لعل ما حدث من نزاعات بين الحوثي وصالح أوضح بشكل رئيسي أن طرفي الانقلاب لم يتفقوا منذ بداية مؤامرتهم، فكل منهم يحاول استغلال قوة الأخر للسيطرة على أهم المناصب والوصول للحكم ونهب الثروات، ومن أبرز الأدلة على إشتداد الخلافات وإحتمالية قيام معركة عنيفة بين الطرفين هي الإختلافات القائمة بين عناصر إعلام صالح وبين عناصر إعلام الحوثي في جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وجميع وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك الحقد الدفين والإرث العدائي المتبادل بين الطرفين، وخاصة بعد إندلاع عدد من الاشتباكات المسلحة بين كلا الطرفين في مناطق مختلفة بالعاصمة صنعاء وفي هذا التقرير سنتناول أبرز الخلافات القائمة بينهما.

خلافات إعلامية

استمرت حدة الخلافات تتصاعد بين طرفي الانقلاب في العاصمة صنعاء، واشتدت وتيرتها ووصلت في كثير من الأحيان إلى تبادل الاتهامات بين أنصار كلا الطرفين، نبرز منها على سبيل المثال لا الحصر، ما كتبه الإعلامي الحوثي أسامة ساري يتهم فيه حزب صالح بعرقلة إعلان الحكومة بسبب الخلاف على قيادة ما يسمى بالحرس الجمهوري، حيث واجه ردة فعل قاسية أيضا من قبل إعلام المخلوع صالح، واستمر تراشق وتبادل الاتهامات حتى وصلت إلى حد التهديد، وكشف إعلامي كلا الطرفين فضائح كبيرة في حق الآخر يمكن وضعها في عين الاعتبار وقت محاكمة المسؤولين عن الجرائم في اليمن من جماعة المخلوع والحوثي.

وكان مدير تحرير صحيفة الميثاق التابعة لصالح قد كتب منشورا هاجم فيه إيران واصفا إياها “بالملعونه”، وكان الهدف واضحا وهو مهاجمة الجماعة الحوثية المدعومة من الملالي في إيران، وقال كامل الخوذاني في منشوره الذي رصده “يمن24” أن اليمن لم تعرف الخير منذ دخول إسم إيران وتحالف الحوثيين معها، وكانت مثل هذه العبارات قد أثارت غضب جماعة الحوثي التي كثفت من هجومها وحربها الإعلامية ضد أنصار المخلوع صالح، وفي أول رد حوثي على تغريدات الخوذاني نشر الإعلامي الحوثي أسامه ساري وثائق قال إنها محاضر تحقيق سابقة تدين الإعلامي المؤتمري الخوذاني بسرقة مجلس الوزراء قبل أعوام حيث كان يعمل في سكرتاريته، وكان أيضا الهدف من ذلك تشويه صورة رجالات المخلوع صالح في الأوساط اليمنية وكسر قاعدتهم الشعبية.

وكان أسامة ساري قد قال إن الــ 27 وثيقة التي نشرها تدين الخوذاني بسرقته لمجلس الوزراء قبل أعوام، حيث تسلل إليه ليلا بمساعدة شقيقه الذي كان يعمل ضابط أمن في المجلس وقام بسرقة تلفون ومبلغ مالي وآلة حاسبة، وأضاف ساري أن الخوذاني تسلل أيضا إلى صالة اجتماع مجلس الوزراء وقام بسرقة “4 قلاصات” من الصاله.

واستمرت عملية تبادل الاتهامات وكشف المستور والفضائح بين الطرفين، حتى وصلت إلى بذاءة اللسان وتوجيه الشتائم واللعنات، وأصبحت العاصمة صنعاء مسرحا لقطبين إعلاميين يتراشقا التهم ويتبادلا كشف الفضائح.

أزمة عدم الثقة بين طرفي الإنقلاب

منذ بداية الإنقلاب، عملت جماعة الحوثي على القضاء على أي معارض لها سواء فردا أو جماعة، ومحاربة منتقدي انقلابها ضد الشرعية، وضربت بقوة لتمهيد الطريق أمام انقلابها وإقصاء وتهميش باقي أطياف المجتمع اليمني وحصر السلطة والأموال بيد أنصار الحوثي، وبعد تعرضها لرفض شعبي وقبائلي قويين عمدت إلى مضاعفة القتل والإعدامات والاعتقالات وزادت الشكوك وانعدمت الثقة لدى قيادات الحوثي تجاه الغير حتى وصلت إلى أنصار المخلوع صالح ما خلق بالفعل أزمة عدم ثقة بين الطرفين قادت إلى وقوع إشتباكات عنيفة بين الفينة والأخرى.

وفي الفترة الأخيرة، وبعد تعرضها لخسائر فادحة وهزائم كبيرة، وسّعت جماعة الحوثي من دائرة الاعتقالات لتتوجه صوب المتحالفين معها، وهي خطوة تكشف عن رغبة الجماعة في الانفراد بإدارة مؤسسات الدولة التي تخضع لسيطرتها، والغريب أن أوامر هكذا اعتقالات كانت دائما ما تأتي عقب خطابات الحوثي المتقيحة، والتي طالما تحدث فيها بإسهاب عن الطابور الخامس ومن يصفهم بالمنافقين والعملاء، لاسيما أن هذا الخطاب كان يكون موجها إلى المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثي والمخلوع، وكان المقصود بالطابور الخامس والمنافقين والعملاء هم أنصار المخلوع صالح، ما يعني بالفعل وجود حالة إنعدام كامل للثقة بين شريكي الإنقلاب.

تآمر كل طرف على الآخر

رصدت العديد من التقارير تورط كل طرف من أطراف الانقلاب في مؤامرات ضد الطرف الآخر، وقد تم الكشف عنها من قبل كل طرف لاستخدامها كورقة ضغط ضد الآخر ووسيلة لتشويه صورته، وتشير هذه المؤامرات إلى أنه لم يعد يحتمل طرفا التمرد وجود الآخر في مناطق سيطرته في اليمن، وكشفت مثل هذه المؤامرات ركاكة هذا الحلف وهشاشته.

وفي هذا الإطار نذكر على سبيل المثال لا الحصر ما كشفه عادل شجاع القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام، حزب المخلوع صالح، من أن الحوثيين جزء من مؤامرة كبرى على وحدة اليمن، بعد أن اختطفوا ما تبقى من الدولة، وأحلوا الفوضى وانتهكوا القانون وعطلوا المؤسسات، وجاءت مثل هذه التصريحات عقب قيام الميليشيات بإغلاق مبنى الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات في العاصمة صنعاء، ومنعوا الموظفين ورئيس الهيئة من الدخول، على خلفية محاولة جماعة الحوثي فرض قيادي بالجماعة رئيسا جديدا للهيئة ما اعتبره أنصار المخلوع صالح تآمرا وخيانة من جماعة الحوثي لهم.

وجاءت غالبية المؤامرات في إطار استمرار الصراع بين طرفي الانقلاب على المؤسسات، حيث يسعى كل طرف إلى السيطرة على أهم المناصب في المناطق التي تسيطر عليها قوى الانقلاب، وعادة ما يرفض الحوثيون توجيهات حكومة الانقلابيين تحت اسم المجلس السياسي، ومنها رفض الإبقاء على الرئيس السابق للهيئة العامة للتأمينات والمعاشات علي محمد الشعور، وإصرارهم على تعيين القيادي الحوثي عبد السلام المحطوري، الذي اقتحم الهيئة بنحو 20 مدرعة عسكرية وفرض نفسه رئيسا عليها بقرار من وزير الخدمة الحوثي طلال عقلان، في وقت كان فيه الموظفون ينفذون وقفة احتجاجية لرفض تعيينه، ما قاد إلى تصاعد أزمة الخلافات بين صالح وحلفائه الحوثيين بشأن المناصب، في المؤسسات الحكومية الواقعة تحت سيطرتهم.

وبعد أن كشف قيادي منشق عن جماعة الحوثي تفاصيل مؤامرة تقوم بها قيادات حوثية بقيادة عبدالخالق الحوثي، الشقيق الأصغر لزعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، للسيطرة على ألوية تابعة لقوات الحرس الجمهوري الموالي للمخلوع علي صالح، تصاعدت حدة الخلافات بشكل كبير بين الطرفين، وحدث توتر في الألوية التي تحاول جماعة الحوثي الانقلابية السيطرة عليها، في ظل رفض تام من قبل القيادات العسكرية لها بالتسليم لشقيق زعيم جماعة الحوثي، كما تحدثت العديد من التقارير عن تورط جماعة الحوثي بتصفية قيادات بارزة في قوات المخلوع صالح، وعلى رأسها قائد قوات الحرس الجمهوري اللواء علي الجائفي، الذي نجا من حادث تفجير قاعة صنعاء، ولكن تمت تصفيته في المستشفى.

وفي أكثر من مرة وصل الخلاف بين طرفي الانقلاب إلى درجة تعالت معها أصوات العديد من قادة حزب المؤتمر الشعبي العام، الذي يرأسه الرئيس اليمني المخلوع علي صالح، للمطالبة بفك الارتباط بالحوثيين، بفعل ممارسات الإقصاء والتهميش التي تمارسها ميليشيات الحوثي قادة الحزب وعناصره، والاستحواذ على موارد الدولة، وتنفيذ عمليات اغتيالات والتورط في مؤامرات ضد أنصار المخلوع صالح، في المقابل استغلت جماعة الحوثي مثل هذه الدعوات لتفعيل حالة الطوارئ وتطهير مؤسسات الدولة ممن سمتهم الخونة والعملاء، في إشارة إلى بعض قيادات أنصار المخلوع.

واستمرارا لمسلسل المؤامرات، تم الكشف في أحد الحلقات عن سعي جماعة الحوثي إلى توريط حزب المؤتمر الشعبي العام في إصدار بعض القوانين والقرارات الخطيرة عبر مجلس النواب، مثل قانون الطوارئ، ومشروع قانون الخدمة العسكرية الإلزامية لخريجي الثانوية العامة، وإصدار قرار ببقاء اللجان الثورية الحوثية في المؤسسات الحكومية والمحافظات وتفعيل نشاطها وغيرها.

ضغوطات لفك التحالف مع الحوثيين

يتعرض المخلوع صالح لضغوطات كبيرة لاسيما في الآونة الأخيرة من قبل قيادات تابعه لحزبه ونشطاء وإعلاميين من أجل فك ارتباطه مع جماعة الحوثي وإنهاء هذا التحالف الصوري الذي أضر بالجميع، ولم يحقق سوى أهداف وأجندات الملالي في إيران، وفي الوقت الذي سعى فيه صالح لتبرير تحالفه مع الحوثي، بأن هذا التحالف يضمن بقاء الحزب وقياداته وعناصره بمختلف مؤسسات الدولة، حمله الجميع وزر ما ارتكب من أخطاء كارثية تسببت فيها جماعة الحوثي بمشاركة وضمن مسؤولية صالح وحزبه، ما يعني أن هذا الحزب وقياداته قد اشتركوا في الجرائم التي ارتكبت في حق اليمن، وإذا ما انهارت جماعة الحوثي ستصبح هذه القيادات ضحية سلوك الحوثي والإيراني في اليمن.

وبعد أن أزاح صالح الستار عن أهداف تحالفه مع الحوثي وعلى رأسها ضمان موقع لحزبه في أي تسوية سياسية في المستقبل، على اعتبار أن النصر سيكون حليف أطراف الانقلاب، بدأت جماعة الحوثي تقتنص الفرص لحيك المؤامرات ضد صالح، ومحاولة استدراجه إلى جرائم ضد اليمنيين لتحميل القوات التابعة له مسؤولية الجرائم في اليمن، وفي الوقت نفسه تعمل على تهميش كل من تبع صالح وإقصائه عن أي منصب حساس أو قيادي في المناطق التي يسيطر عليها الانقلابيون.

من هنا بدأت قيادات صالح تعارض التحالف مع الحوثي، وتؤكد أنها تحكم سيطرتها على السلطة، ولا تتيح لممثلي المؤتمر أي فرصة للقيام بدورهم، وأن قيادات الحزب المشاركة في الحكومة والمجلس السياسي، تتعرض للمهانة والإذلال على أيدي المشرفين الحوثيين، وأن عناصر الحزب يقصون من غالبية الوظائف القيادية، وفوق كل ذلك يتهمهم زعيم الميليشيات بأنهم طابور خامس وخونة وعملاء ويجب تطهير مؤسسات الدولة منهم، ما يعني أن كل الأهداف التي دفعت لتحالف المخلوع صالح مع الحوثيين لم يتحقق أيا منها.

وبعد اقتناع صالح بخيانة الحوثي له وأن من تحالف معهم ضد الشرعية أصبحوا يعملون بشكل حثيث للانقلاب عليه وعلى حزبه وأتباعه، اشتد الخلاف والانقسام بين طرفي الانقلاب، وعقد صالح العديد من الاجتماعات اقتصر حضورها على القيادات العليا في الحزب لبحث سبل فك التحالف مع الحوثيين، مؤكدا أنهم عدو حقيقي لهم، وأنه يعد العدة بهدف مواجهتهم، ما استدعى تدخلا إيرانيا لرأب الصدع بين أطراف الانقلاب حتى لا ينهار المشروع الإيراني في اليمن.

ومازالت كرة الخلافات والانقسامات بين الطرفين تتدحرج بسرعة عالية، ومن المرجح أن ينهار هذا التحالف بأقرب وقت وبصورة مفاجئة وسريعة، فهناك مؤشرات على استعداد كلا الطرفين للانقضاض على الآخر، حتى يمكن القول أن العداء بينهم قد وصل إلى نقطة اللاعودة، ما يبشر بقرب انتصار الشرعية وهزيمة الحوثي والمخلوع وإيران في آن واحد.

تصاعد الاشتباك المسلح

لاتزال رقعة الخلافات بين طرفي الانقلاب تتسع يوما بعد يوم، ووصلت في مرات عديدة إلى اشتباك مسلح يشغل كلا الطرفين بإحصاء قتلاه ومعاودة التخطيط مرة أخرى للانتقام من خصمه، وشهدت العاصمة صنعاء خاصة في الجنوب مواجهات عنيفة بين ميليشيات طرفي الانقلاب على خلفية قيام مجاميع مسلحة حوثية بمحاصرة أحد مشايخ قبائل بلاد الروس الموالي للمخلوع مختار القشيبي، واستخدم في هذه المواجهات كافة أنواع اﻷ‌سلحة الخفيفة والمتوسطة، ما أدى إلى إثارة الرعب في أوساط المدنيين في الحي، وسقوط العديد من القتلى المدنين،

وبعد اندلاع الاشتباكات المسلحة بين المخلوع وصالح فإن الخلافات بينهما تكون قد وصلت إلى مرحلة اﻻ‌نفجار، وانهيار هذا التحالف واندﻻ‌ع المواجهات لطرد الحوثي من صنعاء باتت مسألة وقت لاسيما أن القبائل اليمنية رأت أن المشروع الحوثي وصالح هو عبارة عن مؤامرة تقودها إيران ضد اليمن للسيطرة عليها وسلب خيراتها واتخاذها مركزا لشن هجمات تخريبية وإرهابية ضد الدول العربية وذلك بعد نجاح مخطط يهدف إلى تفكيك الكيان القبلي للدولة اليمنية والقضاء على رموزها واستبدالها بعناصر موالية للحوثي والملالي مستعينة بخبراء من إيران وحزب الله في إدارة الصراع الداخلي مع حليفها وعدوها القديم من جانب و الشعب اليمني والشرعية من جانب آخر.

استمرار الاختلافات والاتهامات المتبادلة

تفجرت من جديد الاختلافات والاتهامات المتبادلة بين أطراف الانقلاب عقب إحالة برلمان الانقلابيين قياديين حوثيين للمحاكمة، وذهب الحوثيون في ذلك إلى أبعد من مجرد اتهام المخلوع صالح بالخيانة، بعد توجيه تحذير شديد اللهجة بعواقب ما أسموها مصالح آنية وضيقة والمقصود بها مصالح خاصة بحسابات صالح بعيدا عن شراكتهم معهم، ما يوحي بقرب انتهاء علاقة المصالح المتبادلة بينهما.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

27 يوليو 2017