لعبت قطر دوراً كبيراً في بث الفوضى السياسية في العالم العربي، بعد تبنيها العلني لما سمي بثورات الربيع العربي التي تحولت إلى خريف إسلامي، تحت وصاية قطرية، ولكن دورها المشبوه انكشف خاصة بعد فشلها في تحويل المنطقة إلى دول تخضع لسيطرة الإسلاميين ممن كانت تدعمهم، وهي التي كانت تراهن عليهم سياسيا حيث اختارت أن تكون في موجة مختلفة وشاذة عن محيطها الخليجي والعربي، ما جعلها معزولة في المنطقة، ورغم انكشاف ما كانت تطمع فيه لتنفيذ مخططاتها الرامية إلى تفتيت المنطقة وتقسيمها، وفق ما تقتضيه مصلحتها في تنفيذ أجندات خارجية، فإن جميع محاولاتها باءت بالفشل.
أجندات الدوحة وسياساتها الغامضة في المنطقة كانت محور كتاب «أحْلامُ العظَمَةِ القَطرِيَةِ» (مِيراث مِن الفضائِح للثَالوث الحَاكم) للكاتب الصحفي شريف تغيان، الصادر عن «دار بيسان» للنشر والتوزيع والإعلام – بيروت، الذي كشف فيه حقيقة الدور القطري المشبوه في تنفيذ المخططات «الإسرائيلية» بالمنطقة العربية، فضلا عن الكشف عن بعض الأسرار الممنوعة عن دور قطر وذراعها الإعلامية «الجزيرة» في بث الفوضى والتحريض الإعلامي، وطبيعة علاقة النظام القطري بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين. وعن أجندات قطر والدور الذي تلعبه في المنطقة، يأتي هذا الكتاب في ثمانية فصول، يحاول المؤلف عبرها كشف المخطط الذي صاغته أمريكا بدقة.
كانت الفكرة الأساسية للاعتماد على قطر أن تكون هي «الجوكر» الذي يقوم بدور السمسار السياسي في المنطقة لمصلحة الغرب وربيبته «إسرائيل»، وحتى يتم هذا الدور بنجاح، فقد حدّد الهدف الأساسي بتقزيم دور الدول الكبرى في المنطقة العربية مصر والسعودية وسوريا، سواء في عصر قيادتهم الحاكمة قبل ثورات الربيع العربي (مبارك – عبد الله – بشار) أو العصر الذي يليه، وبذلك ينقل مركز الثقل العربي من القلب إلى الأطراف.

وجاء في كلمة الناشر: كانت الأفكار التي صدرتها قطر عبر دوائر معينة إلى الشباب المصري تحديداً، معقولة في السياق الداخلي لكل دولة، لكنها كانت مخبولة من حيث خروجها من دولة تقع على أرضها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، كما أنها تغازل «إسرائيل» غزلا صريحا لا عفة فيه، وفي الوقت نفسه تداعب إيران مداعبة الخلان، كما أنها تقف مع دولة عربية أو نظام حاكم ثم تنتقل إلى عكس مواقفها تماما، وفقا للتعليمات التي تأتيها من مراكز صنع القرار الدولي، وتمشيا مع طبيعة السمسرة السياسية التي لا تتوقف بدءًا من المجالات السياسية وتصدير الغاز، وصولا إلى المجالات الرياضية، حيث منحت الدوائر العالمية قطر حق تنظيم كأس العالم في 2022 دون أن تستحق أو تكون مؤهلة لذلك على الإطلاق.

النموذج «الإسرائيلي»

يقول الكاتب: هذا الدور الخطر الذي تضطلع به قطر في تسويق الاستراتيجية الغربية والعمل كقفاز يخفي القبضة الضاربة، كان سيصطدم بالإمكانيات المحدودة لقطر، لولا الخطة الجهنمية التي طبقتها القيادة القطرية بدعم صهيوني واضح والمتمثل في إعادة تطبيق النموذج «الإسرائيلي» في هذه الدولة الخليجية الصغيرة.
وهكذا فإن الدور القطري يشكل في أحداث المنطقة ظاهرة أو حالة تستحق الوقوف عندها وتحليل أبعادها وجوهرها الحقيقي، لأن الدور الذي تلعبه لا يتناسب البتة مع حجمها ومكوناتها البشرية والجغرافية وطبيعة التحديات التي يمكن أن تواجهها.

دور خطر

ورغم اقتناع المؤلف بالرسالة التي حاول تقديمها من خلال نشر كل الحقائق الممكنة عن حكام دولة قطر، فإنه اعترف بأن ما خفي كان أعظم، مؤكدا أن لدى هؤلاء خفايا أكثر بكثير مما تسنى له التوصل إليه، واحترامه الكامل للشعب القطري الذي لا ذنب له في ما يأتيه حكامه في حقه وفي حق شعوب المنطقة.
وعن الفصول الثمانية التي تضمنها الكتاب، يأتي الفصل الأول بعنوان «قطر ما بين الماضي والحاضر – تاريخ من الغموض والانقلابات والخيانات» ويقدم المؤلف من خلاله لمحة عن نشأة قطر وتطورها (تاريخها – أصولها القبلية – تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديمغرافي – قدرتها العسكرية)، فضلا عن كشف حقيقة نسب حكام قطر بالوثائق التاريخية، وليس عبر كتاباتهم ووثائقهم الملفَّقة.
ويتحدث الفصل الثاني «حكم الثالوث: حمد – موزة – حمد.. مشوار من الصراعات والمؤامرات والفضائح»، عن كل شخصية من أطراف هذا الثالوث الحاكم، ودور كل منهم ومسؤولياته في حجم المؤامرة التي يشاركون فيها لمصلحة أصدقائهم «الإسرائيليين»، وقد أخذ حمد بن جاسم حيزا كبيرا من هذا الفصل، لأهمية دوره في تلك المؤامرة.
أما في الفصل الثالث «صعود القزم دوليا وأفول الديمقراطية داخليا»، فيكشف المؤلف المفارقة في المتاجرة بإعلان الرعاية القطرية الحصرية لثورات الربيع العربي ودعمها بثروات وهبات قطرية، وحشد المجتمع الدولي خلف توصيات وقرارات حمد بن جاسم في التعامل مع الشؤون العربية من تونس ومصر مرورا باليمن وليبيا وانتهاءً بسوريا، فضلا عن رصيد كبير من التدخلات القطرية لعقد المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس والمصالحة في لبنان وغيرها الكثير.

تناقض كبير

يقول تغيان: المفارقة فعلاً هي أنه يعاب على الدولة التي تدعي أنها قادت الصراع بين الحداثة والتقاليد في الخليج أنها لا تزال متأخرة سياسيا بخطوات، فالديمقراطية التي ينص عليها الدستور القطري ممنوعة من التداول في الأوساط القطرية.
أما الطامة الكبرى التي تسعى إليها الطبقة الحاكمة بكل ما أوتيت من قوة وإرادة للتخلص منها، فهي أن حرم أمير البلاد لا تزال تلقب بالشيخة، بدلاً من أن تحمل اللقب ذاته الذي يحمله زوجها على غرار النظم الحاكمة في الغرب.
ويجيب المؤلف في الفصل الرابع «الجزيرة.. كرباج قطر – مصدر الشرعية الأساس لحكم الأمير» عن سؤال كيف
استطاعت قناة «الجزيرة»، أن تخلق مكانة إقليمية ودولية فاعلة لدولة قطر تفوق حجمها السياسي ومكانتها التاريخية، ويصل من خلال الإجابة عن هذا السؤال إلى حقيقة تؤكد أن قناة الجزيرة تعبير صادق عن حالة الشيزوفيرنيا الحاكمة في قطر.
ويطرح الفصل الخامس عنوانا على صيغة سؤال هو « صفقات مشبوهة – لماذا اختارت الاستراتيجية الغربية القفاز القطري؟»، ويحاول المؤلف به استكشاف الدور الخطر الذي تضطلع به قطر في تسويق الاستراتيجية الغربية والعمل قفازا يخفي القبضة الغربية الضاربة، الذي كان سيصطدم بالإمكانيات المحدودة لقطر، لولا الخطة التي طبقتها القيادة القطرية بدعم «إسرائيلي» واضح يتمثل في إعادة تطبيق النموذج «الإسرائيلي» في هذه الدولة الخليجية الصغيرة.
ويوضح المؤلف أن «إسرائيل» رغم احتلالها أجزاء من الأرض الفلسطينية، فإنها نجحت في أن تتحول إلى قوة لا يستهان بها رغم صغر مساحتها، من خلال ثلاثة عناصر هي قوة المال وقوة الإعلام والاعتماد الكلي على القوة العسكرية الأمريكية.
من هنا تحولت قطر الصغيرة إلى مخلب يمكن أن يجرح بإعادة تطبيق النموذج «الإسرائيلي»، حيث وضعت عوائد الغاز والاستثمارات الغربية الضخمة في هذا البلد الصغير إمكانات مالية ضخمة بين يد قادته.

أسرار وفضائح

وهكذا فقد قام القطريون بدورهم بالطريقة المناسبة لهم التي رسمها الغرب، فصارت الدوحة قبل الثورات العربية وبعدها، تلعب دور الراعي الحصري والرئيسي لتيار الإسلام السياسي الذي اكتسح الانتخابات البرلمانية من المغرب إلى اليمن ومصر. حيث إنها تقدم تمويلاً مباشراً لحركة حماس في فلسطين، وحركة النهضة في تونس والإخوان المسلمين في مصر في سعي مباشر إلى مد نفوذ التيارات الإسلامية في المنطقة.
أما الفصل الثامن والأخير «الدولة المكروهة رقم (1) داخل بلدان الربيع العربي – فضائح قطرية وخلافات عربية»، فقد أورد فيه الكاتب ما أسماها فضائح قطرية بالجملة من ويكيليكس إلى حقيبة القذافي، فضلا عن الكشف عن أسرار الخلاف القطري مع السعودية والإمارات وموريتانيا، وفضح الدور القطري في مشروع تقسيم السعودية، ونشر وثائق تكشف خفايا تصفية المقاومة العراقية، ومحاولات تونس لخلع العباءة القطرية، وأخيرا نقل صوت المعارضة القطرية.
قطر حاولت أن تكون معبراً ل«إسرائيل» إلى دول الخليج
يكشف الفصل السادس الكثير من خفايا تنامي العلاقات «الإسرائيلية» مع قطر، وقد حاول الكاتب من خلاله الكشف عن محاولات قطر للعب دور الجسر أو النافذة التي تتسلل من خلالها «إسرائيل» إلى باقي الدول الخليجية، والتطرق إلى قضية لغز الغاز القطري الذي تحول إلى قضية أمن قومي ل«إسرائيل».
وفسر المؤلف أن مدى ولع حكام قطر بالنموذج «الإسرائيلي»، راجع إلى اكتشاف الساسة القطريين أن «إسرائيل» هي إعلام ومال ورعاية غربية، طارحا مجموعة من الأسئلة التي تفضي إلى كشف الترابط بينهما من قبيل: لماذا لا يكونون هم كذلك ما داموا يمتلكون المقومات نفسها التي تؤهلهم؟ والسؤال هنا هل أخطأ الساسة القطريون في هذه القراءة أم لا؟ وهو سؤال قابل لأكثر من إجابة أو وجهة نظر، حسب الكاتب الذي يعتقد أن الساسة القطريين وقعوا في مقاربة خاطئة وقراءة مقلوبة للواقع.
ف «إسرائيل» تمتلك قوتها من تمركزها في البنية السياسية والاقتصادية والإعلامية الغربية تحديدا، بل تشكل أحد أهم مدخلاتها ومخرجاتها، فضلا عن أن الحالة اليهودية تشكل جزءا مهمّاً من الذاكرة الجمعية الغربية في سردية تاريخية تعود نقطة البدء في تشكلها إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة؛ فالبعد الروحي مكون أساسي في النظرة الغربية إلى هذا الكيان ليأتي الدور الوظيفي ملتحقا به، فالمساحات المشتركة بين «إسرائيل» والغرب لا تتوافر إطلاقا بين الغرب بجناحيه، وإمارة قطر دون الإشارة إلى بنية «إسرائيل» وطبيعتها ومقوماتها، وما تمتلكه من إمكانات وفارق تقني ومعرفي قياساً على الحالة القطرية ذات التصميم الاستهلاكي وغير المنتج بالمعنى الحضاري.
ويحتوي الفصل السابع «يد العون القطرية لإزاحة الحكام العرب – الثورات العربية في الأجندة القطرية»، على رؤية لاستراتيجية قطر في الفوضى الجيوسياسية العربية والتقاطعات «الإسرائيلية» – الإيرانية في الأجندة القطرية.
ويشرح المؤلف بالقول: نتابع من خلال الفصل التحول في نبرة الأمير القطري وهي تتغير من الحياد التام إلى الغطرسة البالغة بعد ثورات الربيع العربي، كأنه صانعها أو صاحب الفضل فيها أو على الأقل الوحيد الذي يجني ثمارها، فما الذي تغير إذن؟ وكيف انقلبت القوة القطرية «الناعمة» من إعلام ومال، إلى الغطرسة والتنمّر اللتين يمارسهما حكامها مع أعتى القوى العظمى في العالم؟
ووضح تغيان أن فكرة الصلف والغطرسة القطرية كانت مثار قلق لكثير من الثوار والشخصيات العامة والمفكرين والمسؤولين والدبلوماسيين العرب، بعد ثورات الربيع العربي، وهو القلق الذي عبر عنه وزير الخارجية الإسباني السابق ميجيل أنجيل موراتينوس الذي أقلقته كذلك عدوانية قطر في التعامل مع العالم.

نموذج «إسرائيلي»

كشف الكاتب عن الفلسفة التي دفعت الدوائر الصهيونية إلى الاعتماد على قطر، كونها دولة صغيرة جغرافياً مثل «إسرائيل»، ومن المهم أن تضرب مثلا على قدرتها على قيادة المنطقة، ليصبح الدور الذي تحرص «إسرائيل» على لعبه في المنطقة مقبولاً، فكان السلاح الأساسي الذي استخدمته قطر في تحقيق دورها هو الإعلام، عبر قناة الجزيرة. أما السلاح الثاني فهو المال، والشاهد أن الأموال تدفقت على بعض القطاعات في تونس ومصر، ومنها بعض دوائر الشباب تحت مسميات براقة مثل «تشجيع الديمقراطية» و«الإطاحة بنظامي بن علي ومبارك الفاسدين» و«تغيير الأنظمة العربية القمعية».

سمسار سياسي

كانت الفكرة الأساسية تتمثل في الاعتماد على قطر التي تحولت إلى القيام بدور سمسار سياسي في المنطقة لمصلحة الغرب و«إسرائيل». وحتى يتم هذا الدور بنجاح، فقد حدّد الهدف الأساسي بتقزيم دور الدول الكبرى في المنطقة العربية كالسعودية ومصر، وبذلك ينقل مركز الثقل العربي من القلب إلى الأطراف.

بطاقة تعريف الكتاب:

اسم الكتاب: «أحْلامُ العظَمَةِ القَطرِيَةِ» (مِيراث مِن الفضائِح للثَالوث الحَاكم)

المؤلف: الكاتب الصحفي شريف تغيان

دار النشر: «دار بيسان» للنشر والتوزيع والإعلام – بيروت

رابط المقال في جريدة الخليج الإماراتية: الدوحة الراعي الحصري والرئيسي لتيارات الإسلام السياسي