تتجلى الأهداف التي طالما سعى وراءها النظام الإيراني وأجهزته من إطلاق مسيرات شعبوية وعلى رأسها ذكرى انتصار الثورة ويوم القدس العالمي وغيرها في كل عام، من خلال الشعارات التي يتبناها أتباع الحرس الثوري، والتي وجهت سهامها هذا العام في كافة مناسبات النظام الشعبوية صوب الرئيس الإيراني حسن روحاني ورموز تكتله أمثال جهانكيري ومطهري ولاريجاني، حيث تبدل يوم القدس العالمي إلى مسرح انقسام وحرب حزبية داخلية تهدف إلى تشويه صورة التيار الإصلاحي الذي يسعى إلى تقليص صلاحيات المرشد المطلقة وهيمنة الحرس الثوري على ثروات واقتصاد البلاد، وخاصة بعد أن وجد هذا التوجه قاعدة شعبية ضخمة أصبحت تهدد النظام الإيراني الحالي وحرسه الثوري بما للكلمة من معنى.

أطلقت مجموعة من المشاركين في مسيرات ما يطلق عليه في إيران باسم يوم القدس العالمي هتافات وشعارات أهانت فيها رئيس الجمهورية حسن روحاني وعدد من رموز التيار الإصلاحي أمثال جهانكيري ومطهري، ما اعتبر تخطيا للقانون والأخلاق وتجرؤ على رئاسة الجمهورية من قبل عناصر مدفوعة من الحرس الثوري الذي يرغب في تطويق روحاني سياسيا وتنفيذيا وحتى شعبيا، حيث استغل هذه المناسبة لتحريض شعبي ضد روحاني بهدف تشويه صورته والإعلان عن رفض شعبي لسياسته الساعية للإنفتاح مع الغرب.

ويرى الخبراء الإيرانيون وعلى رأسهم “عباس عبدي” المحلل السياسي الإيراني أن مثل هذه الأنشطة قد تم التخطيط لها من قبل الحرس الثوري ضد روحاني، وتشبه أيضا ما تعرض له لاريجاني في مدينة قم ومطهري في مدينة شيراز، حيث جاءت مثل هذه الإهانات الشعبية لهؤلاء الرموز بتخطيط وتنظيم مسبق من قبل الحرس الثوري، ما يكشف عمق الخلافات والانقسامات بين تيارات نظام الولي الفقيه وأجهزته الأمنية والعسكرية التي تتبنى جميعها مخططات وصولية ولديها أطماع في تحقيق أكبر قدر ممكن من الصلاحيات والمناصب والهيمنة والسيطرة على مؤسسات النفوذ في البلاد، وهي صورة متناقضة تماما لتلك التي يحاول سياسة وإعلام إيران إظهارها للمجتمع الدولي بوجود تماسك وتلاحم بين كافة أطياف الشعوب الإيرانية والمؤسسات الحكومية والنظام.

وتزايدت حدة الانقسامات الداخلية بعد إطلاق المرشد الإيراني عبارة “حرية إطلاق النار” قبل أسابيع والتي اعتبرت ضوء أخضر من قبل خامنئي لأتباعه من التيار المتشدد والحرس الثوري لشن هجوم لاذع على الرئيس الإيراني الذي يتخوف المرشد والحرس الثوري من تمرده لاحقا إذا ما اتسعت الرقعة الشعبية الداعمة له واستطاع فتح قنوات مع القوى الغربية، وتحولت هذه العبارة إلى وقود للهجوم والانتقادات التي تشن على حكومة روحاني الطامحة والطامعة، وأثناء مسيرات يوم القدس في إيران أطلق البعض عبارات مهينة للرئيس روحاني، وبعد ذلك أثارت قصيدة لمنشد مقرب من خامنئي غضب الحكومة الإيرانية بسبب تهجمه على سياسة روحاني، ما فجر سخطا واحتجاجا واسعا لدى الحكومة الإيرانية، قاد إلى تراجع خامنئي عن مضمون عبارة “حرية إطلاق النار” وتأكيده أن ذلك لا يعني الفوضى وإطلاق الشتائم ضد الآخرين، بل يعني العمل الثقافي، وذلك بعد قلقه من الغضب الذي أبداه اتباع الحكومة الإيرانية، حيث خشي من ردة فعل غاضبة ضد النظام.

ومن المؤكد أن منظور خامنئي من عبارة إطلاق حرية إطلاق النار هو سياسي وعسكري، ولا شك أن العملية التي قام بها الحرس الثوري ضد داعش في سوريا جاءت تحت هذه المظلة، وقد دل على ذلك نفي الحرس الثوري لتصريحات روحاني الذي أشار فيها إلى عدم انفراد الحرس الثوري في تنفيذ هذه العملية، وأصدر بيانا أكد فيه أن هذه العملية جاءت دون علم رئاسة الجمهورية وبأوامر مباشرة من المرشد علي خامنئي، ليكشف عن مزيد من التهميش لحسن ورحاني.

هذه العبارة أطلقها خامنئي بعد أقل من شهر على فوز روحاني في الانتخابات الرئاسية، واعتبرت ردة فعل من أعلى سلطة في إيران على نتائج الانتخابات، وبعد ذلك حذر المرشد خامنئي من مغبة انقسام الإيرانيين إلى قطبين متنازعين، مشيرا إلى احتمالية تكرار مصير أول رئيس إيران وهو أبو الحسن بني الصدر الذي عزله الخميني ومجلس النواب عام 1981 بسبب معارضته للحرب مع العراق، وهو ما فسر على أنه تلويح بعزل الرئيس حسن ورحاني إذا ما استمر في محاولاته للخروج من دائرة النظام الرجعية، غير أن مخطط عزل روحاني الذي من المؤكد أن الحرس الثوري قد أعده ضمن مجموعة من المخططات الأخرى الهادفة إلى تهميش روحاني وفريقه، لن يكون هذه المرة سهلا، وقد يؤدي إذا ما ثبت العزم على تنفيذه إلى سقوط نظام ولاية الفقيه بثورة داخلية.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

27 يونيو2017