بعد فقد الأمل من الوصول إلى وظيفة يمكن الاعتياش منها نظرا لسوء الأوضاع وارتفاع مطرد للفقر والبطالة، راح الإيرانيون يبحثون عن مهن خطيرة وغير قانونية للحصول على بعض التومانات التي تعينهم على البقاء على قيد الحياة، فمن مغامرة “بيع الكلى” ومهن القتل والإجرام وتجارة المخدرات والاتجار بالنساء إلى امتهان الدعارة وبيع الأطفال الرضع قبل الولادة .. حتى وصل الأمر إلى مهنة جديدة أصبحت رائجة بشكل لافت في إيران وخاصة طهران هذه الأيام وهي تجارة الدم.

تفتح هذه الظاهرة الأبواب مرة أخرى لتوجيه الانتقادات وشن الهجوم على النظام وحكوماته في إيران، وتكشف مخزون الأسى والحرمان الذي تتسع رقعته يوما بعد يوم في المدن الإيرانية، حيث تكشف التقارير أن نحو 35% من الأسر والعوائل الإيرانية تعيش تحت خط الفقر ولا تجد حتى رغيف الخبز، ما اضطر أفرادها لامتهان مثل هذه المهن الخطيرة وغير القانونية.

إن تجارة الدم وبلازما الدم قد لقيتا رواجا في الآونة الأخيرة في طهران، حتى أن بعض الأسر قد اتخذتها مصدرا للدخل تعتاش منه، رغم تأكيد المسؤولين في وزارة الصحة بأن بيع الدم بهذه الطريقة غير قانوني وخطير خاصة أن هناك من يقدم على بيع دمه لمرات عديدة وبشكل دوري، ورغم مطالبة بعض المختصين السلطات الإيرانية بضرورة التدخل وملاحقة مراكز تجارة الدم، إلا أن المراقبين يؤكدون أن هذه المراكز التي تحولت إلى تجارية في حالة تزايد، ولديها عمل منظم باستغلال عوز الفقراء والمحتاجين لشراء الدم وبلازما الدم بمبالغ مالية زهيدة.

وتقول التقارير المنشورة في الصحف الإيرانية أن مراكز تجارة الدم تستغل بشكل غير إنساني فقر المواطنين وتدفع لهم مبالغ قليلة لا تكاد تكفي مصروفهم اليومي، حيث تقول أنها تدفع للشخص ما بين 30 إلى 40 ألف تومان في كل مرة أي قرابة 8 دولارات فقط يذهب منهم مبلغ لشراء مكملات غذائية لتلاشي المخاطر الصحية، وهو ما يرفضه البعض ويعرض نفسه لتلك المخاطر والإصابة بالأمراض الخطيرة التي أدت بحياة المئات من هؤلاء.

وقد تحولت عملية التبرع بالدم في إيران بسبب الفقر وسوء الأوضاع من عمل إنساني نبيل هدفه إنقاذ المرضى إلى تجارة رابحة من نوع خاص بمباركة بعض المسؤولين ورجال الأعمال المستفيدين من هذه التجارة، حيث يشترون وحدات الدم بأسعار منخفضة لا تتجاوز الثمانية دولارات ثم يبيعونها للمرضى المحتاجين بمئات الدولارات.

ساعدت عدة عوامل على رواج تجارة الدم بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة أبرزها العجز الكبير الذي تعاني منه المستشفيات والمراكز الصحية وبنوك الدم الخاصة والحكومية في إيران بشكل عام وخاصة في طهران، ما دفع تجار السوق السوداء وسماسرة الدماء إلى التواجد في هذه العملية واستغلال الطرفين البائع الفقير المحتاج إلى المال، والمريض المحتاج إلى دماء للشفاء، ولكن يبقى عامل الفقر وارتفاع البطالة وتردي الأوضاع المحرك الرئيسي لمثل هذه الآفات والمخاطر التي تحولت إلى مصدر دخل بعض الفقراء والمحتاجين، وسوق تجارية يجني منها التجار الجشعين وبعض رموز النظام وقادة الحرس الثوري الأموال الطائلة.

كما أن مراكز الدم في إيران لا تخضع لأى رقابة فاعلة من قبل السلطات والجهات المعنية، وهو ما يسهل الطريق أمام عصابات المتاجرة بالدم والمتورط فيها بعض الرموز النافذة في الدولة وهو ما يعتبر عاملا آخرا لرواج مثل هذه التجارة وعدم القدرة على محاربتها أو حتى الحد منها.

ولم يقف الأمر في إيران عند تجارة الدم فحسب، بل راجت في الفترات الأخيرة تجارة الأعضاء وخاصة الكلى، ووصل الأمر إلى نشر الإعلانات التي يكتب فيها البائع كل تفاصيل هذه الصفقة التجارية  مثل: “فصيلة الدم إيه A+ العمر 25 عاما ومستعد لبيع كليتي” و”فرصة .. فصيلة الدم B- وأبلغ من العمر 33 عاما ومستعد لبيع كليتي”.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

3  أغسطس 2017