من أين انطلقت شرارة تنظيم الدولة الإسلامية والتي تحولت الآن إلى العدو رقم واحد للحضارة العالمية؟، سؤال يطرحه الصحافيان الإسبانيان خافيير اسبينوزا ومونيكا ج. برييتو، من خلال كتابهما “بذور الكراهية: من غزو العراق إلى ظهور داعش”، الصادر عن دار بنغوين راندوم هاوس.

راكيل ميجل

مدريد – بعد عام واحد من اندلاع الصراع في سوريا وتحولها “بلد الأرواح المحطمة”، عاد الصحافيان الإسبانيان خافيير اسبينوزا ومونيكا ج. برييتو بالزمن إلى عام 2003، لكي يجترا من خبرتهما على الأرض ذكريات غزو العراق، والذي بدأت معه خطة زعزعة استقرار المنطقة، وزرع بذور تنظيم الدولة الإسلامية.

عاد اسبينوزا وبرييتو إلى تلك السنوات بحثا عن إجابة لمختلف الأسئلة والاستفهامات التي تطرح حول ما يجري اليوم في منطقة الشرق الأوسط وامتدت شظاياه إلى مختلف أنحاء العالم. وضمّنا الإجابة في كتاب يحمل عنوان “بذور الكراهية: من غزو العراق إلى ظهور داعش”، الصادر عن دار بنغوين راندوم هاوس، في العاصمة الإسبانية مدريد

تتحدث برييتو، في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية من مدريد، حول قراءتها لهذا الواقع معتبرة أن “غزو العراق كان القشة التي قصمت ظهر البعير، والتي لم يعد بعدها في قوس الصبر منزع بالعالم العربي، بعد أكثر من قرن من الخضوع للقوى الاستعمارية، والتي قسمت المنطقة من خلال حدود عشوائية، متبنية معايير مزدوجة تتضمن دعم أنظمة ساهمت في تعطيل حركة النمو الاجتماعي”.

وتضيف أنه “بعد نحو قرن من غرس بذور الغضب والكراهية في هذه الأرض، وما تضمنه من دعم لإجراءات وممارسات غير قانونية، نزع الغرب قناعه كاشفا عن وجهه القبيح ليعلن أن الغرض من تواجده في المنطقة هو الاستيلاء على البترول”.

ويتمثل الدليل الأول على ذلك في السياسة التي اتبعها الأميركيون، الذين تشدد برييتو على وصفهم بالغزاة. بعد استيلائهم على العراق أفسحوا المجال أمام انتشار الفوضى والعنف وأهملوا تماما توفير الأمن وهي مسؤولية يقع عبئها على كل قوة احتلال، وبدلا من فرض حظر تجوال وأحكام طوارئ، أفسحت المجال أمام أعمال السلب والنهب وأمور أخرى مروعة، ارتكبت بما تبقى من سلاح بين أيادي أبناء الشعب، دون أن تحرك ساكنا تجاه ذلك. وقد امتدت هذه الفظائع إلى نهب الحضارة العراقية وتراثها بصورة مستمرة وممنهجة.

كان صدام حسين قد أصدر قبل أيام قليلة من الغزو عفوا عاما عن الكثير من السجناء والمجرمين، وقد ساعد إطلاقهم في الشوارع على انتشار المزيد من الفوضى والعنف، في بغداد وضواحيها واستمرت حتى آخر أيام سقوط النظام وما أعقب ذلك من أحداث.

إلا أن أصعب قرار أدى إلى تدمير العراق بالكامل كان حل الجيش العراقي وتسريح وحداته، ليغرق العراق في مستنقع من انعدام الأمن والاستقرار. وكان الهدف الأول هو إدانة حزب البعث واجتثاثه من الحياة السياسية. واتبع ذلك بتفجير الصراع بين السنة والشيعة في العراق، وقد دفع السنة ثمنا باهظا لهذا الوضع. واتجه الكثير من قيادات الجيش وقيادات البعث، وكان غالبيتهم من غير المتدينين وحتى علمانيين، إلى الانخراط بقوة في تنظيم الدولة الإسلامية، بحسب الصحافيين الإسبانيين.

وتذكر برييتو أنه “كان للسجون والمعتقلات التي أقامها الاحتلال الأميركي للعراق، دور محوري في ميلاد تنظيم داعش، حيث تحولت إلى حاضنة لتجنيد عناصر متطرفي المستقبل. كانت تقام هناك مسالخ تعذيب وحشي لسجناء أدينوا بغير أدلة أو محاكمة، مما دفع الناجين منها إلى التفكير في أمر واحد فقط: الانتقام.”

وتوضح الكاتبة الصحافية الإسبانية أنه “قبل الغزو لم يكن للقاعدة أي وجود في العراق لكن بعد ذلك تلقى المعتقلون الذين تم تجنيدهم تدريبات على الأعمال القتالية المسلحة، فضلا عن تلقينهم عقيدة الجهاد والفكر المتطرف، وكان الأميركيون على علم بذلك، ولكنهم غضوا الطرف عن فكرة التصدي لخطر الإرهاب.”

ويؤكد اسبينوزا “لو تم وضع كتالوج يصور كيفية تدمير أمة، وخلق الفوضى وإحداث فراغ في السلطة، يتيح لأي جماعة أصولية انتهازه، ما كان يمكن تطبيق واحد بحذافيره خطوة بخطوة أفضل من ذلك”.”

في إجابة عن سؤال، هل كانت زعزعة الاستقرار متعمدة أو نتيجة لانعدام التخطيط، يقول الصحافي الإسباني “أيا ما كان، هذه لم تعد مسألة ذات أهمية، لأن الناتج كان كارثيا على منطقة الشرق الأوسط، وعلى العالم أجمع، لا زالت عواقبها الوخيمة تطال الجميع إلى الآن”.

عقب الغزو، عمل الأميركيون على تأجيج صراع آخر ذي طابع طائفي، كان مسكوتا عنه تماما في المجتمع العراقي الذي كان يؤمن بالتعددية والتنوع، وانطلقت شرارته لتصبح بؤرة الصراع الحالي في المنطقة.

ويقول العراقي أكرم علي، مترجم الصحافيين الإسبانيين في العراق، ويرافقهما حاليا في مدريد “قبل الغزو الأميركي للعراق لم تكن هناك أي مشكلة بين السنة والشيعة، أو أي مشكلة ذات طابع طائفي بين أتباع أي طائفة وأخرى.”

وبخصوص قرب الانتصار الوشيك على داعش في العراق وسوريا، يؤكد الكاتبان أن “معاقل داعش لا تعترف بحدود على الأرض، بل هي أيديولوجيا، ومن ثم فنحن أمام حرب أفكار”. في أي مكان في العالم يحدث فيه فراغ في السلطة وتعم الفوضى، تؤدي بالناس إلى الشعور باليأس، ستظهر جماعات تستغل هذه الظروف، مثلما يتكرر الآن في مناطق أخرى في آسيا، في إشارة إلى محاولات داعش اقتحام تايلاند وميانمار.

ويحذر المؤلفان من ربط الغرب بين داعش والدين الإسلامي، حيث يؤكدان أن “أكثر من 90 بالمئة من ضحايا داعش من المسلمين”، فيما يوضح اسبينوزا أن “الكثير من عناصر داعش في الوقت الراهن كانوا من العناصر الإجرامية سواء لصوص، مهربين أو تجار مخدرات، ولم تكن لهم أي علاقة في شبابهم بالمعتقدات الدينية أو الزهد الديني”.

ويخلصان إلى أن السبيل الوحيد للتصدي لهذه الأوضاع يبدأ بإقرار مراجعة تاريخية وإجبار المسؤولين عن الغزو على دفع ثمن أخطائهم. ومن ثم يحذر اسبينوزا من أنه “إذا كان الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش ممثلا للراية التي انضوى تحت لوائها داعش، أثناء الغزو، فبوسع الرئيس الحالي دونالد ترامب، صب المزيد من الزيت على النار، بمواقفه المتطرفة. ترامب لن يكون سببا في القضاء على داعش بل في ظهور نسخ معدلة من التنظيم المتطرف”.

رابط المقال بحريدة العرب: بذور الكراهية من غزو العراق إلى ظهور داعش

_113949_63