يعتمد النظام الإيراني في سياسته الداخلية والخارجية على منهجية التحريف ومحاولة التأثير على الرأي العام من خلال مخططات يرسمها بين الفينة والأخرى حسب الحاجة لها، ومع بزوغ ربيع إيراني يخفي النظام والأجهزة الأمنية باكورته، ويتقوقع خلف أبواب الغرف المغلقة لوضع الخطط والبرامج للقضاء على أي تحرك شعبي سلمي أو مسلح قد يتحول إلى ثورة شعبية شاملة، تأتي الحاجة إلى منهجية قمعية تهدف إلى إرهاب الشعوب من أي خروج على النظام.

وقد أظهرت بعض التطورات في الداخل الإيراني أن هناك تحركات على المستوى السياسي (التيار الإصلاحي الحقيقي الذي يمثله موسوي وكروبي) والشعبي (خاصة القوميات غير الفارسية) تسعى إلى تقليص صلاحيات المرشد وسحب ملفات إدارة البلاد سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا من الحرس الثوري، غير أن هذه التحركات قوبلت بأساليب عدة من قبل النظام والحرس الثوري وبالاستعانة بالروس، حيث أن ردة فعل النظام بهذه الطريقة هي في حد ذاتها أدلة أخرى تثبت وجود مثل هذه التحركات وتكشف عن ارتفاع مستواها يوما بعد يوم.

نشير بداية إلى النهج الإعلامي المتبع للقضاء على الترويج لأي فكر مضاد للولي الفقيه قد يدخل البلاد في دائرة الانزلاق نحو المجهول تكون نهايته انتشار داعش وجرائمه في إيران، فيتعمد الإعلام الإيراني تخويف الشعوب من خلال نشر أخبار تتعلق بشبح داعش والادعاء بوجود هذا التنظيم الإرهابي في الداخل الإيراني، وإنه حتى الآن يمكن السيطرة عليه، في حين إذا دخلت البلاد في فوضى فإنها ستكون غنيمة لداعش، فنرى بين الفينة والأخرى نشر وسائل الإعلام التابعة للنظام الإيراني وحكوماته تقارير حول ذلك كان آخرها ما أعلنته وزارة المخابرات الإيرانية عن اعتقال 27 عنصرا من تنظيم داعش الإرهابي، كانوا يخططون للقيام بعمليات إرهابية في مدن إيرانية على أعتاب مراسم أداء روحاني للقسم الدستوري.

وعلى نفس النهج يرفع الحرس الثوري هذه الأيام من مستوى تخويف الشعوب من نوايا المجتمع الدولي الذي يسعى إلى مساعدة الشعوب الإيرانية للخلاص من النظام الذي أودى بهم وبالبلاد إلى الهاوية، فيلجأ الإعلام الإيراني إلى تحويل كل هذه المساعي إلى مخططات عدائية تهدف إلى تدمير البلاد ثم الترويج لها وإقناع الرأي العام بها، فيتم إطلاق تصريحات بين فترة وأخرى تحذر من مخططات القوى الخارجية التي تتربص للبلاد شرا تحت مظلة مؤامرة كونية تحيط بإيران، وكان آخر مثل هذه التصريحات ما قاله قائد القوات الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، العميد “علي حاجي زاده” الذي أكد أن الولايات المتحدة تريد تطبيق النسخة الليبية في إيران وذلك ردا على أنباء تحدثت عن توجه الولايات المتحدة للضغط على الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفتيش المواقع العسكرية المشبوهة في إيران، وكان هدف مسارعة الحرس الثوري للرد على هذه المطالب هو قطع الطريق أمام أي قبول داخلي قد يلجأ له بعض السياسيين الإصلاحيين تفاديا لمزيد من العقوبات.

ورغم الولاء التام الذي يظهره روحاني لخامنئي والحرس الثوري، إلا أن الأخير لا يخفي قلقا من تمرد روحاني طمعا بمزيد من الصلاحيات إذا ما اتسعت قاعدته الشعبية وحظي بدعم داخلي وخارجي، واحترازا أجرت أجهزة النظام بعض التغييرات ونفذت العديد من المهام التي قيدت بها روحاني وأجبرته على الانفصال أو وضع مسافة بينه وبين الإصلاحيين، ولهذا كانت تشكيلته للحكومة الجديدة بعيدة كل البعد عن طموح الإصلاحيين والمواطنين الذين انتخبوا روحاني، إضافة إلى تكثيف التواجد الأمني والعسكري في الشوارع والمدن الإيرانية بمستوى لم تشهده البلاد منذ اندلاع ثورة عام 2009 والتي سميت بالحركة الخضراء وتم القضاء عليها بالقوة.

نهج التخويف بالدمار بشبح الدواعش والتهديد بالاعتقال بتهم الخيانة يبدأ عادة خامنئي بوضع أسسه ومنح الأجهزة الأمنية والحرس الثوري الضوء الأخضر للقمع باستخدام تصريحات المرشد كذريعة لتطبيق حالة الطورائ التي من خلالها يجهض أي تحرك، ومن الأمثلة على ذلك إطلاق خامنئي مصلطح النفوذ أو الاختراق والذي يعتبر ضوء أخضر لأجهزة النظام للخلاص من كل معارض أو إصلاحي يدعو إلى إصلاح النظام والانفتاح على دول العالم، وكل مسؤول أو رمز سياسي له قاعدة شعبية يحاول الخروج من شباك الولي الفقيه سيسقط مباشرة في قفص الاتهام بالفساد في الأرض أو الخيانة العظمى.

 إن منهجية التخويف من الخروج على النظام أصبحت سياسة مكشوفة للحرس الثوري يسعى من ورائها إلى سلب رغبة الشعوب في التظاهر ورفض سياسات النظام الداخلية والخارجية، وتخويفهم من حركة الإصلاح التي تتسع دائرتها في المدن الإيرانية.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

9 أغسطس 2017