يعكس ما يشهده الداخل الإيراني من تناحر يتصاعد بين أطراف الصراع على المناصب والصلاحيات هشاشة النظام الإيراني وما يعانيه من تمزق هيكلي ورفض شعبي تزداد رسميته يوما بعد يوم، وذلك خلافا للصورة الزاهية التي يحاول بثها في الداخل والخارج، وادعائه بقوة وصلابة نظامه وقدرته على إدارة شؤون البلاد وتلاحم الشعوب الإيرانية من حوله، وربما يمكن التأكيد أنه كلما زادت خطابات قادة النظام الإيراني الشعبوية دل ذلك على هزلية ادعاء صلابة النظام وأن الوضع يزداد سوءا، لما أصبحت تعنيه هذه الخطابات من استهتار بعقول الشعوب الإيرانية والعربية.

ويكشف حاليا الجدال الواسع بين طرفي الصراع الإيراني حول اتفاقية توتال الفرنسية للطاقة خبايا وأسرار كثيرة تقدم الدلائل والبراهين على فساد مؤسسات النظام الإيراني وعدم صلاحيتها لإدارة البلاد، وتفضح كلا الطرفين وخاصة الحرس الثوري ورموز التيار المتشدد الذين انهالوا على حكومة روحاني مؤكدين وجود فساد ورشاوى كبيرة في اتفاقية توتال، الأمر الذي أجبر التيار الإصلاحي وحكومة روحاني بكشف المزيد أمام الشعب عن فساد الحرس الثوري وما يدور من فضائح في الاتفاقيات السرية التي وقعها وامتنع عن كشف مضمونها أمام الرأي العام.

وتشهد حاليا السماء الإيرانية تراشقا للاتهامات والانتقادات والمطالبة بكشف الحقائق التي تفضح كل أطراف الصراع في إيران، وفي الوقت الذي يطالب فيه المتشددون والحرس الثوري ووسائل إعلامهم الحكومة الإيرانية بنشر تفاصيل اتفاقية توتال التي عقدتها وزارة النفط الإيرانية مع شركة توتال الفرنسية، مؤكدين أن سعي الحكومة في إبقائها بعيدا عن الرأي العام يثبت وجود فساد ورشاوي كبيبرة، يهاجم الإصلاحيون وحكومة روحاني المتشددين والحرس الثوري خاصة ويطالبونه بالإفصاح عن مضامين وكشف تفاصيل الاتفاقيات النفطية التي وقعها الحرس الثوري ومقر خاتم الأنبياء زمن حكومة المتشدد محمود أحمدي نجاد وتقدم بمليارات الدولارات، حيث بقيت هذه الاتفاقيات قيد السر والكتمان، ولم يسمح بنشر تفاصيلها، ومثال عليها اتفاقية تنفيذ مراحل 15 و16 لحقل بارس جنوبي حيث كلف الشعوب الإيرانية أموالا طائلة زادت عن ستة مليارات دولار.

الهدف من شن الهجوم على حكومة روحاني بذريعة سرية اتفاقية توتال هو التضييق عليها وتقييد أنشطتها وعملها وخاصة في مجال عقد الاتفاقيات مع الدول الغربية، لكي لا يتسنى لها تحقيق المزيد من الانفتاح الذي قد يؤدي إلى إقصاء الحرس الثوري عن الاقتصاد وتعطيل مصالح رموز التيار المتشدد الذين هم في حالة اغتصاب كامل لثروات البلاد وأموالها، وعلى ما يبدو ومن خلال رصد يومي لصحيفة “كيهان” التابعة للمرشد الإيراني علي خامنئي ويترأسها المتشدد حسين شريعتمداري والتي انشغلت منذ فوز روحاني بفترة رئاسية ثانية بشن هجوم واسع على سياسة حكومته، فإن هذا الهجوم قد جاء من المرشد الإيراني أعلى سلطة في النظام.

هذه النقطة والتي هي من بين مئات النقاط التي تعتبر وقودا للصراع بين التيار الإصلاحي والمتشدد في إيران خاصة الاتفاق النووي والانفتاح على الغرب وسيطرة الحرس الثوري على الاقتصاد… تشير إلى أن إيران تتجه نحو التقسيم بين ما هو ثوري كالحرس الثوري والباسيج والأحزاب المتشددة، وبين ما هو غير ثوري كالتيار الإصلاحي وقاعدة الشباب الشعبية وحكومة روحاني، وذلك كمرحلة لاستمرار الصراع، وهذه المرحلة سيخسر فيها التيار المتشدد والنظام الإيراني الكثير من قاعدته الشعبية والرسمية ويصبح أكثر وهنا وضعفا، ويزيد من قناعة الشعوب الإيرانية في الإطاحة بالنظام لفسح المجال أمام تقدم البلاد، لذا يستميت كل طرف بتقليص نفوذ وشعبية الطرف الآخر عبر كشف الفضائح وتشويه صورة الآخر بإزاحة الستار عن ملفات فساد كبيرة أهدرت فيها أموال طائلة تورط بها كلا الطرفان.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

17 يوليو 2017