رغم أن ايران دولة نفطية غنية بالموارد والثروات، وتتمتع بأراض زراعية ولديها موقع استراتيجي يفسح لها مجالات وفرص في التجارة الدولية، غير أن سياسة نظامها القائمة حاصرت اقتصادها وأهدرت ثرواتها ما بين مشاريع تسليح فاشلة وحلم تصدير مشروع الولي الفقيه ودعم وبناء قدرات جماعات مسلحة متطرفة في المنطقة وداخليا نشر الفساد بهدف شراء الولاءات.

ما تقدم قاد البلاد إلى ضيق العيش وسوء الحال لدرجة عدم الاحتمال، وأصبح ما يزيد عن نصف الشعوب التي تقطن جغرافية إيران الحالية تعيش بين أضلع مثلث الفقر والبطالة والإدمان يضيق عليها يوما بعد يوم، حتى أصبح نحو نصف سكان إيران يعيشون دون خط الفقر، و75% من الذين يعملون بالأجرة يعيشون أيضا تحت خط الفقر، وأكثر من 30% من الشعب الإيراني، حسب منظمة الرعاية الاجتماعية، يعانون من الجوع ولا يجدون قوت يومهم، و25% من سكان المدن يعيشون في عشوائيات، و26% من الأسر التي تسكن في المدن ليس لديها أي دخل، وهناك نسبة كبيرة من الجياع في إيران لا يجدون خبزا للأكل، والأكثر من ذلك وجود مئات المشردين من الرجال والنساء والأطفال يعيشون داخل القبور.

نسبة الفقراء حاليا في إيران تزيد عن 40%، أي حوالي نصف سكان إيران يعيشون تحت خط الفقر، وأكثر من 11 مليون في فقر مدقع لا يستطيعون تأمين حاجاتهم المعيشية الأساسية، كالمواد الغذائية والسكن والتعليم والصحة والمواصلات وغيرها من الحاجات اليومية، ويقول الخبراء أن البلاد رغم فوز روحاني بولاية ثانية تتجه إلى مزيد من الأزمات، لا سيما أن معدلات النمو ستستمر في الهبوط تزامنا مع ارتفاع معدلات التضخم والبطالة.

وتزيد تصريحات المختصين الإيرانيين حدة التشاؤم القائم إزاء الاقتصاد الإيراني، ومنها ما نقلته صحيفة جوان الإيرانية نقلا عن “مسعود نيلي” المستشار الإقتصادي للرئيس روحاني الذي أكد أن القدرة الصناعية لإيران اليوم تضاعفت عما كانت عليه عام 2002، غير أن الطلب مازال على نفس مستوى ذلك العام، وهو ما أدى إلى تعطيل الكثير من الصناعات وزيادة معدلات البطالة، وأكد نيلي أن إيران تحتاج من 7 إلى 10 سنوات من أجل العبور من ركودها الاقتصادي، وانتقدت الصحيفة سياسة ونهج حكومة روحاني.

هذه التصريحات تكشف حقيقة خطيرة للغاية، تعني في مضمونها استمرار الركود الاقتصادي في إيران لما يقرب العقد من الزمن، ما يعني استمرار تصاعد معدلات الفقر والبطالة والإدمان، في وقت يحذر فيه المسؤولون والخبراء من خطورة الوضع الحالي وعدم قدرة الداخل على تحمل المزيد، ناهيك عن وجود تفشي فساد كبير يزيد من السخط الشعبي وينذر باندلاع ثورة جياع في إيران خلال أعوام، وهو ما أكده السياسي الإيراني البارز أحمد توكلي الذي صرح علانية أن النظام الإيراني الحالي في خطر السقوط بسبب الفساد الاقتصادي وانتشار الفقر والبطالة لدرجة الإشباع.

والسبب الرئيسي للفقر في إيران هو أن النظام والحرس الثوري ينفق المليارات من الأموال على تدخلاته العسكرية ودعم الإرهاب في دول المنطقة، ويسيطر الحرس الثوري على نحو 90% من ثروات وموارد البلاد، بينما تعيش الشعوب أسوأ الأحوال بسبب ارتفاع معدلات الفقر والحرمان والتشرد.

ووفقا للتقارير الاقتصادية الداخلية فإن التضخم الاقتصادي سيرتفع في عام 2017-2018م إلى نسبة 11.9%، ومعدل النمو الاقتصادي سينخفض في المرحلة القادمة إلى ما دون 3.3% ما يعني أن البطالة ستضرب أكثر من ثلث الشعوب الإيرانية 35%، ويقتحم الفقر المطلق أكثر من ثلثيها 70%.

وتتفاقم أزمة البطالة في إيران عاما بعد عام، وهو ما يدل على وجود خلل في إدارة البلاد في جميع المجالات ومن قبل كافة الحكومات التي نشرت العديد من الإحصائيات المرعبة عن هذه الأزمة و وضعت في مرات عديدة إدارة البلاد أمام تساؤلات عدة، وخاصة بعد وصول عدد العاطلين عن العمل في الوقت الحاضر إلى نحو 11 مليون نسمة، 25% منهم من فئة خريجي الجامعات، ونسبة البطالة تزيد عن 10%  بشكل عام، وفي بعض المناطق كالأحواز تتراوح ما بين 35 إلى 80%، ووصلت نسبة البطالة بين خريجي الجامعات إلى أكثر من 45%، و26% من مجموع الشباب في إيران يعانون من البطالة وينضم سنويا مليون شخص للعاطلين عن العمل في إيران، ما يعني أن الوضع الداخلي يتجه إلى الإنفجار، وفي غضون سنين قليلة سيصبح أكثر من نصف الشعب الإيراني ليس لديه أي عمل يعتاش منه.

وتعود أسباب ارتفاع معدلات البطالة بشكل رئيسي إلى تفشي ظاهرة الفساد بكافة أنواعه في مؤسسات النظام، والعقوبات وفرض عقوبات دولية على طهران بسبب سعيها للحصول على سلاح نووي، وإصرار النظام الإيراني على دعم الإرهاب وأدوات عدم الاستقرار في دول المنطقة، والتركيز الأساسي على التدخلات الخارجية وهدر الأموال، إضافة إلى اتباع سياسة التفقير التي يتبعها النظام في العديد من المناطق.

وفاقمت البطالة من حدة الفقر الذي اقتحم حتى الآن أكثر من نصف السكان، وسلبت ثقة الشعوب الإيرانية بالنظام وحكوماته، وزادت من معدلات الانتحار والطلاق، وتسببت البطالة في دخول 70% من السجناء الإيرانيين إلى السجون.

وتنضم البطالة إلى الفقر ليشكلا معا أزمات اجتماعية واقتصادية مزمنة أخرى كالإدمان بحيث تعتبر من أهم مهددات سقوط النظام الإيراني لكونها أصبحت تشكل تهديدا اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا وعائقا حقيقيا أمام أي تغيير نحو الأحسن، وخلقت أرضية خصبة لتفشي الجرائم وانتشار العصابات وامتهان السرقة والقتل، ومع فشل الحكومات في التخفيف من حدتها وما ستفاقمه من أزمات داخلية أخرى، يصبح من المؤكد أن تكون أحد مسببات ثورة عارمة تنهي النظام الحالي.

وتعتبر إيران من أكثر دول العالم إدمانا، وتحولت المخدرات إلى جيوش تغزو المجتمعات الإيرانية وتهدد نسيجها، وقد صدرت مؤخرا إحصائيات مروعة عن حجم انتشار المخدرات وارتفاع أعداد المدمنين عليها في إيران، وتوسعت دائرة الإدمان لتخترق حتى المدارس والجامعات والمنازل والسجون وتشمل كافة فئات وشرائح المجتمع من أطفال ونساء وجامعيين وتتسبب بموت 8 أشخاص يوميا، فما حقيقة المخدرات والإدمان في إيران وما نتج عنه من آفات بالأرقام والإحصائيات؟

يبلغ عدد سكان إيران نحو 79 مليون نسمة، أكثر من 6 ملايين منهم مدمنين على المخدرات، 65% من هؤلاء المدمنين مصابون بمرض الإيدز، و50% منهم مصابون بـالتهاب الكبد الفيروسي “سي”، وعدد المدمنين الذين ينامون في شوارع طهران ارتفع خلال فترة قصيرة من 120 ألفا إلى 150 ألف شخص، ويوميا يضاف ما بين 70 إلى 100 شخص لأعداد مدمني المخدرات في إيران، والأغرب أنه يولد يوميا طفلان مدمنان على المخدرات في طهران بسبب إدمان أحد الأبوين.

لذلك تعتبر إيران أكبر مرتع ومعبر للمخدارت في العالم وأكثرها استهلاكا له، حيث تستهلك سنويا 500 طن من المخدرات، أكثرها رواجا الميثامفيتامين، والأفيون، والهيروين، والحشيش، وهناك أنواع من المخدرات الصناعية تروج لها مافيا المخدرات كعلاج للإضطرابات النفسية والعقلية.

وحسب تقارير الحكومة الإيرانية فإن 8 أشخاص يموتون يوميا في إيران بسبب الإدمان على المخدرات بمعدل شخص واحد كل 3 ساعات، وضاعف انتشار الإدمان معدلات الجرائم بأنواعها، وساهم في غياب الأمن الإنساني والمعيشي، ووصلت نسبة المحكومين بقضايا تتعلق بالمخدرات إلى 50% من مجموع السجناء في السجون الإيرانية.

يتسبب الإدمان على المخدرات وشرب المسكرات في 26.5% من حالات الطلاق في إيران، والأخطر أن المخدرات اخترقت أسوار المدارس والجامعات ذكورا وإناثا، فهناك 1% من طلبة المدارس في إيران يتعاطون المخدرات، و6.2% من طلبة كليات العلوم، و6.1% من طلبة كليات الطب أيضا يتعاطون المخدرات، وهؤلاء كانوا يشكلون 3% من نسبة المدمنين فقط، ولكن الآن ارتفعت نسبتهم إلى 26% ووصل سن الإدمان بين الإناث إلى 13 عاما.

تتكبد الحكومة والشعب الإيراني خسائر بقيمة 3 مليارات دولار سنويا نتيجة الإدمان وتعاطي المخدرات، 47% من هذه الخسائر تطال المتعاطين، و24% من ميزانية الحكومة، و29% أضرار مجتمعية، في المقابل تجني تجارة المخدرات في إيران أرباحا تتجاوز المليار ونصف المليار دولار سنويا، ويعمل في هذه التجارة المدمرة نحو10 ملايين من الإيرانيين، وهناك أدلة على أن الحرس الثوري وفيلق القدس التابع له الذي يتزعمه قاسم سليماني يتولى الإشراف على عمليات تجارة وتهريب المخدرات وخاصة إلى العراق.

ووصلت درجة التفاؤل بالاقتصاد الإيراني وخاصة الإعلامي، وهو الأهم، إلى درجة الصفر، بحيث يحذر المختصون أن هذه الأزمات ستتفاقم بشكل ملموس وديناميكي في الفترة القادمة، وسيكون لانعكاساتها العامل الرئيسي في سقوط النظام الإيراني.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

18 يوليو 2017