المبحث الثاني

أثر التشيع والتغلغل الإيراني على الاندماج الوطني في المجتمع الأوروبي

الحضور الإيراني في أوروبا هو حضور ناعم وتدخلها في الشؤون الأوروبية غالباً ما يكون عبر مؤسسات وجمعيات شيعية تضمن بقاءها وتؤثر على القرارات السياسية، حيث يختلف الدور السياسي للشيعة في أوروبا عن دورهم في العالمين العربي والإسلامي، حيث تحرص إيران على التغلغل في أوروبا من خلال التشيع ووسائل الإعلام بدون صدام مع هذه الدول، وإنما التأثير على قراراتها وتحييد موقفها في صراعاتها مع الدول العربية، بل هي تعمل على إظهار الوجه الحسن والترويج لسياستها في منطقة الشرق الأوسط، بينما هي في الواقع تعتمد في الدول العربية على زعزعة الاستقرار من أجل تنفيذ مشروعها والهيمنة السياسية على المنطقة العربية.

أولاً: إيران والتنظيمات الشيعية في أوروبا:

يلاحظ من دراسة التغلغل الشيعي في أوروبا أن الشيعة لا يصطدمون مع الغرب، ولا يتأثرون بهم، بل يعملون بطريقة ذكية عبر العمل الجمعوي، ويتوددون ويتقربون من الليبراليين ليشكلوا لهم غطاءً. ومن خلال التغلغل الهادئ ونسبتهم الضئيلة لا يلتفت إليهم الغرب، برغم قيام حزب الله اللبناني بعمليات إرهابية في بعض البلدان الأوروبية، تحت غطاء المقاومة والممانعة، وغيرها من المصطلحات التي يروّج لها لتبرير الإرهاب، ونجد أن مجلس علماء الشيعة في أوروبا يقوم بدور سياسي لخدمة السياسة الإيرانية، وبالتحديد الضغط على دول مجلس التعاون الخليجي، وتحريف الأخبار المتعلّقة بمحاكمات عناصر وميليشيات شيعية ثبت بالأدلة والقرائن تورطها في عمليات إرهابية، وتحاول الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقديم نفسها للأوروبيين كنقيض للجماعات الجهادية التي تمارس العنف.

ففي فرنسا ينتظم الشيعة في عدد من التنظيمات الشيعية التي تلعب دوراً في خدمة المصالح الإيرانية، وتلعب ورابطة الطلاب المسلمين الإيرانية في فرنسا” (L’Association des étudiants musulmans iraniens en France) دوراً هاماً في نشر التشيع، وكذلك المركز الثقافي الإسلامي في شارع جان بارت Le centre culturel islamique de la rue Jean-Bart، الذى أغلقته السلطات الفرنسية في يوم 23 ديسمبر 1983، وتم طرد ثلاثة دبلوماسيين مرتبطين بهذا المركز في وقت لاحق، بالإضافة إلى جمعية (Durant-S Ouffland ) ورابطة الطلاب الإسلامية في فرنسا (l’association des étudiants islamiques en France)، والجمعية الاسلامية للطلاب الإيرانيين في فرنسا (l’Association islamique des étudiants iraniens en France”)، وجمعية الطلاب الإسلاميين في باريس (‘Association des étudiants islamiques à Paris)، ويؤكد تقرير أمني فرنسي أن 150 إلى 300 شخص من الطلاب قد تم إرسالهم من قبل إيران لأغراض سياسية، وهذا يعني أن هولاء الطلاب قد سعوا إلى العمل على تصدير الثورة الإيرانية، حيث تأثر عدد قليل من الفرنسيين بهم، وقد أشارت بعض التقارير الفرنسية الرسمية إلى وجود المساجد الشيعية المرتبطة بالسفارة الإيرانية في باريس في نانت، غرونوبل، كاين، مونبلييه ونانسي، وارتباط الأئمة المؤسسين بالسفارة الإيرانية[1]..

وفي ألمانيا، يقوم “الاتحاد الشيعي في ألمانيا” بدور سياسي لخدمة الأجندة الإيرانية، وهو المنظمة الرئيسية للشيعة، وقد تأسس في عام 2009، ويمثل الطوائف الشيعية الإيرانية والعراقية واللبنانية والباكستانية والأفغانية والألمانية والتركية في ألمانيا، وقد أصدرت لجنة الاتحاد الشيعي في ألمانيا بياناً في فبراير 2015 تعرب فيه عن تقديرها وامتنانها لعلي خامنئي ووعد بإرسال رسالته إلى المسلمين وغير المسلمين في ألمانيا، ويظهر هذا البيان بوضوح وبصورة علنية أن المنظمة الشيعية في ألمانيا ترى نفسها كمؤسسة تعمل تحت قيادة المرشد الأعلى الإيراني، وقد دلل هذا البيان على الولاء لخامنئي الذى يعني الكثير من الدلالات الهامة، منها توفير المعلومات، وتعيين الأئمة للمساجد، ودعم سياسات إيران، والضغط على ألمانيا، والدعاية النشطة، وما إلى ذلك، وفي عام 2006 تظاهر الشيعة ضد دعم ألمانيا للحملة الإسرائيلية ضد حزب الله، وفي 17 في مايو 2014، عارض الشباب الشيعة الذين يدعمون حزب الله المظاهرات التي اندلعت ضد النظام في سوريا، والتي نظمتها الجالية السنية في أوروبا. وأظهر الشيعة عنفاً طائفياً غير مسبوق، وكشف ذلك عن الثقافة الطائفية التي ترعرعت في ألمانيا برعاية إيرانية [2]..

وينتظم الشيعة في ألمانيا في عشرات من المنظمات الإسلامية التي تتنوع بحسب الانقسامات العرقية (الكردية والتركية والعربية والأفغانية)، والجدير بالانتباه أن الاختلاف الأكثر وضوحاً وأهمية بين ما يطلق عليه الانفصاليين والاندماجيين، أي بين أولئك الذين يرغبون في نشر الثقافة والحضارة الإسلامية في أوروبا (إلى حد خلق جيتو الإسلامي)، وأولئك الذين يرغبون في دمج أنفسهم في النسيج الاجتماعي والسياسي للمجتمع الأوروبي[3].

ويضطلع اتحاد المنظمات والمجتمعات الإسلامية (FIOC) the Federation of Islamic Organizations and Communities، الذي تأسس على يد كمال الدين كابلان (من أضنة (تركيا)- توفي 1955)، الذي أصبح لاجئا سياسياً بعد استيلاء الجيش التركي على السلطة في عام 1980؛ بدور هام في الترويج للثورة الإسلامية في جميع أنحاء العالم التي بدأها آية الله الخميني، وقد دعا كابلان إلى الجهاد ضد الحكومة التركية، كما أن مسجد الإمام علي في هامبورغ (the Ali Mosque in Hamburg) وهو مركز الشيعة الكبير في ألمانيا، يروج لأهداف وسياسات الثورة الإسلامية الإيرانية، وتعارض جمعية هامبورج الإسلامية Islamische Zentrum Hamburg (IZH)) ولديها فروع في المدن الألمانية، التعددية الديمقراطية، واعتبرت الحضارة الغربية حضارة فاسدة، وترى أنه يجب أن يحل النظام السياسي الإسلامي محلها [4]. وقد اجتمع وجهاء الشيعة في هذه الجمعية في مايو 2008 لمناقشة “آفاق الاتحاد بين الجمعيات الشيعية المسجلة في ألمانيا من أجل حشد الشيعة والدعاية الإيرانية[5].

وتقدم المنظمات المظلة مؤشراً إضافياً على درجة التنظيم الطائفي للشيعة في أوروبا، فهذه المنظمات تسمح بشكل خاص باستكشاف حرص الشيعة صراحة على التمثيل الطائفي الشامل. فهناك ثلاث منظمات مظلة شيعية في بريطانيا: الفيدرالية العالمية الخوئية للمجتمعات الشيعية الإثني عشرية (the World Federation of Khoja Shia Ithna-Asheri Muslim Communities)، التي أنشئت في عام 1976، المجلس البريطاني للمسلمين الشيعة (British Shia Muslim Council)، وجمعية الطلاب الإسلاميين في بريطانيا (Islamic Students’ Association in Britain)، والتي تعود نشأتها إلى أوائل السبعينيات من القرن الماضي، والمؤسسة الأولى هي منظمة عرقية (للخوئية الشيعة الاثني عشرية)، وهذا ينطبق أيضا على فروعها الإقليمية والمحلية، والمنظمة الثانية، المجلس البريطاني للمسلمين، تشمل جميع المنظمات الشيعية (بما في ذلك العراقيين والإيرانيين)، والهدف من إنشاء المجلس هو تمثيل الشيعة أمام الحكومة البريطانية، أما مؤسسة الخوئي فتعتبر نفسها واحدة من المنظمات الشيعية الأكثر أهمية في بريطانيا، وتصور نفسها كمنظمة مظلة، وفي الواقع تؤدي وظائف المجلس البريطاني للمسلمين الشيعة، ولوحظ وجود مؤسسة مماثلة قد اتخذت زمام المبادرة في المساجد، وهي المجلس الاستشاري الوطني لأئمة المساجد (MINAB- the cross-sectarian Mosques and Imams National Advisory Board)، الذي يجمع الشيعة في بريطانيا سوياً[6].

أما المنظمة الثالثة، وهي اتحاد جمعيات الطلاب الإسلامية في أوروبا (UISA) (The Union of Islamic Students Associations (In Europe))، وهي منظمة إيرانية، ومنظمة بارزة بين مجتمعات الطلاب الإيرانيين، ولها العديد من الفروع، كما هو الحال في UISA-UK))، و(London – UISA ). حيث تجتمع هذه الفروع في المراكز التي غالبا ما تسمى” Towhid Kanoon (وعلى سبيل المثال، في كارديف وليفربول ولندن)، وتحمل الاسم نفسه في طهران، وساحة التوحيد (Towhid Square) برئاسة أية الله موسافي الأردبيلي (Āyatollāh Musavi-Ardabili). وهناك مراكز أخرى في غلاسكو، مانشستر، ونيوكاسل، وتمتلك مباني تابعة لإيران، ومنذ عام 1993 أنشأت الحكومة الإيرانية مؤسسة التوحيد العالمية للجمعيات الخيرية لتتولى مسؤولية إنشاء هذه المراكز في جميع أنحاء العالم، وفي عام 1984 اشترت مقر ( Kanoon – ( Towhidفي لندن، كمقر لاتحاد جمعيات الطلاب الإسلامية في أوروبا. من خلال ممثل المرشد الإيراني في مجلس إدارتها، الذي يحظى حالياً بدعم قوي من قبل العديد من جمعيات الطلبة المحليين داخل بريطانيا[7].

وفي هولندا، يوجد ثلاثة على الأقل من المنظمات الشيعية، مثل المجلس الإسلامي الشيعي في هولندا (SIR)( (Sji’itische Islamitische Raad))، الذي تأسس في عام 2004، والبرلمان الشيعي الهولندي (OSV (Overkoepelende Shiitische Vereniging، الذي تأسس في عام 2004، والفيدرالية العراقية لمنظمات هولندا (UVIO) Unie van Irakese Organisaties in Nederland، التي تأسست في عام 2003، ونجد أن البرلمان الشيعي الهولندي (OSV) يقوم بتمثيل الشيعة أمام الحكومة الهولندية، وهو على الأرجح الأكثر بروزا بين المنظمات الثلاثة، في حين أن المجلس الإسلامي الشيعي في هولندا( SIR) يمثل مجموعة عرقية، ومع ذلك، فإن كلا من البرلمان الشيعي الهولندي (OSV) والفيدرالية العراقية لمنظمات هولندا (UVIO) هم منظمات عراقية، والأهم في هذا السياق أن المنظمات الشيعية الهولندية مثل المنظمات البريطانية هي على درجة عالية من التنظيم الشيعي في أوروبا، والأهم في هذا السياق أيضاً، أن الرباط العابر للحدود بين التنظيمات الشيعية، لاسيما التنظيمات الهولندية والبريطانية، يوفر جسرا عرقيا عابرا للحدود لخدمة التشيع الأوروبي، ولخلق كيانات تعمل كوكيل سياسي عن إيران عبر الحدود الأوروبية، مثل مجلس الجماعات الأوروبية الخوئية (Council of European Jamaats (Khoja))، ومجلس علماء شيعة أوروبا (الباكستاني) (the Majlis-E-Ulama Shia Europe (Pakistani))، واتحاد الجمعيات الإسلامية لطلبة في أوروبا[8].

ثانياً: أثر التشيع على الاندماج الوطني في المجتمع الأوروبي.

تعتبر أوروبا ساحة للصراع بين السنة والشيعة، لاسيما في ألمانيا وبلجيكا وهولندا والمملكة المتحدة بسبب الدعاية الشيعية النشطة، والتأثر بالسياق السياسي في العالمين العربي والإسلامي، ويقود هذه الدعاية الشيعية النشطة مجموعة من رجال الدين الشيعة، وهم سيد عمار نكشواني وياسر الحبيب، وجدير بالذكر أن ناكشواني، وهو عراقي، معروف بخطاباته العنيفة ضد من يسميهم “أعداء حسين”، كما أن ياسر الحبيب، وهو كويتي الجنسية ومقيم في لندن، هو المروج للدعاية الشيعية المثيرة الطائفية، ويمثل خطراً كبيراً على انتشار الطائفية في المملكة المتحدة. وهو معروف بتصريحاته المستفزة للطائفة السنية، وخاصة مقولته الشهيرة بأن النبي اغتيل من قبل زوجاته، لذلك، يتهمه السنة بأنه “واعظ الكراهية” [9].

بل تتجسد الدعاية الطائفية في الخطاب السياسي الإيراني الذي يحرص على التركيز على شباب الشيعة في أوروبا لتمثيل مصالحهم وتنفيذ أجندتهم السياسية، وكان المرشد الإيراني الأعلى قد دعا في رسالة إنشائية موقعة بتاريخ 21 يناير 2015 وموجهة إلى كافة شباب أوروبا وأميركا الشمالية، ودعاهم فيها إلى العزوف عن اتباع أهاليهم أو حكوماتهم، وفي الوقت نفسه وصفهم بورثة التاريخ العالمي الذين ينبغي عليهم أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم، ولم يشر خامنئي في هذه الرسالة إلى سائر شباب العالم في أميركا الجنوبية وروسيا والصين وإفريقيا، غير أن هذا الخطاب الإيراني الموجه إلى الجالية الشيعية في أوروبا قد زاد من حدة الانقسام بين المسلمين السنة والشيعة في أوروبا، فما تقوم به سفارة إيران في النرويج من حملات دعائية لصالح المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، عبر الشيعة الباكستانيين يزيد من حدة الاحتقان بين الطرفين، وقد قامت السفارة الإيرانية في النرويج في وقت سابق بنصب خيم في مركز العاصمة، أوسلو، وسلمت إدارتها لشيعة باكستانيين وأفغانيين، قاموا بتوزيع الزهور والحلويات على المارة من النرويجيين، بالإضافة لتسليمهم رسالة من المرشد الإيراني الأعلى موضوعة في علبة فاخرة، وتحمل عنوان “رسالة آية الله خامنئي لشباب أوروبا وأميركا”.وبالمقابل تجمع عدد من الإيرانيين المعارضين أمام الخيمة، حاملين صوراً لأبنائهم المعدومين والمسجونين، متهمين الجمهورية الإيرانية بممارسة الإرهاب الداخلي بالإضافة إلى الإرهاب في اليمن وسوريا ولبنان والعراق.

وفي هذا السياق، نظمت مجموعة من السلفيين بقيادة أنجم تشودري احتجاجات في لندن ضد دعم الشيعة للنظام السوري، مما أدى إلى معارك بين الأفراد الشيعة والسلفيين في الحي الشيعي في طريق إدجوير. ووصف هذا الحادث بأنه “الحالة الأولى للعنف الطائفي في بريطانيا”، وفي الواقع، فإن فكرة “منطقة الحي الشيعي في لندن”، هي أحد مظاهر الطائفية الشيعية، وتبرز حقيقة أن التوترات السياسية والصراعات في الشرق الأوسط تظهر في شوارع العواصم الأوروبية، وتكشف معالم الثقافة السياسية للكثير من المهاجرين المقيمين في أوروبا التي تتأثر بالخطاب الطائفي الذي يكمن في قلب الشيعة الجدد ويخلق الظروف لتصعيد الصراعات الطائفية التي تعوق أي عملية جادة للاندماج الوطني بين السنة والشيعة كمواطنين أوروبيين[10].

وقد لفت تقرير صادر عن مرصد الأزهر الشريف إلى أن العلاقة بين المسلمين السنة والشيعة في بريطانيا ليست على ما يرام من كثرة المشاحنات والكراهية بينهما، بخاصة بعد نشوب الحرب في سوريا والعراق والتي برز فيها عنصر الطائفية، فضلاً عن أن حوادث الكراهية العديدة التي أبلغت بها الشرطة البريطانية، والتي تنبئ عن زيادة وتيرة الغضب والمشاحنات بين الطرفين، بشكل يزيد من مخاطر انتشار الأصولية الشيعية وتمددها. وفي هولندا، نظم شيعة العراق، في 26 فبراير 2006، مظاهرات في لاهاي أمام البرلمان الهولندي. وصفها المنظمون بأنها موجة من الغضب المضطرب ضد أعداء الشيعة (الكافرين)، في مظاهرات شارك فيها الشيعة الذين قدموا من هولندا وبلجيكا، كرد فعل على الهجمات الإرهابية في العراق على معابد الشيعة، ومع ذلك،فإن رد الفعل من الشيعة في هولندا استدعى بالفعل الصراع الطائفي إلى دولة أوروبية، واستدعى خروج الصراع الطائفي في العراق من سياقه في العالم العربي[11].

وفي سويسرا، تشكلت الجمعيات على أساس التمايز العقائدي، مثل الرابطة الإسلامية لأهل البيت (L’Association Islamique d’Ahl El Beit )، ويكشف هذا عن تنظيم الشيعة جمعيات تجمع أعضاءها حول صلاة الجمعة الجماعية والاحتفالات الدينية (الشيعية)، بهدف توحيد الشيعة، وإن كانت تحرص في خطابها الدعائي على “توحيد المسلمين”، وجسر الخلافات بين الشيعة والسنة التي تعود إلى ممارسات “المتعصبين من الجانبين”[12].

وتظل إشكالية تنظيم النشاطات الدينية عاملاً من عوامل تعميق الفجوة بين السنة والشيعة. في النرويج بعد اندلاع الصراع بين الطرفين في عام 2002 عبر الخطوط السنية- الشيعية، وخاصة بين شباب السنة والشيعة، وبالتحديد بين شباب المنظمات ذات التوجهات المذهبية الإقصائية، وعلى رأسها جمعية الشباب المسلمين الشيعة في النرويج (the Shiiteorientated Den Islamske Ungdomsorganisasjonen i Norge)، وذلك رغم أن هذه المنظمات تختلف جذرياً في تكوينها المتعدد الأعراق نسبياً، وإنما يجمعها التشيع.. وفي الواقع، يتأثر الشيعة في الغالب في شعاراتهم المضادة للسنة بالدروس الشيعية التي يلقيها ياسر الحبيب. وبالدعاية الشيعية عبر موقع الفيسبوك والتي تتضمن خطاباً يروج للإساءة إلى الخلفاء الراشدين والسيدة عائشة، ووصفهم بأنهم ” قادة الشيطان”، ومن أشهر هذه المواقع مجموعة الفيسبوك Stand4Hussain، ويبدو أنها تنتسب لمركز التوحيد (مسجد شيعي في النرويج، له صلات بإيران ومنظمة أهل آل البيت)، وقد وصفت “بالوثنية الشيعية القذرة” (الكفار)، ولاسيما من جانب “المتشددين” السنة الذين لا يوافقون على حملات التشيع [13].

لقد نجحت الدعاية الإيرانية في ألمانيا في تقديم صورة تظهر اعتدالها مستغلة موجة الإرهاب التي تنشط بين التنظيمات السنية المتطرفة في أوروبا، حيث لايزال الشيعة يمثلون الطائفة المعتدلة مقارنة بالسنة، وقد عبر عن ذلك رئيس كتلة المسيحيين الديموقراطيين بالبرلمان الألماني فولكر كاودر، وعضو الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه المستشارة انجيلا ميركيل، وأوضح في تصريح إعلامي في 10 أبريل 2015 أنه لمس من خلال مباحثاته مع الملك عبد الله الثاني أنه يجب على الألمان والغرب أن يكونوا سعداء لوجود شريك أمين بمنطقة الشرق الأوسط بمقدرته حماية الغرب من التنظيمات الإسلامية التي تحمل أفكاراً متطرفة مضيفاً بأن الإسلاميين من أهل السنة والجماعة أشد خطراً على الغرب والكيان الصهيوني من خطر الشيعة على الصهاينة والغرب[14].

وقد تكونت هذه الصورة عبر الكيانات الشيعية في ألمانيا برغم أن السلطات الألمانية كثيراً ما أعلنت عن عمليات إرهابية قام الشيعة بتنفيذها، وعلى سبيل المثال أعلنت السلطات الألمانية التي باشرت التحقيقات في ميونخ عن تحديد جنسية المتهم الذي قام بتنفيذ حادث إطلاق النيران في أحد الأسواق التجارية (في العام 2016)، وهو شاب شيعي إيراني الأصل ويبلغ من العمر ثمانية عشرة عاماً، ويحمل الجنسية الألمانية بجانب الإيرانية وهو من سكان ميونخ[15].

وعلى أية حال، تبقى هذه النزعات المتطرفة مصدر قلق لسياسة الأمن الداخلي الأوروبي؛ مع استمرار جهود التشيع في أوروبا تحت مظلة أهل البيت، كما أن الانقسام بين السنة والشيعة على الأرض الأوروبية قد أضحى مسألة أمنية وسياسية إلى حد كبير، باعتبارهما هويتين مؤثرتين يتم نشرهما في إطار نزاع سياسي، وبعبارة أخرى، قد تكون هناك لحظة تصبح فيها أدوات التجنيد والتعبئة سببا لعدم الاستقرار في المجتمعات الأوروبية، عندما تنطلق الهوية الدينية في سياقها السياسي، إلى مستوى أكثر تعالياً. وإذا كان هذا الوضع أكثر اهتماماً من قبل الفاعلين السياسيين في أوروبا فإن مثل هذا الوضع قد يتصاعد إلى حوادث، ولذلك في لندن، دعمت السلطات البريطانية المبادرات الرامية إلى سد الخلافات داخل المجتمع الإسلامي، فشكلت الهيئة الاستشارية الوطنية للمساجد والأئمة وفي عام 2006، والتي بدأت أنشطتها لهذا الغرض في مايو 2009. وكان نتيجة ذلك ظهور فرقة العمل الإسلامية، وهي جماعة أطلقتها الحكومة البريطانية في عام 2005، لتقديم توصيات عملية بعد هجمات 7 يوليو من ذلك العام لمنع التطرف، والتغلب على الطائفية وتعزيز التماسك الاجتماعي داخل المجتمع الإسلامي. لكن هذه الجهود لا تزال دون المستوى المطلوب بسبب تمادي إيران في سياستها في التغلغل في المجتمعات الغربية بهدف تكوين جماعات ضغط سياسية لخدمة مصالحها ومشروعها في منطقة الشرق الأوسط ولا تهتم في ذلك بأي اعتبارات لاستقرار المجتمعات الأخرى.

 

خاتمة

تعتمد إيران في سياسة التغلغل في أوروبا على الجماعات الشيعية السياسية، والجماعات الشيعية العربية والآسيوية التي هاجرت أو لجأت سياسياً إلى أوروبا، ولم يخل التوغل الإيراني في أوروبا من أبعاد جيوسياسية، فالسياسة الخارجية لطهران جعلت من التشيع أداة لتوسيع نفوذها السياسي في أوروبا، وتعمل طهران جاهدة لرفع منسوب تأثيرها في السياسة الأوربية من خلال التدخل الناعم، لوضع موطئ قدم لها في الدول الأوربية.

وتستهدف إيران من التسلل للمجتمع الأوروبي خلق جماعات ضغط سياسية كما فعلت في دول عديدة، لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية، ونجحت جماعة الضغط الأمريكية في التقرب من الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، ومن نواب في الكونجرس الأمريكي، ولاتزال جماعة الضغط في أمريكا تحاول أن تمارس نفوذها السياسي في واشنطن لرفع العقوبات عن إيران التي فرضت بسبب برنامجها النووي، وهذا ما تحاول أن تفعله في أوروبا بتكوين جماعات ضغط سياسية تؤثر على القرار الأوروبي تجاه إيران وتجاه سياستها في منطقة الشرق الأوسط، والواقع أنه لايزال لديها صعوبة في تنظيم جماعات ضغط للتأثير على السياسات الأوربية، سواء كان ذلك من خلال تنظيم المظاهرات أو التصويت في الانتخابات، لكن الواقع أن الشيعة لايزالون يمثلون أقلية صغيرة داخل المجتمعات الأوروبية، وأن الخطر الكبير يهدد المجتمعات الأوروبية من داخلها من خلال تفشي حمى الطائفية بين المسلمين في أوروبا، وربما يفوق ذلك خطورة التأثير على المصالح العربية من خلال نشر التشيع بين الجاليات العربية في أوروبا.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٣ أغسطس ٢٠١٧

 

قائمة المراجع

Belhaj ,Abdessamad– Speidl ,Bianka: Fitna Rising: The Sunnī-ShīʻĪ Clashes in Western Europe , Defence Review, Volume 144 , Special Issue 2016/2, The Central Journal of The Hungarian Defence Forces,(Budapest, Hungarian : The Hungarian Academy of Sciences,2016.

Kehl ,Katharina: “Minority Participation in the Public Sphere: A Critical Analysis of Claim-Making on Muslim Rights and Islam in Swedish News Media ,M.A. thesis,(Lund,Sweden : Lund University ,Department of Sociology ,Spring 2014).

Larsson ,Göran och Thurfjell ,David: Shiamuslimer i Sverige en kortfattad översikt,(Stockholm: Nämnden för statligt stöd till trossamfund, , 2013).

Legrain ,Jean-François:Aspects de La Présence Musulmane en France,(Paris :Service National de La Pastorale des Migrants,Cahiers de La Pastorale des Migrants 27,4etrimestre 1986 ).

Linge ,Marius:”Sunnite-Shiite Polemics in Norway”, FLEKS-Scandinavian Journal of Intercultural Theory and Practice,(Oslo ,Norway:Oslo and Akershus University College of Applied Sciences,Vol. 3, No 1 ,2016).

M ,Van den Bos:”European Shiism? Counterpoints from Shiites’ organization in Britain and the Netherlands”,Ethnicities,(California,USA:SAGE Publication, 12,2012).

Otterbeck ,Jonas:The Legal Status of Islamic Minorities in Sweden ,Journal of Conflict and Violence Research,( Bielefeld, Germany: Bielefeld University, Institut for Interdisciplinary Research on Conflict and Violence (IKG) , Vol. 5, 2/2003).

Puelings ,Jelle: Fearing A ‘Shiite Octopus’ Sunni – Shi`A Relations and The Implications For Belgium and Europe” ,Egmont Paper, (Brussels, Belgium: Egmont – The Royal Institute for International Relations , January 2010).

Warner ,Carolyn M. and Wenner ,Manfred W.:” Religion and the Political Organization of Muslims in Europe”,Perspectives on Politics,(Cambridge: Cambridge University, Vol. 4/No. 3, September 2006).

 

 

 

ثانياً: مصادر الإنترنت :

  • مصادر باللغة العربية:

 Sverigesradio: غياب الشيعة عن الواجهة في الإعلام السويدي،10/9/2013

http://sverigesradio.se/sida/artikel.aspx?programid=2494&artikel=5650994

 مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية:” ألمانيا- السنة أخطر على الغرب من الشيعة،11/5/2015

http://www.asharqalarabi.org.uk

هسبريس: صحف إسبانية: إيران تسعى لنشر التّشيّع وسَـط المملكة الإيبيريـة،

http://www.hespress.com/international/259991.html

الوطن:” مرصد الأزهر يحذر من وجود 70 مركزا شيعيا في بريطانيا “،18/1/2016

http://www.elwatannews.com/news/details/905350

اليوم السابع: ” سلطات ألمانيا: منفذ حادث ميونخ “شيعي إيراني” يبلغ من العمر 18 عاما،23/7/2016

http://www.youm7.com/story/2016/7/23

  • مصادر باللغة الانجليزية :

Mounia Bennani-Chraïbi, Sophie Nedjar, Samina Mesgarzadeh: Rapport Final L’émergence d’acteurs associatifs musulmans dans la sphère publique en Suisse,

 http://www.nfp58.ch/files/downloads/schlussbericht_bennani_chraibi.pdf

[1] Jean-François Legrain ,op.cit,p.21

[2] Abdessamad Belhaj – Bianka Speidl,op.cit,p.585

[3] Carolyn M. Warner and Manfred W. Wenner:” Religion and the Political Organization of Muslims in Europe”,Perspectives on Politics,(Cambridge: Cambridge University, Vol. 4/No. 3, September 2006,p.465

[4] Ibid,p.466

[5] Van den Bos M. ,op.cit,p.10

[6] Ibid. p.8

[7] Ideam

[8] Ibid. pp.8-10

[9] Abdessamad Belhaj – Bianka Speidl,op.cit,p.60

[10] Ibid ,p.61

[11] Ibid,,p.56

[12] Mounia Bennani-Chraïbi, Sophie Nedjar, Samina Mesgarzadeh: Rapport Final L’émergence d’acteurs associatifs musulmans dans la sphère publique en Suisse, http://www.nfp58.ch/files/downloads/schlussbericht_bennani_chraibi.pdf

[13] Marius Linge,op.cit,p.10

[14] مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية:” ألمانيا- السنة أخطر على الغرب من الشيعة،11/5/2015

http://www.asharqalarabi.org.uk

[15] اليوم السابع: ” سلطات ألمانيا: منفذ حادث ميونخ “شيعي إيراني” يبلغ من العمر 18 عاما،23/7/2016

http://www.youm7.com/story/2016/7/23