنها سياسة التلاعب بدول الخليج والتلون حسب الظروف.

ثامنا:

عدم وجود رموز نافذة وجهات مؤثرة في قطر رافضة للتقارب مع إيران، وهذا يمكن تحميل مسؤوليته لكل من السعودية والإمارات التي لم تستطع استقطاب رموز ومؤسسات قطرية تؤثر على قرار النظام القطري في تقربه من إيران وعدائه للسعودية والإمارات والبحرين كما فعلت إيران في تكوين جهات داخل قطر تدعم التقارب معها بل وتضمن ثقتها من خلال هذه الجهات التي ربما سترتقي إلى اللوبي الإيراني في قطر، وهو ربما ما يفسر مسارعة قادة النظام الإيراني إلى الدفاع عن قطر في خلافها الأخير مع السعودية وبشكل علني على خلاف المرات الماضية التي اختلفت فيها قطر مع دول الخليج.

تاسعا:

تحصين الأمن القومي القطري وخاصة بعد تراجع الدعم الأميركي لها وبروز مخاوف زرعها النظام الإيراني في عقول القطريين بأنه لدى السعودية نوايا هدفها السيطرة على القرار القطري وإخضاعها للهيمنة السعودية، لذا فإن التقارب مع إيران أصبح من المنظور القطري حماية للأمن القومي من المطامع السعودية، وقد دعم هذا الدافع اللواء محمد منصور مؤسس المخابرات القطرية الذي أكد “أن تميم أمير قطر، فقد كل صلاته بالعالم العربي والولايات المتحدة، ومن ثم بدأ البحث عن تحالف آخر يدعمه ضد من يتصارع ضدهم من العرب، فكانت إيران هي الملاذ له، وأضاف أن الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” وجه تعليماته لأمير قطر خلال اللقاء الأخير الذي جمعهما في الرياض، بضرورة وقف الدوحة دعمها ومساعداتها للجماعات الإرهابية، وهو ما أزعج أمير قطر الذي يتخوف من العناصر المتطرفة والذي لا يستطيع أن يوقف دعمه المالي لهم، ومن ثم بدأ تميم في الهجوم على ترامب”.

عاشرا:

استعداد قطر المسبق للتقارب الإيراني الغربي بعد الاتفاق النووي وترقب نتائجه، فراحت تعيد ترميم تحالفاتها بالتنسيق مع تطورات نتائج هذا الاتفاق، فكانت قطر من أوائل الدول التي رحبت بالاتفاق النووي الإيراني، وجاء ذلك على لسان وزير خارجيتها خالد العطية الذي أكد أن هذا الاتفاق يجعل المنطقة أكثر أمنا، فنظرت قطر إلى هذا الاتفاق بأنه يفتح الأبواب الاقتصادية أمامها ويزيد من نفوذها الإقليمي والعالمي إذا ما أعادت تشكيل تحالفاتها بحيث تكون إيران طرفا مهما في اتفاقيات استثمارية واقتصادية قد تتشارك فيها قطر مع دول غربية عظمى في الداخل الإيراني.

أي أن الدوحة تسعى بعد الاتفاق النووي إلى استغلال تقاربها مع طهران من أجل الدخول في شراكات استثماراتية واقتصادية وتجارية مع دول عالمية عظمى ما يزيد من نفوذها ويحصن أمنها، ويبدو أن هذا الهدف كان قد تكشف خلال كلمة أمير قطر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي ركز فيها – كما أشرنا سابقا – على ضرورة التعاون والتقارب مع إيران، موضحا أن العلاقة بين بلاده وطهران تنمو وتتطور باستمرار على أساس المصالح المشتركة والجيرة الحسنة، وأن الدوحة تتطلع إلى أن يساهم الاتفاق النووي الإيراني في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.

الحادي عشر

التقاء إيران وقطر في نقاط عدة أهمها دعم تيار الإسلام السياسي وخاصة الإخوان وكذلك دعم حزب الله ونظام بشار الأسد في الفترة ما بين 2006 و2011، ورغم اختلاف الطرفين في فترة ما بعد 2011 حول الأسد إلا أن ذلك لم يمنع استمرار العلاقات بينهما.

الثاني عشر

غياب النظرة القطرية إلى إيران باعتباراها تهديدا مباشرا لأمنها، على خلاف النظرة الخليجية، أضف إلى ذلك عدم وجود جماعات شيعية تذكر في قطر يمكن أن تشكل تهديدا للنظام القطري.

الثالث عشر

سعي قطر للحصول على دور إقليمي أكبر من مكانتها بحيث لا يمكن أن تسمح به الدول العربية الأخرى وخاصة السعودية، ما جعلها تبحث عن داعم إقليمي لمشاريعها، وإلى تعزيز علاقاتها مع إيران.

الرابع عشر

الموقع الاستراتيجي المهم الذي تتمتع به دولة قطر وقربه من السعودية والإمارات والبحرين، وسعي إيران إلى استخدام السواحل القطرية لقربها من السواحل الإيرانية ومحاولة تقليل الاعتماد على الموانئ الإماراتية وخاصة بعد توتر العلاقات بين الإمارات وإيران.

الخامس عشر

وهو أصبح الآن من أهم دوافع التقارب القطري الإيراني، بعد أن قامت ستة دول عربية حتى هذه اللحظة بقطع علاقاتها مع الدوحة، وقيام كل من السعودية والإمارات والبحرين بإغلاق حدودها مع قطر و مقاطعتها، فلم يتبق لدى قطر أي منفذ على العالم إلا من خلال إيران والمياه الإقليمية للخليج العربي، وهذا يعتبر فرصة عظيمة لإيران من الناحية الاقتصادية، غير أنه سيشكل محاصرة أيضا لإيران التي ستعمل جاهدة وستقدم كافة إمكانياتها من أجل دعم قطر في صمودها أمام الحصار وتثبيتها على مواقفها في مواجهة الدول الخليجية.

أهداف التقارب الإيراني القطري

الهدف المشترك الذي يجمع طهران والدوحة من السعي نحو مزيد من التقارب يكمن في فك شيفرة “العزلة الدولية”، لا سيما بعد انتشار التقارير والأحاديث والتصريحات على المستويات السياسية والصحفية والإعلامية والاستخباراتية تتحدث عن دعم إيران وقطر لجماعات إرهابية متطرفة تعمل على زعزعة أمن واستقرار المنطقة والعالم، وإيران هدفها من التقارب مع قطر واضح وهو نفس الهدف في تقاربها مع أي طرف عربي، ويتمثل في إضعاف التحالف السعودي والموقف الدولي العدائي لإيران والأهم استخدام قطر للتجسس على مضامين وأسرار الاتفاقيات والاجتماعات الخليجية الخليجية والخليجية الدولية، ويبدو أن النظام الإيراني يرى في تعميق العلاقات والتقارب مع قطر على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية فرصة ثمينة لإيجاد موطئ قدم له في دول مجلس التعاون بهدف مواجهة السعودية والإمارات.

وتعلم إيران جيدا أن قطر لها نفوذ بين المجموعات المسلحة المنتشرة في المنطقة، الأمر الذي دفع طهران التي تقود هي الأخرى ميليشيات طائفية مسلحة في مناطق الصراع إلى المزيد من التنسيق والتقارب مع قطر للحيلولة دون اصطدام غير متوقع يضر مصلحتيهما، وفعلا حققت إيران بعض المكاسب من التقارب مع قطر على هذا الصعيد، فمثلا عندما سيطرت جبهة النصرة على منطقة عرسال اللبنانية عام 2013 وأسرت عددا من القوات اللبنانية وأعضاء من حزب الله المدعوم إيرانيا، توسطت قطر من خلال التنسيق مع إيران وحزب الله واستطاعت إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين الشيعة من الجيش وحزب الله.

وفي المقابل فإن علاقات الدوحة بطهران ستعود على قطر بفوائد كبيرة، سياسيا ستعني ضمانات بمواقف إيرانية إيجابية تجاه قطر عند احتياج الدوحة لها، فضلا عن النكاية بالسعودية التي أعلنت عداءها لإيران، ودائما ما كانت وما زالت تسعى قطر إلى خدمة مصالحها الضيقة من خلال استغلال الخلافات بين إيران وأغلبية الدول الأعضاء في مجلس التعاون، نظرا للشكوك التي تساوره إزاء السعودية والإمارات والبحرين، وهو ما يفسر إصرار النظام القطري على اعتبار أن إيران جزء من الحل الأمني في المنطقة ورفضها اعتبارها جزءا من المشكلة.

وتحقيقا لأهدافها عادة ما تلعب قطر على وتر القطيعة الخليجية الإيرانية، لانتزاع دور أكبر من حجمها في الإقليم، لذا راحت تتطلع للقيام بدور الوسيط بين إيران والسعودية، بعد أن اتخذ التوتر منحنا تصاعديا بين البلدين، ورصد الإعلام الإيراني سابقا مكالمة هاتفية بين الرئيس الإيراني حسن روحاني وأمير قطر حاول فيها الأخير حث طهران على منح بلاده هذا الدور.

بمعنى أن هدف إيران من التقارب مع قطر هو التأثير على الموقف الخليجي حيالها، واستخدامها كجسر للنفاذ إلى باقي دول مجلس التعاون، وكسر حدة المواجهة الإعلامية الإيرانية الخليجية التي اشتدت حدتها في السنوات الأخيرة، إضافة إلى كسر العزلة المفروضة عليها، أما هدف قطر فهو حماية نفسها وتحييد الخطر الإيراني في حال رد طهران على أي عمل عسكري غربي ضدها، بحيث ستكون منطقة الخليج مسرحا لهذه الحرب.

وتريد قطر من تقاربها مع إيران أن تبعث برسالة واضحة للدول الخليجية وعلى رأسها السعودية تتضمن أن قطر مستعدة في ظل الظروف الراهنة أن تتقرب من طهران المعارضة لسياسات الرياض في المنطقة، ويمكن لسياسة قطر هذه أن تكون بداية للتعامل والتعاون المشترك بين البلدين لتسوية القضايا الإقليمية.

آثار التقارب الإيراني القطري

لا شك أن أي تعزيز لتقارب إيراني قطري لا يصب في مصلحة الأمن القومي الخليجي والعربي والإسلامي بشكل عام، وسوف يكون على حساب الأنظمة والشعوب العربية، لما تعنيه الدولة الإيرانية من سياساتها تجاه تقسيم الأمة الإسلامية على أساس طائفي سني – شيعي، فأي نجاح لسياسة طهران في تدخلاتها وتوسعها يعني نشرا للمذهب الشيعي الذي سيدين أتباعه الولاء لنظام الولي الفقيه لإيران، وجلب الأتباع والأنصار عن طريق نشر المذاهب عادة ما تكون أسرع من عمليات تكوين جماعات داعمة على أساس التوجهات السياسية، لذا رأينا كيف حقق النظام الإيراني وبسرعة كبيرة نجاحات واضحة في نشر التشيع والطائفية في الدول التي استطاع وضع موطئ قدم له فيها كالعراق الذي أصبح يسيطر عليه حكومة شيعية وميليشيات طائفية تدين الولاء لإيران ولبنان المسيطر عليه من قبل ذراع إيران حزب الله وكذلك الحوثيين في اليمن ونظام بشار الأسد في سوريا وجماعات الشيعة في البحرين وشرق السعودية.

هذه النجاحات حققتها إيران من تدخلاتها القائمة على نشر مذهب لا توجه سياسي، لذا فإن مخاطر هذه التدخلات على الأمة الإسلامية والعربية ستزداد في حالة تحقيق مزيد من التقارب بين إيران وقطر، وقد أكد على مثل هذه المخاطر رئيس مجلس علماء باكستان “حافظ محمد الأشرفي” الذي أوضح أن التقارب الذي تسعى إليه بعض الدول العربية مع إيران، – في إشارة إلى قطر- لا يخدم مصالح الأمة المسلمة، لافتا في ذات الوقت إلى أن هذا التقارب يقوي المعسكر الطائفي الإيراني المعتدي على الشعوب العربية والإسلامية في سوريا والعراق واليمن وفلسطين، وأكد أن أي دعم أو تعزيز للموقف والدور الإيراني في المنطقة ليس في صالح أحد، لا من الحكومات ولا من الشعوب.

لذا فإن ما يجب على الدول الخليجية وخاصة السعودية والإمارات منع أي تقارب إيراني قطري بأي شكل من الأشكال، والحكمة السياسية تقتضي – ولو حاليا – أن تترفع الدول الخليجية عن الخلافات وتحل مختلف قضاياها بالحوار والجلوس على طاولة واحدة لمنع انجرار قطر بشكل علني وراء المشروع الإيراني، والقضاء على أحلام النظام الإيراني وتفويت تلك الفرصة على الحرس الثوري.

والكثير من الأوساط السياسية العربية حذرت بشدة من مخاطر التقارب الإيراني القطري، منها البرلمان المصري الذي اعتبر التقارب القطري الإيراني بأنه يمثل جريمة، ودعا الدول العربية والخليجية إلى اتخاذ موقف حاسم تجاه قطر بعد خروجها عن الإجماع العربي والدولي، مؤكدين أن موقف الدوحة يدعم التنظيمات الإرهابية، وأن التقارب القطري الإيراني انشقاق للصف العربي، وقال البرلمانيون المصريون إن قطر تحاول من خلال موقفها هذا أن تتصدر المشهد العربي لا سيما بعد نجاح قمة الرياض في لملمة القادة العرب، كما أكدوا أيضا أنه يجب التصدي للمخططات الإيرانية سياسيا واقتصاديا، وانتقد أحمد بدران البعلي عضو مجلس النواب المصري التصريحات القطرية ضد الدول الخليجية واعتبرها تعزز من الوجود الإيراني وتدخلاتها في شؤون المنطقة، وموقفها هذا هو استقواء بالجانب الإيراني، وطالب باتخاذ موقف عربي قوي وموحد ضد الدوحة لتكون عبرة للخارجين عن وحدة الصف.

وصدرت العديد من الدعوات من قبل المراقبين العرب لاتخاذ دول مجلس التعاون الخليجى قرارات حاسمة ورادعة لتصرفات قطر بسحب دول الخليج لسفرائها من الدوحة ردا على الهجوم القطري الأخير على السعودية والإمارات والبحرين.

والجميع متفق على أن التقارب الإيراني القطري سيؤدي إلى تعزيز وتدعيم الجماعات المعادية للدول العربية وخاصة الخليجية، وهو ما سيشكل تهديدا على الأمن القومي الخليجي، ويزيد أزمات المنطقة تعقيدا ويعمل على تقويض مفاوضات السلام في سوريا واليمن وليبيا، والتقارب الإيراني القطري سيؤدي إلى توحيد للأذرع الإرهابية الخاصة بكل منهما، وهذا سيقود إلى وحدة المواقف بين الميليشيات الإرهابية الممولة إيرانيا وقطريا في سوريا والعراق واليمن.

ورغم أن الملفات الخلافية بين قطر وإيران أكثر من الملفات التعاونية كما يشير اختلاف المواقف بين البلدين حول الأزمة السورية واليمنية وأيضا الجزر الإماراتية والمعارضة البحرينية، إلا أن الطرفين نجحا في حصانة وحماية التقارب بينهما ما يشير إلى أن طبيعة العلاقة هي مصلحية ضرورية بحتة لا تحكمها أي مبادئ أو قوانين واختلاف بين الرؤى لأن العلاقات لم تشهد أي عداء يذكر بين الطرفين.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

8 يونيو 2017