يبدو أن إسقاط النظام الجمهوري الإسلامي في إيران والتخلص منه بات ضرورة ملحة للإقليم بأكمله. إلا أنه وبالنظر للمعطيات على أرض الواقع، وغياب المشروع الحقيقي لتحقيق هذا الغرض، فإن سقوط هذا النظام الثيو-فارسي، مجرد أمنية ليس إلا. قد يستغرب القارئ الكريم لوصفي هذا، وقد يوافقني الرأي الكثير من المختصين بالشأن الإيراني والمطلعين على أدق التفاصيل والحيثيات المتعلقة بالنظام في طهران ومؤسساته الدينية والسياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية المنتشرة في جغرافية إيران السياسية وعموم المنطقة. وربما يستشف القارئ الكريم في نهاية هذه الورقة الموجزة صحة هذا التصور.

وفي البداية، لابد لنا أن نعرّج سوية -ولو قليلاً- على التركيبة المذهبية ودور المذهب الشيعي في مد عمر النظام في إيران. ولسبيل المثال لا الحصر، فإن معظم الكتب الدينية والتاريخية والتربوية المعتمدة في المجتمع الشيعي عموماً، هي كتب مشبعة بالفكر الفارسي القومي، ومعادية لكل ما هو عربي، بالرغم من أنّ آل بيت الرسول محمد عرب. هذه الكتب التي كتبت معظمها بأقلام شعوبية فارسية، ومازالت تكتب، تشكِّل الركيزة الأساسية للفكر والمشروع الإيراني في العالم العربي، وتشرف عليها المؤسسة الدينية الفارسية التابعة للنظام. وفي الواقع، فإنّ هذه الكتب التي تنتشر بكثرة في العالم العربي، تجرِّد المرء من انتمائه الوطني وتربطه لا شعورياً بالمشروع الفارسي الصفوي. كما أنّ النظام الإيراني ولتمرير مشروعه الفارسي، يتظاهر بأنه حامي الحمى لعموم الشيعة في العالم، ويمد يد العون لكافة أبناء العرب من الطائفة الشيعية في جميع أنحاء المعمورة دون استثناء. كما لابد من الإشارة إلى أن الهوية الحقيقية للفرد الفارسي هي شيعية صفوية بامتياز، تكرست عبر العقود المنصرمة، وتجلت أكثر في زمن رجال الدين والحكم الحالي. وفي هذا الصدد يعتقد المفكِّر الفارسي والمنظّر البارز والقوي للنظام في طهران، الدكتور صادق زيبا كلام، أنه: “للحفاظ على جغرافية إيران الحالية، يجب أن نحافظ على النظام الجمهوري الإسلامي”.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن نجمل الفائدة المرجوة من إسقاط النظام الشيعي الطائفي الفارسي الإيراني، في إطار فرضيتين على الأقل، كلاهما تصب في مصلحة الداخل الإيراني والإقليم والمنطقة العربية عموماً.

أولاً: بما أنّ النظام الشيعي في طهران هو التعبير الأكثر تطرفاً عن حكم الإسلام السياسي في عموم الشرق الأوسط، ففي حال سقط هذا النظام، سوف يسحب البساط من تحت أقدام كافة الكيانات والجماعات الإسلامية الراغبة في الوصول للحكم وأسلمة الأنظمة والدول العربية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، وقد يتوقف كلياً الدعم المالي والتسليح التي تتلقاه هذه الكيانات والجماعات الإسلامية وخاصة تلك الشيعية منها.

ثانياً: لو افترضنا جدلاً أنّ النظام الجمهوري الإسلامي في طهران سقط، ففي هذه الحالة، وبالضرورة، ستتسلق التيارات العنصرية القومية الفارسية لسدة الحكم في إيران. وفي هذه الحالة أيضاً، سوف ترتفع مطالبات الشعوب والتيارات القومية في الأقاليم غير الفارسية بحقوقها التاريخية والقومية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وعليه، سوف نشهد حراكاً سياسياً شديد الفعالية في عموم جغرافية إيران السياسية. وبما أنّ أكثرية السكان من غير الفرس، فإذاً، بالضرورة سيفضي هذا الحراك السياسي في نهاية المطاف إلى توافق بين الأطراف على نوعية الحكم لمستقبل جغرافية إيران السياسية، أو أن تقرر الشعوب مصيرها بعيداً عن المركز الفارسي.

وبما أن مستقبل إيران يؤثر سلباً وإيجاباً في المشهد السياسي العربي برمته كما هو الحال، فلابد للعرب من دور في رسم الخارطة الجديدة لإيران المستقبل، ليدفع العرب الفأس عن رؤوسهم كما يقال، لأن المرء لا يلدغ من الجحر مرتين. وفي هذا الإطار بما أن الشارع العربي بات مدركاً لخطورة الدولة الفارسية ومشروعها الطائفي المخرّب في العالم العربي، والمستمر منذ أربعة عقود دون توقف، فهذه الرؤية بالتأكيد سوف تساعد صناع القرار العربي وستكون مبرراً قانونياً للدفاع عن الأمن القومي العربي، بهدف وضع آليات محكمة لمعالجة هذه الإشكالية الدخيلة على المجتمعات العربية.

ومن جانب آخر، وبالنظر لجغرافية إيران السياسية ورغبات الشعوب القاطنة فيها في الخلاص من الهيمنة الفارسية والحكم الثيوقراطي الجاثم على صدورهم منذ مجيء خميني عام 1979، فإن الفرصة الآن مواتية جداً لحثّ القوى السياسية التابعة لهذه الشعوب بما فيهم الفرس، للاتفاق على آلية تمكنهم من المضي قدماً للتخلص من هذا النظام القمعي واستبداله بنظام حكم يتفق عليه الجميع، وترعاه الأمم المتحدة، لتضمن هذه الشعوب حقها في تقرير المصير والعيش الكريم.

وأخيراً وليس آخراً، فإنه من المستغرب أن هناك ساسة ومؤسسات في عالمنا العربي -ولهذه اللحظة- لم تفرق بعد بين مجاهدي خلق كفصيل فارسي من جهة، وباقي المكونات السياسية الأخرى في عموم جغرافية إيران السياسية، والتي تتوزع انتماءاتها بين هذا وذاك من جهة أخرى. وأن نختصر كل المعارضة الإيرانية في مجاهدي خلق، فهو بالتأكيد جهل مطلق بالوضع السياسي الإيراني. أي بمعنى أخر، إن مجاهدي خلق لا تمثل كافة المعارضة الفارسية، فما بالك بعلاقاتها بالقوى السياسية التابعة للشعوب غير الفارسية والتي يراها المختصون بالشأن الإيراني على أنها علاقة شبه معدومة.

بقلم:جمال عبيدي

6 أغسطس 2017