سعت دولة قطر إلى مدّ نفوذها داخل الولايات المتحدة، وإيجاد مؤسسات وأفراد يمكن الاستناد إليهم في توجيه السياسة الأميركية تجاه قطر بما لا يتعارض مع التوجهات القطرية، وبما يمكن اعتباره محاولة بناء لوبي قطري داخل الولايات المتحدة، غير أنّ محاولات بناء هذا اللوبي لم تسفر سوى عن دعم بعض المؤسسات التي تتلقى مقابلاً مالياً، ومن أبرزها معهد بروكنغز، حيث استطاع فترة رئاسة أوباما تحديداً، تقريب وجهات النظر كثيراً في قضية استخدام ودعم جماعات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط.

غير أن مساعي قطر تبدو حثيثة منذ بداية شهر يونيو 2017، في محاولة للخروج من العزلة العربية التي وجدت نفسها فيها، نتيجة دعمها المستمر للجماعات الإرهابية وتدخلاتها في دول الجوار الخليجي، فيما تسعى لإحداث تغيير في توجهات الإدارة الأميركية يساعدها في ذلك.

معهد بروكنغز:

ويعتبر المعهد/مركز التفكير، واحداً من المؤسسات الأكثر تأثيراً في صناعة القرار داخل الولايات المتحدة، ويظهر ارتباط قطر معه، من خلال:

  • بدأ الارتباط بين الجهتين، منذ عام 2002 وحتى 2010، من خلال تمويل قطر لمشروع دراسة العالم الإسلامي (يبقى حجم التمويل غير معلوم حينها، لكنه من المؤكد أنه من الضخامة ما يغري مسؤولي المركز للعمل مع الحكومة القطرية).
  • تمويل إنشاء مركز بروكنغز الدوحة، منذ عام 2012، بهدف توفير “صورة براقة لقطر في الإعلام الدولي، وخاصة في وسائل الإعلام الأميركية”، وفق مذكرة التفاهم بين الطرفين.
  • وصولاً إلى تقديم تمويل مؤخراً بقيمة 15 مليون دولار، وهي منحة لأربع سنوات، مقابل دعم مصداقية السياسة القطرية.
  • استخدام مؤتمرات المركز (وسواه)، بمثابة “حاملة طائرات” لنقل وترويج السياسات القطرية، وفق وصف مسؤولين قطريين.
  • توظيف المركز (وسواه)، في تعزيز الوجود العسكري الأميركي في قطر، وبالتالي حماية الدولة وسياساتها أميركياً، وهو “أسلحة قطر النووية”، وفق وصف المسؤولين القطريين.
  • عقد اجتماعات دورية بين كبار المسؤولين القطريين، من ضمنهم أمير قطر، ومسؤولي بروكنغز، لمناقشة نشاطات وتمويل المركز.
  • سعى المركز للتقريب بين جماعات الإسلام السياسي المدعومة من قطر والإدارة الأميركية، وخصوصاً جماعات الإخوان المسلمين وجبهة النصرة، باعتبارها “جماعات إسلامية وسطية قادرة على إدارة ملفات الشرق الأوسط”، وهو ما وجد صداه لدى إدارة أوباما في الانفتاح على جماعات الإخوان المسلمين تحديداً.
  • عدا عن دور المركز بالتعاون مع الحكومة القطرية، في نزع السمة الإرهابية عن عدد من المنظمات الإرهابية، أو على الأقل السعي إلى ذلك، من خلال تصوير حظر جماعة الإخوان المسلمين عملاً عدائياً تجاه العالم الإسلامي عموماً، والمجتمع المصري خصوصاً.

ووفقاً للمسؤولين التنفيذين في المركز، فإن عملهم “لا يتأثر بآراء الممولين” في قطر أو في واشنطن، وأنه سبق لهم وأن أشاروا في عدة تقارير نشرت في مركز بروكنجز الدوحة في السنوات الأخيرة، شككوا فيها بجهود الحكومة القطرية الرامية إلى تجديد نظامها التعليمي، أو أنهم انتقدوا الدور الذي لعبته قطر في دعم مسلحين في سوريا.

غير أن ذلك، وإن كان صحيحاً من الناحية الشكلية، إلا أنه يأتي في إطار مساعي المركز في الحفاظ على مصداقيته وحياديته، فيما يمرّر رسائل وتوصيات أهم من ذلك، تدعم سياسات قطر. وخصوصاً أنه في عام 2012، وبعد التوقيع على اتفاقية منقحة بين بروكنجز والحكومة القطرية، أشادت وزارة الخارجية القطرية بالاتفاق، معلنة أن “المركز سيضطلع بدوره في إبراز الصورة المشرقة لدولة قطر على الصعيد الدولي وسائل الإعلام، ولاسيما الأميركية”.

مؤسسات أخرى:

فيما يعتبر مركز بروكنغز أهم المراكز التي عملت على دعم السياسات القطرية، إلا أن لقطر عدة مؤسسات أخرى، حصلت على تمويل مستمر لذات الغرض، فيما يشبه محاولة بناء “اللوبي القطري”، وخصوصاً منذ عام 2015. وذلك من خلال:

  • 5 شركات متخصصة في حشد التأييد، تضم متقاعدين من الجيش والإدارة السياسية والمحامين والمستثمرين، لهم صلات وثيقة بصناعة القرار.
  • تجاوزت نفقات العلاقات العامة القطرية 3 مليون دولار سنوياً، تستفيد منها كل من:
    • شركة بورتلاند للعلاقات العامة (Portland PR)، منذ أواخر 2014، بهدف “تعزيز وجهات نظر قطر وجهودها”.
    • مجموعة جالاجر(Gallagher Group)، منذ عام 2013.
    • شركة سكوين باتون بوجز، التي حصلت على عقد قيمته 332 ألف دولار سنوياً.
    • شركة ليفيك للاتصالات الاستراتيجية (Lavick Strategic Communications)، بعقد سنوي قيمته 188 ألف دولار، للعمل داخل الكونغرس ومع المنظمات الأميركية غير الحكومية.
    • شركة ميركيوري للشؤون العامة (Mercury Public Affairs)، بعقد يبلغ 155 ألف دولار في السنة، للعمل داخل الكونغرس ومع المنظمات الأميركية غير الحكومية، وكذلك لتعزيز المبيعات العسكرية لقطر، وإنقاذ سمعة قطر داخل أروقة الإدارة الأميركية.

شكل رقم (1)

النفقات القطرية لبناء جماعات ضغط داخل الولايات المتحدة

Picture1

 

  • استثمارات بقيمة 46 مليار دولار، تشكل أداة لصناعة التأثير والرأي العام، منها:
    • استثمار في مشروع مانهاتن غرب، بحوالي 8,6 مليار دولار.
    • استثمارات في شركات إعلامية، بينها مشاركة في ملكية صحيفة هافينغتون بوست.
  • دعم مؤسسات دراسات وأبحاث أميركية، وأبرزها: “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية”، التي يشارك فيها شخصيات ذات تأثير، من مثيل: روبير غايتس، وجوناثان شانزر.
  • تبرعت قطر بمبلغ مليون دولار لمؤسسة كلينتون، في فترة توليها وزارة الخارجية.
  • تبرعات بملايين الدولارات لإعادة بناء المناطق التي دمرها إعصار كاترينا في خليج المكسيك، داخل الولايات المتحدة، بهدف الحصول على تأثير في الرأي العام الأميركي، وهو ما أدى إلى موقف إدارة أوباما المتسامح إزاء تمويل قطر للإرهاب عام 2014.
  • تستضيف قطر عدة جامعات أميركية، تم إنشاؤها من قبل مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، تشكل واجهة للعلاقات العامة، سواء من خلال وجودها في قطر، أو من خلال علاقة إداراتها بالمسؤولين القطريين، وخصوصاً أن هذه الجامعات أعربت عن استمرار نشاطها في قطر بعد قرار المقاطعة العربية للحكومة القطرية. وأبرزها:
    • Northwestern University.
    • Texas A&M.
    • Georgetown.
    • Virginia Commonwealth University.
    • Weill Cornell Medical College.
    • Carnegie Mellon University.

خدمات جون أشكروفت:

ويبقى أبرز التحركات القطرية في الولايات المتحدة وأحدثها، هو تعاقد الحكومة القطرية مؤخراً (شهر يونيو 2017)، مع شركة النائب العام الأميركي السابق، جون أشكروفت، بعد يومين من قرارات المقاطعة الخليجية، وذلك بهدف المساعدة في تعزيز ما يحاولون الترويج له، من أن قطر تمتثل لقرارات مكافحة غسيل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، فضلًا عن تقديم الاستشارات والتوصيات القانونية لتعزيز وتحسين هذه الجهود. مقابل مبلغ 2.5 مليون دولار أميركي لمدة 3 أشهر، وذلك وفقاً للعقد المؤلف من أربع صفحات، والمقدم بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب.

وقد وعد آشكروفت بتجنيد قادة الحكومة السابقين، الذين شغلوا مناصب عليا في إدارات الخزانة والأمن الداخلي، ومكتب التحقيقات الفدرالي، وأوساط الاستخبارات. غير أن العقد لا يحدد أي تشريع أميركي أو أوامر تنفيذية أو سياسة سيحاول تغييرها، فيما سيكون محور العمل مراجعة تنظيمية شاملة لجهود قطر لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ووفقاً لمايكل سوليفان، الشريك في الشركة التي ستعمل أيضاً في هذا المشروع: “تعتزم قطر مشاركة إطارها الحالي ونتائج عملنا مع واضعي السياسات الرئيسين، وقررنا التسجيل بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، حيث أن بعض أعمالنا قد ينظر إليها على أنها شبه سياسية”. ويشير العقد إلى “الحاجة الملحة لبدء العمل فوراً”، والذي سيكون “أولوية قصوى” للشركة.

ولابد من التنويه، أن استخدام قطر لخدمات أشكروفت، أتى مدروساً بعناية، لكونه شخصية معروفة تنتمي إلى الحزب الجمهوري المسيطر على البيت الأبيض والكونغرس، فيما يمتلك شبكة علاقات تمتد داخل الحزبين.

وبالإضافة إلى أشكروفت، قام ستة من أعضاء شركته بتسجيل جماعات ضغط لصالح قطر، بمن فيهم كريستوفر بيل، المحامي الخاص السابق في قسم الاحتيال في وزارة العدل، وسوليفان، المدير السابق للمكتب الأميركي للكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات.

وقد استطاع هذا اللوبي (أشكروفت وموظفوه)، حتى الآن، الضغط والاستفادة من وجود نفوذ داخل الإدارة الأميركية، لتمرير صفقة أسلحة طائرات “إف 15″، بقيمة 12 مليار دولار لقطر، والتي شكلت أداة ضغط إعلامي جديد، توظفها قطر في تبرئة ساحتها من قضايا الإرهاب المرتبطة بها، من خلال تأكيدها على دعم الحكومة الأميركية لها تسليحياً، والسماح لها بالحصول على تقنية عسكرية أميركية متقدمة. فيما تسعى لإظهار المقاطعة الخليجية بأنها جائرة لا تتناسب مع التوجهات الأميركية.

غير أنه لا يمكن التعويل على هذه الصفقة لعدة أسباب، أبرزها: أن جزءاً كبيراً من صفقات الأسلحة الموقعة مع الحكومة الأميركية لم يتم تنفيذها سابقاً (كما في الشكل رقم 2).

الشكل رقم (2)

اتفاقيات وتسليمات الأسلحة الأميركية لقطر

Picture2

 

 

الموقف والنفوذ داخل الإدارة الأميركية:

وفقاً لـ Fox News Politics، فإن المعسكرات داخل البيت الأبيض تنقسم إلى مجموعتين: مجموعة سياسية يقودها رئيس الاستراتيجيين ستيف بانون، وأخرى (عسكرية) يقودها مستشار الأمن القومي ماكماستر ووزير الدفاع ماتيس. حيث تشعر المجموعة العسكرية بالقلق إزاء الالتزام العسكري الأميركي العميق تجاه قطر، وتسعى هذه المجموعة لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية. فيما تعمل المجموعة الأخرى خلاف ذلك، وهو ما ظهر من خلال رد لمسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، بأن “الإخوان المسلمين ليسوا منظمة إرهابية”.

كما تشير المصادر إلى أن هناك اجتماعاً رفيع المستوى للبيت الأبيض بين الفصيلين منذ شهرين، وأن فريق بانون هو الآخر يعمل بجد لإيصال تصوره، القائم على فكرة أن: “الجماعات الإسلامية الرئيسة تقبل الدولة القومية، وتعمل داخل هياكل الدولة القومية”، وأنها “لا تحث على ثورة أو تنظيم هجمات إرهابية”، وهو ما يمكّن قطر بالتالي من الدفاع عن سلوكياتها في الشرق الأوسط، وبأنها تتعامل مع جماعات سياسية لا تنتمي إلى المنظمات الإرهابية. وتسعى هذه المجموعة إلى إقناع الرئيس ترامب، بأن عليه الحصول على مزيد من المعلومات قبل الإعلان الرسمي عن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، عبر مزيد من التحقيقات الاستخباراتية الأميركية.

وتمثل هذه المجموعة داخل الإدارة الأميركية الحالية، نموذجاً للاختراق القطري –المباشر أو عبر لوبيات وجماعات الضغط والمؤسسات الأميركية الممولة من قطر-، وسعيها في تغيير توجهات الرئيس ترامب ذاته.

غير أن تقديرات Fox News Politics، تبقى غير دقيقة، وخصوصاً فيما يتعلق بدور وزير الدفاع الأميركي، حيث أنه هو من وقّع اتفاق بيع طائرات إف 15، مع نظيره القطري، كما يقود حملة داخل البنتاغون للحوار من أجل حل الأزمة مع قطر، في حين أعلنت وزارة الدفاع القطرية وصول سفينتين من البحرية الأميركية للمشاركة في تمرين مشترك مع البحرية القطرية (يونيو 2017).

كما أكد البنتاغون امتنانه لقطر “لالتزامها بالأمن الإقليمي”، وأنه غير قلق بشأن قاعدة العديد في قطر، فيما ذهبت وزارة الخارجية الأميركية إلى أن قطر أحرزت تقدماً كبيراً في مكافحة تمويل الجماعات الإرهابية، لكن ما يزال يتعين عليها عمل المزيد.

وهو ما يؤكد حجم العمل الذي تشتغل عليه المؤسسات الممولة من قطر على إحداث تغيير في توجهات الإدارة الأميركية، والوصول إلى الشخصيات النافذة في الإدارة الأميركية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

19 يونيو 2017