تحدث سفير دولة الإمارات في أميركا عن المستقبل المأمول لدول الخليج، وأن الخلاف مع قطر له ملمح فلسفي، وأشار إلى أن غالبية دول الخليج تطمح إلى أن تكون في العقد القادم دولاً علمانية، بينما ترغب قطر في التقوقع داخل أيديولوجيا التطرف والنمط التقليدي. وكان السفير يوسف العتيبة يستشرف بتصريحه التحديث والتحول الاجتماعي الطبيعي في الخليج، والذي يتطلب بدوره تطوير الأطر المؤسسية للحكومات لخدمة المواطنين في دول خليجية مدنية، من دون أن يلغي هذا الطموح ثوابت وتقاليد مجتمعاتنا وخصوصياتها الثقافية.

بالنسبة لنا في الإمارات، وبفعل تعدد جنسيات المقيمين على أراضي الدولة والتي تتجاوز 200 جنسية، أصبح خيار العلمانية والتسامح نمطاً يصبغ الواقع اليومي، حيث التعدد والتنوع الثقافي والديني يتعايش بسهولة، في ظل منظومة قانونية حديثة وعدالة تحكم أداء مؤسسات الدولة لخدمة جميع سكان الإمارات بأفق حضاري منفتح. لكن الآلة الإعلامية القطرية استقبلت ذلك التصريح بأسلوب الاصطياد في الماء العكر وتحوير المعنى. ولأن قطر غارقة في التحالف مع القوى الظلامية، فإنها مستمرة في مغازلة التيارات الماضوية وتقديم إثباتات بأنها الممثل الوحيد في الخليج لأيديولوجيا التطرف والإرهاب والتفكير المعادي للتسامح والتعايش.

السفير العتيبة يعتبر من أنجح قيادات الدبلوماسية الإماراتية والعربية في واشنطن، وكان يعي جيداً ما يقول، وعبّر عن توجهات وطنه وتطلعات مجتمعه. فإذا كانت أيديولوجيا التخلف تحكم العقل القطري وتوجه الخطاب الإعلامي للقطريين، فلا ذنب لأحد رموز الدبلوماسية الإماراتية في إساءة فهمه واستغلال حديثه في هذا التوقيت، وبخاصة أن قطر وجدت نفسها في ورطة نتيجة لمصارحتها بأن نهجها الداعم لأيديولوجيا العنف والإرهاب يجب أن يتغير. لذلك تصرخ منابرها بالعويل وتقوم بتفسير تصريحات الآخرين بطريقة تهدف إلى حرف مسار الخلاف إلى أمور فرعية.
لقد سكتنا وصبرنا على تيارات تسييس الدين والمتاجرة به خلال العقود الماضية، وظلت منابرهم تروج طوال الوقت للخرافات والتهويمات التي تستغل الإسلام وتستغفل المجتمعات بصراخها غير القائم على برامج وتصورات تخدم مستقبل الشعوب. لكن المتطرفين يمنحون أنفسهم الحق في تسويق خطابهم ومخططاتهم الفاشلة المغلفة بأيديولوجيا ترفض الحوار وتحتكر الحقيقة. وعندما يظهر رأي مخالف لهم ويستند إلى أرضية واقعية تهدف إلى مراعاة مصالح المجتمع وإسعاد أفراده وتجنيبهم ويلات الصراعات والفوضى العبثية، تجدهم يحرِّمون على أي صوت مخالف لهم التعبير عن منهجه. لكن الواقع وتوق الشعوب للأمن والاستقرار وتفعيل برامج التنمية يبقى المعيار الذي يرسم التوجهات والخطط المستقبلية. بينما لن يكون للتخبط الأيديولوجي والسير وراء الشعارات الفارغة والتهييج العاطفي للجمهور أي فرص للنجاح، وهذه هي سنة الحياة، لأن الإنسان الفرد يتطور بطبيعته ويتوق دائماً نحو الأفضل ونحو ما يضمن له المزيد من الاستقرار، وهذه القاعدة تسري على المجتمعات والحكومات والكيانات المؤسسية التي تعبر عنها.

ورغم الغبار الكثيف الذي حاول الإعلام القطري إثارته عقب تصريحات السفير العتيبة، فإن تلك العبارات الذكية للدبلوماسي الإماراتي أسهمت في المزيد من انكشاف قطر على حقيقتها، وأنها الراعي الأول للتطرف، بدليل فزع الإعلام القطري والمتأثرين به من الصورة المأمولة لمستقبل الخليج. فلماذا يخشون الدولة المدنية العلمانية؟

من الواضح أن تقوقع قطر ومراهنتها على الاحتماء بأيديولوجيا التطرف وجماعات الإرهاب يصنع في منطقة الخليج دولة فاشلة، لأنها لا تجيد سوى العبث بأموال شعبها لتمويل جماعات فاشية تحرض على الفوضى والخراب. وإذا لم يستوعب حكام قطر وإعلامها معنى الدولة الفاشلة، فعليهم تأمل نموذج إيران ونموذج كوريا الشمالية، ومدى التأثير السلبي الرهيب لأيديولوجيا التطرف على الإيرانيين والكوريين الشماليين. فعندما تطغى الأيديولوجيا على أي دولة فإنها تصبح عاجزة عن تقييم خطورة النهج الذي تمضي فيه. ومن ملامح تعصب قطر وتقوقعها الأيديولوجي القاتل أنها أصبحت تشبه التيارات المتطرفة التي تمولها وتحميها.

كان على الدوحة أن تتأمل بعقل منفتح تجربة حليفتها تركيا، وكيف أسهمت العلمانية بشكل واضح في حماية نظام أردوغان حتى هذه اللحظة، ولا تزال التجربة العلمانية في تركيا ناجحة في تحقيق المستوى المطلوب من التوازن والاستقرار الاجتماعي. لكن قطر غير مستعدة للاستفادة من أي درس، وقامت بتجنيد إعلامها وذيوله لإعادة تفسير التصريح العفوي لسفيرنا في الولايات المتحدة على هواها. فمتى ستعرف قطر أن أيديولوجيا التطرف تسبب الغباء ولا تجلب سوى التخلف؟

رابط المقال بجريدة الاتحاد:العتيبة يكشف أيديولوجيا التطرف

بقلم:د.سالم حميد

تاريخ النشر: الأحد 06 أغسطس 2017