استطاعت طهران منذ تسعينات القرن الماضي مد يدها العابثة إلى الدوحة واستقطاب الأمير حمد بن خليفة آل ثاني بعد تنفيذه انقلابا أبيضا على والده خليفة بن حمد آل ثاني في يونيو عام 1995، وعمل الحرس الثوري آنذاك على إقناع النظام القطري بتحالفات أمنية سرية تسهل عملية اختراق الدوحة بحيث تستخدمها فيما بعد كجسر للوصول إلى الدول الخليجية وبث السموم فيها، وبقيت العلاقات بين الطرفين يتم هندستها وراء الأبواب المغلقة حتى تم توقيع اتفاقية أمنية بين النظام القطري والحرس الثوري عام 2015 ساهمت فى تسهيل عملية اختراق الدوحة وشرعنت تواجد الحرس الثوري على أراضيها.

وفي الوقت نفسه سعى النظام القطري أيضا إلى عقد عدة اجتماعات رفيعة المستوى مع مسؤولين إيرانيين لبحث الاتفاقات الأمنية والاقتصادية، وكان يهدف من وراء ذلك الاستعانة بالنظام الإيراني وحرسه الثوري للعب دور أكبر من حجم قطر ونكاية بالسعودية والدول العربية الأخرى التي طالما رفضت سياسات قطر المزعزعة لأمن واستقرار المنطقة.

لقد استخدمت إيران في عملية خداع النظام القطري كأداة لشق الصف العربي منهجية التعشيم بدور إقليمي مؤثر يمكنها من السيطرة على المنطقة من خلال تحالفها مع طهران وتنفيذها لمخططاتها، ووضعت الساحة العراقية طعما لنظام الحمدين حين اتفقت معه على تقسيمه بين الطرفين من خلال دعم أدوات زعزعة أمن واستقرار العراق لإبقائه تحت رحمة الميليشيات التي تأتمر من طهران والدوحة بسبب تلقيها الدعم المباشر منها، ودفعت هذه المصيدة النظام القطري إلى إنفاق المليارات على الميليشيات المسلحة في العراق للتأثير على قرارها وتقسيم العراق الجريح بين شيعي تابع لإيران وسني تابع لقطر.

واستمرارا على نفس النهج أقنعت طهران النظام القطري بوجوب دعم جماعة الحوثي في اليمن، وضرورة إشعال الاقتتال ونشر الفوضى واستمرار الانقلاب باعتبار ذلك طريقا إلى السيطرة على اليمن من خلال جماعات الحوثي والقاعدة والإخوان، وأصبح المعتقد السائد لدى قطر وإيران أن إعادة الشرعية ستقود إلى وضع نهاية للمخططات القطرية الإيرانية في المنطقة.

ولا غرابة من أن الانقلاب الذي نفذته ميليشيات الحوثي كان نتيجة اتفاق سري بين طهران والدوحة، وخاصة بعد كشف دلائل مدعمة بوثائق نشرتها صحيفة الشرق الأوسط حول تورط الدوحة في إشعال حرب على الحدود الجنوبية للسعودية سنه 2009، حيت اشترك في هذه المؤامرة قطر وإيران وحزب الله والحوثيين، وتحدثت هذه الوثائق عن علاقة قطر بالميليشيات الحوثية في الفترة الممتدة من 2000 إلى 2013 و كذلك تدخلات قطر وإيران وحزب الله والأموال التي قدمتها الدوحة للحوثي تحت غطاء إعمار صعدة، وقد تبين أن الدوحة وطهران هما الأساس في تزويج الحوثي والمخلوع بعد العداوة التي استمرت أعوام بينهما، من أجل تعزيز قوة الطرف المعادي للسعودية ودول الخليج، ويؤكد ذلك وساطة الدوحة في الإفراج عن أعداد كبيرة من المعتقلين الحوثيين في سجون المخلوع.

ورغم الاختلافات السياسية بين الطرفين في الساحة السورية، غير أن النظام القطري استطاع الحفاظ على علاقة متينة مع نظام بشار الأسد رغم البروباغندا التي أظهرها ضد النظام السوري، وذلك عن طريق علاقته مع طهران وحزب الله الذي اعترف أمينه نصر الله في ديسمبر عام 2013 أن لدى حزبه خط مع دولة قطر رغم الخلافات السياسية، وقال: بقي خط بيننا وبين قطر دائما رغم أننا مختلفون في السياسة، وكشفت تقارير إخبارية لبنانية أن مسؤولا قطريا موفدا من أمير دولة قطر زار بيروت في نوفمبر 2013 حاملا رسالة من الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى حسن نصر الله، وتمحور الحديث حول ضرورة قيام الدوحة بخطوات عملية لأجل إظهار التغيير في الموقف من المحور الذي يضم حزب الله وسوريا وإيران، وتم الكشف فيما بعد عن خيانات قطرية برعاية إيران وأدواتها خاصة حزب الله ألحقت الضرر بالشعب السوري ودعمت قوات حزب الله وباقي أدوات عدم الاستقرار في سوريا خاصة بعد أن فقدت الدوحة الأمل من وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في دمشق، وتبين أن الدوحة أبدت استعدادها التام لتعزيز قوة نظام الأسد ماليا وإمداده بمعلومات مهمة عن المعارضة التي كانت تدعمها، وذلك بهدف إفشال الثورة السورية، كردة فعل من قطر على الدور السعودي في تحجيم جماعة الإخوان المسلمين المدعومة من قطر.

واستطاع الحرس الثوري تحويل الدوحة إلى مكتب تجسس على دول الخليج، واستعان بها في الحصول على المعلومات السرية والحساسة التي تطرح في اجتماعات دول الخليج، وخاصة تلك المتعلقة بعملية عاصفة الحزم، وقد تم مد جماعات الحوثي وصالح بمعلومات وخطط عسكرية سرية حساسة عن قوات التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن وهو ما يفسر نجاح قوات الانقلاب في استهداف قوات التحالف عدة مرات.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

15 أغسطس 2017