إن التحرك لحل أي أزمة دون امتلاك مقومات الوساطة وحيادية المواقف ما هو إلى مضيعة للوقت وشراء للصيت وطلبا للشهرة وخداعا للعقول، ولا فائدة مرجوة منه، وهذا هو الوصف الواقعي لتحرك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كوسيط لحل الأزمة القطرية، وقيامه بجولة شملت ثلاث دول السعودية، الكويت وقطر، حيث أن الفشل كان عنوان هذا التحرك قبل إنطلاقه لأسباب عديدة وواضحة.

 إن  من أهم الشروط التي لا بد من توافرها في الوسيط هي الوقوف على مسافة واحدة من جميع أطراف الأزمة، والأهم من ذلك أن لا يكون الوسيط نفسه جزء من المشكلة، ويهدف من التحرك نحو الوساطة حل الأزمة وليس كسب الشهرة وأداء للأدوار، ويتمتع بحكمة سياسية ويحظى باحترام وقيمة دولية، وهو ما لا ينطبق تماما على الوساطة التي يقوم بها حاليا الرئيس التركي أردوغان لحل الأزمة القطرية، والذي أعلن عدم حياديته ووقوفه إلى جانب النظام القطري بل ودعمه له منذ بداية الأزمة، وأرسل ست دفعات من الجنود الأتراك حتى الآن إلى القاعدة التركية في قطر والذي وصل عددهم إلى عدة آلاف مدججين بالسلاح بعد أن كان عددهم لا يتجاوز 150 فردا، وذلك من أجل حماية أمير قطر في حال اندلعت احتجاجات غاضبة على سياسة البلاد تطالب برحيل النظام، أي أن أردوغان وقف مع النظام القطري ضد الشعوب العربية وأولها الشعب القطري الشقيق.

وبلا شك فإن هذا التصرف التركي يؤكد بشكل عملي أن إدارة أردوغان وحزبه الإخواني قد أصرا أن يكونا جزءا من المشكلة من خلال تقديم كافة أشكال الدعم المادي والمعنوي للنظام القطري لدفعه على الإصرار على مواقفه العدائية تجاه الأنظمة العربية وخاصة الخليجية، علاوة على أن أردوغان رفض أيضا مطلب الدول العربية والخليجية بإخراج القاعدة العسكرية التركية من قطر، والتي أسقطت أردوغان في ارتباك سياسي كشف ضعف الموقف التركي أمام الدول العربية والإسلامية، ليغطي ذلك الضعف بتصريحات متناقضة ادعى أردوغان  من خلالها أن هذه القاعدة هي لحماية دول مجلس التعاون الخليجي.

فوق ذلك ينتهج أردوغان سياسة عدائية تجاه دولتين من الدول المقاطعة وهي الإمارات ومصر، ويدعم أعمال العنف التي يتبناها تنظيم الإخوان في المدن المصرية، ويقف أمام جهود ومواقف الإمارات والسعودية والبحرين ومصر اللواتي تحاربن التنظيم الإرهابي، ولا يزال أردوغان يدعم بشدة أفكار وأنشطة الجماعات الإخوانية.

ما تقدم يعني بالضرورة أن وساطة أردوغان لحل الأزمة القطرية عقيمة ولا فائدة منها، وهو على علم بذلك، ما اضطره للتصريح بأنه لا يسعى هو لوساطة منفردة بل يدعم الوساطة الكويتية، وهدفه من هذا التصريح تعليق فشله على شماعة الوساطة الكويتية.

وما دفع أردوغان لهذه الوساطة هو موقعه المتأزم في الداخل وزيادة عزلته الإقليمية كنتيجة حتمية لإصراره على دعم الجماعات الإخوانية، فأراد من جولته هذه تحسين صورة النظام التركي والإيحاء للعالم بأن مواقفه حيادية ويسعى إلى إحلال السلام، لاسيما أنه يعلم أن من قام بهذه الوساطة دول شقيقة كالكويت ودول عظمى كالولايات المتحدة والدول الأوروبية ولم تأتي ثمارها بسبب العناد القطري، فكيف بالرئيس أردوغان أن يصل إلى نتيجة؟

أضف إلى ذلك، أن ما قام به أردوغان يصب في تأييد الموقف القطري ودعمه للإصرار على مواقفه، لأن النظام القطري أصبح ينظر إلى النظام التركي على أنه سند له وحامي لعرشه، ما يزيد العناد القطري أضعافا، ولربما كان الحديث بين أردوغان والمسؤولين القطريين من خلف الأبواب المغلقة يتركز على كيفية الصمود أمام المقاطعة أكبر وقت ممكن.

لكن ما جعل ذلك خفيا هو استغلالية الرئيس أردوغان للأزمات لجني المكاسب الاقتصادية، فأراد أن يقف مع قطر ويستغل أزمتها اقتصاديا في زيارته للسعودية والكويت، ووجود وزراء وشخصيات اقتصادية وتجارية في الوفد الأردوغاني أكبر دليل على ذلك، إضافة إلى مساعيه المستمرة في شق الصف العربي جاءت هذه المرة من خلال زيارته للسعودية ومحاولة إقناعها بالتخلي عن المطالب أو جزء منها كمحاولة لخلق خلافات بين الدول المقاطعة، غير أن الواقع يقول أن النجوم أقرب له من ذلك.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

25 يوليو 2017