في خضم الأزمة القطرية تخرج علينا ماكنة الإعلام القطرية كل يوم بمفهوم جديد في التعامل وآخر تلك المفاهيم الجديدة هي حقوق الإنسان ولا أحد يعرف عن أي انسان يتكلمون وعن أي حقوق؟ وقد تبين أن هناك لجنة حقوق الإنسان في قطر برئاسة علي بن صميخ المري وقد بدأ ظهوره على شاشة الجزيرة يوم الأربعاء 28 /6 وما زال يطل من قناة الجزيرة تارة لكي يبشر البؤساء بأنه قد وقع عقدا مع شركة محاماة في جنيف لفرض تعويضات على دول الحصار كما يسميها إعلام الجزيرة، وتارة ليتباكى على العوائل الخليجية المختلطة مع مواطني قطر، وتارة يتباكى على الأضرار التي وقعت على المقيمين في قطر وليس لديه سوى ترديد جملة أن الحصار قد أضر بحقوق الإنسان، وتفسيراً لمصطلح قناة الجزيرة “حصار” فإنه ليس هناك حصار بل هناك مقاطعة، ووفق القانون الدولي فإن من حق الدول أن تقاطع أي دولة تعتدي عليها ومن حق الدول أن تمنع تلك الدولة من استغلال أراضيها وأجوائها وموانئها ومواطنيها في العدوان على دول أخرى، وهذا ما كانت تقوم به قطر من نقل الأموال والأسلحة والأفراد للتخريب في العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن، وأن تلك المقاطعة سوف توقف تلك النشاطات أو تؤخر وصولها مما سيؤدي إلى توقف الحروب في المنطقة وتوقف القتل وهذا ما أجمع عليه الجميع بضرورة إيقاف تمويل الإرهاب، وقد لاحظنا انكسار داعش في الموصل وشبه توقف للحرب في سوريا عقب مقاطعة قطر وتقليم أظافرها ومخالبها.

وإذا كانت هناك لجنة لحقوق الإنسان في قطر فلماذا لا تنظر في حقوق المواطن القطري الذي يعاني من الإهمال والتهميش والمنع من الوصول إلى المناصب القيادية في المؤسسات الحكومية في قطر؟ إن المناصب المهمة في أغلب المؤسسات القطرية يديرها أجانب يتمتعون بامتيازات ورواتب خيالية، وهم يديرون المؤسسات القطرية، والمضحك أن هؤلاء الأجانب تم تشغيلهم كصور وبدون أن يكون لديهم سلطة إصدار القرار وجميع من تعامل مع الأجهزة الحكومية في قطر يعرف حقيقة مؤلمة وهي أن صاحب القرار في قطر هو شخص مجهول لا يمكن أن تراه بالعين المجردة أو أن تعرف اسمه أو منصبه الحكومي، والظاهر بأن هناك خبراء أجانب خلف الستار هم من يديرون الدولة في قطر، ومن جهة أخرى فقد تم تعيين كفاءات عالمية وبغض النظر عن تطابق أو عدم تطابق اختصاصها مع الوظيفة التي يشغلها، والمواطن القطري ليس غنيا كما تصور ماكنة دعاية قناة الجزيرة فهو محكوم بالقروض والديون التي تمنحها البنوك المحلية له، فيقوم بشراء السيارات الفارهة ويسافر في إجازات طويلة مكلفة ويرجع يعمل ويكدح طوال العام لكي يسدد تلك القروض.

ويلاحظ أن أكثر من نصف قضايا المحاكم القطرية هي قضايا شيكات مرتجعة وغالبية القطريين المسجونين تمت إدانتهم بقضايا شيكات أو قروض، وفي نفس الوقت فإن ماكنة الدعاية القطرية تدعي أن للمواطن القطري أعلى دخل في العالم، لكن لا أحد يسال عن تكاليف الحياة في قطر ومستوى غلاء المعيشة، وبمقارنة بسيطة بأسعار الشقق في قطر على سبيل المثال وبنفس نوعية البناء وجودته مع الشقق في دبي التي تعتبر أعلى مستوى جودة ونظافة في منطقة الخليج، فإن أسعار الشقق في قطر هي ثلاثة أضعاف سعرها في دبي وهذا يسري على سوق السيارات المرتفعة الثمن في قطر مما يضطر المواطن القطري لشراء سيارته من دبي أو من منطقة البريمي في عمان، وغلاء السكن وعدم استقرار الحياة في قطر، هو السبب الرئيسي الذي من أجله يسافر مئات رجال الأعمال أو موظفي الدرجة الأولى يوميا من الإمارات إلى قطر ويرجعون في نفس اليوم إلى الامارات. وأما العمالة الأجنبية فإن ليس لها أي حقوق، فليس هناك أي ثقة بالوافدين ولذلك فإقامة العمل للوافدين هي سنة واحدة خلافا لأكثر دول الخليج التي تعطي ثلاث سنوات إقامة عمل ويقوم الوافد بدفع رسوم الإقامة والفحص الطبي سنويا في قطر، أي أنه يدفع تلك الرسوم ثلاث مرات أكثر من الرسوم التي يدفعها الوافد في بقية دول الخليج، وهو تحت التهديد من عدم تجديد تلك الإقامة طوال فترة السنة، وإذا ما أراد وافد أن يغير عمله فليس له الحق في ذلك إلا بعد مرور ثلاث سنوات على إقامته في قطر وإذا حاول الحصول على نقل كفالة بعد جهد جهيد فإنه يبقى على إقامة وكفالة الكفيل القديم ويتم إعارته إلى صاحب العمل الجديد مقابل مبلغ يزيد على 800 ريال يدفعها العامل إلى الكفيل القديم، وتسمى تلك العملية بعملية الإعارة، أليست كل هذه الأمثلة هي اتجار بالبشر يا لجنة حقوق الإنسان القطرية؟ وأما إذا أراد المقيم في قطر أن يتمتع بإجازة فإن عليه أن يحصل على إذن المغادرة من الكفيل وإذن المغادرة هو عبارة عن ورقة عدم ممانعة من مغادرة قطر تكون موقعة ومختومة من قبل الكفيل يأخذها الوافد معه إلى مطار الدوحة ويسلمها مع جواز سفره إلى شرطة المطار للمغادرة، وإذا أراد الكفيل أن ينغص على المكفول إجازته فإنه لا يوقع بشكل صحيح مما يتم اتهامه بتزوير توقيع الكفيل من قبل شرطة الجوازات ومنعه من السفر وفي بعض الأحيان يتم إيداعه السجن لحين إثبات أن التوقيع هو للكفيل وغير مزور، وفي أحسن الأحوال يعود الوافد إلى كفيله في اليوم التالي لعدم تطابق التوقيع ويخسر بطاقة السفر ويبقى عدة أيام حتى يحصل على إذن المغادرة مرة ثانية وطبعا يخسر أيام الإجازة التي قضاها في الحصول على إذن مغادرة جديد وهي بدون راتب طبعا، ويشتري تذكرة طائرة جديدة، فأي نوع من الاتجار بالبشر هذا وأين حقوق الإنسان يا لجنة حقوق الإنسان القطرية؟ أما العمالة التي يتم اختيارها في قطر فأغلبها عمالة رخيصة من دول لا تتمتع عمالتها بالخبرات المطلوبة مثل النيبال وأجر العامل النيبالي الشهري هو 800 إلى 900 ريال، وهي لا تكفيه أن يأكل بها خلال الشهر، وهذا العامل يتمتع بإجازته السنوية كل ثلاث سنوات وفي حالات نادرة كل سنتين لأن صاحب العمل لا يريد أن يتحمل مصاريف السفر وراتب الإجازة، وأما حياة العمالة الوافدة في قطر فهي تعيسة للغاية ففي المنطقة الصناعية في الدوحة يتكدس عشرات الآف من العمال في بيوت بنيت على عجل أغلبها لا تتوفر فيها شروط الصحة والسلامة حيث ينام العمال في أسرة من ثلاث طوابق وهذا يعني أنه ينام في كل متر مربع واحد ثلاثة عمال وهم يطبخون وينامون في نفس الغرفة ويعملون في ظروف عمل قاسية تحت درجات حرارة مرتفعة والكثير منهم ينتحر بسبب تراكم الديون عليه أو بسبب تأخر دفع الرواتب، أو الاستقطاعات التعسفية، وقد كانت هناك بعض المحاولات الصحفية لكشف تلك الحقائق وخصوصا الصحافة الرياضية إلا أن ماكنة الدعاية القطرية التي تضخ الملايين كرشاوي كانت تمنع نشر تلك التقارير وتلك الرشاوي التي لم تتوقف وسائل الإعلام عن ذكرها وخصوصا حصول قطر على تنظيم 2022، والمضحك أن الحصول على عامل هندي في الدوحة في غاية الصعوبة لأنه عملة نادرة وممكن أن تدفع مبلغ يصل إلى خمسة عشر ألف ريال إلى كفيله السابق لكي يوافق على نقل كفالته إليك وهذا ما يعرفه كل من زار أو عمل في الدوحة لأن العامل الهندي راتبه أعلى بكثير من العامل النيبالي ولأنه يتمتع بخبرة أكبر ويتكلم اللغة الانكليزية.

 لا نريد أن نتكلم هنا عن حقوق الإنسان العراقي والسوري والمصري والليبي واليمني التي كان للمال القطري الدور الكبير في تدمير شعوب وحضارة تلك الدول لأن تلك الدول ليس لها حقوق في نظر نظام الحكم في قطر وأعطي هنا مثالا واحدا بسيطا فقط حول دور المال القطري في تدمير دول المنطقة هو مثال اليمن، فقد حارب الرئيس المعزول علي عبد الله صالح بجيش نظامي يقوم بدفع رواتبه ومخصصاته ويشتري الذخائر والأسلحة والمعدات خلال ثلاث سنوات وهو الرئيس المعزول وليس له ميزانية حكومية فمن أين يدفع رواتب جنوده ويشتري الأسلحة والذخائر؟ طبعا المال القطري هو شريان الحياة لعلي عبد الله صالح، لقد حارب الرئيس المعزول علي عبد الله صالح جيوش السعودية والإمارات والبحرين وقطر والأردن والسودان وخلال ثلاث سنوات بنفس الكفاءة والقدرة فهل نحن في فلم خيال علمي أم نحن في زمن المال القطري؟ فمن أين له ميزانية الحرب تلك وهو المعزول عن الحكم ؟

المفروض الآن أن يتم إحالة قطر إلى مجلس الأمن ووضعها تحت الفصل السابع لأنها من مول الارهاب الذي كان آخره المليارات التي دفعتها قطر إلى الميليشيات العراقية والإيرانية حتى يتم الافراج عن 26 قطري كانوا رهائن في العراق وإضافة إلى تلك المليارات قامت قطر عن طريق ذراعها العسكري في سوريا “جبهة النصرة” بالاتفاق مع النظام السوري بإخلاء مدينة الرستن وإجراء تغييرات طبوغرافية على الأرض وتبديل سكان تلك المدينة بسكان تم جلبهم بالإغراءات من إيران ليجعلوهم سورا أمنيا يحمي نظام الأسد وهذه بحد ذاتها جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي وحسب اتفاقية جنيف الموقعة سنة 1949، وقد قامت مصر بإبلاغ مجلس الأمن في بداية الأزمة القطرية عن المليارات التي دفعتها قطر للميليشيات العراقية والإيرانية في بداية الأزمة القطرية واعتبرتها تمويلا صريحا للإرهاب. إن المطلوب الآن أن تقوم قطر بدفع تعويضات لكل الملايين من ضحاياها الذين قتلتهم أو شردتهم الحروب التي تمت بواسطة المال القطري في البحرين والإمارات “خلال حرب اليمن” والعراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن وأن تقوم الدول الأوروبية بفرض عقوبات على قطر وحليفتها تركيا تتضمن تعويضات مالية وذلك لتدفق ملايين اللاجئين إلى أوروبا وأن تتحمل قطر وتركيا مصاريف هؤلاء اللاجئين.

والمطلوب الآن وبشكل مستعجل جدا محاسبة كل الدول والشركات التي تسترت وما زالت تتستر على قطر دفاعا عن الأموال التي تستثمرها قطر في تلك الدول وكما صرح سعادة السفير الإماراتي في موسكو قبل أيام أن أموال قطر الاستثمارية ملطخة بالدماء، حيث وصل حجم الاستثمارات القطرية في بريطانيا وحدها 40 مليار جنيه استرليني وتحولت تلك الاستثمارات تباعا إلى مظلة أمان للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وتمثل عوائد تلك الاستثمارات مصدرا رئيسيا لجبهة النصرة ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، وفي فرنسا اشترت قطر نادي باريس سان جرمان، واشترت بالمليارات فنادق وعقارات وعملت نفس الشيء في ألمانيا حيث اشترت حصصا كبيرة في أسهم شركة سيارات فولكسفاكن وفي دويتشة بنك وهذا ما جعل بعض السياسيين الألمان يطلقون التصريحات النارية دفاعا عن قطر.

بقلم: الباحث بسام شكري

Bassam343@yahoo.com

١٠ يوليو ٢٠١٧