هناك جبهتان يتمحور حولهما جهد الدول والحكومات في مجال حماية الأمن الوطني. الجبهة الداخلية والجبهة الخارجية. وتتصل جبهة الداخل بأمور عديدة من بينها حماية أمن الوطن والمجتمع وتقوية البناء السياسي والحفاظ على عوامل التماسك والاتحاد ورفد مقومات النهوض بالمزيد من التحفيز لقيم الولاء والانتماء. أما الجبهة الخارجية فإنها تتصل بالاستعداد لمواجهة احتمالات التهديد الخارجي واستباق الأعداء بتحصين البلد وتكوين تحالفات وعلاقات خارجية تبين مدى قوة الوطن وحضوره في محيطه الإقليمي والعالمي.

المجتمع الإماراتي متحد مترابط منذ القدم بحكم الثقافة والدين واللهجة والتراث والجغرافيا

 وبالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فقد كان الطريق معبدا بالكفاح الذي أدى إلى تحقيق ما نعيشه اليوم من اعتزاز وفخر وسعادة واستقرار وثقة بالمستقبل.

خلفية تاريخية

لقد كان النفوذ الاستعماري الأجنبي في القرن الماضي أحد أبرز التحديات التي واجهتها المنطقة العربية، وكان الوجود الأجنبي عائقا يكبل الطموح نحو الاستقلال وبناء الهوية الثقافية المحلية وغيرها من العناصر التي تشكل ملامح الأمن القومي العربي بشكل عام. وكما نعرف فقد كان الاستعمار يغلب على الدول العربية، سواء في منطقة الخليج أم القرن الأفريقي أم شمال أفريقيا. إلا أن الاستعمار الفرنسي لشمال أفريقيا كان أكثر قسوة من حيث محو الهوية المحلية، وإحداث انفصام ثقافي لدى النخبة والمجتمع، لدرجة أن التعريب واستعادة الهوية كانت ولا تزال مهمة دائمة على جدول بعض المجتمعات التي تعرضت للاحتلال الفرنسي. بينما كان الوجود البريطاني من نصيب منطقة الخليج العربي، وكان بطبعه وجودا متحفظا يبحث عن مصالحه، ولم ينجح في إحداث تغييرات ثقافية لتهديد هوية الخليج. إلى جانب صلابة الهوية المحلية وعمق العادات والتقاليد الإماراتية الأصيلة التي مكنت المجتمع الإماراتي من الحفاظ على كينونة ثقافية صلبة وغير قابلة للتفتت. ومما ساعد على ذلك أيضا انتهازية الوجود البريطاني وعدم استعداده بالاحتكاك بالبيئة المحلية أو نشر التعليم. فكان استغلال الموانىء الجوية والبحرية هو الهدف الأول لدى البريطانيين في الخليج. ولذلك عندما حان وقت انتهاء النفوذ البريطاني، وجدت القيادة الحكيمة في الإمارات فرصة ذهبية لإعادة صياغة اللحمة الوطنية الإماراتية، على قاعدة التآزر الطبيعي الذي ظل يربط  بين أبناء الإمارات في كافة المراحل التاريخية.

بناء الاتحاد

على هذة الخلفية انطلق مؤسس الاتحاد الراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله في بناء أعمدة الأمن القومي للإمارات فور انتهاء النفوذ البريطاني. وشرع زايد في صياغة الكيان السياسي الاتحادي لمجتمع الإمارات الموحد ثقافيا وأسريا، والذي كان بحاجة لحكمة وفطنة سياسية لترسيخ قواعد الاتحاد بشكله الجديد الذي نتج عنه ولادة كيان دولة الإمارات العربية المتحدة. أما المجتمع الإماراتي فقد كان متحدا ومترابطا منذ القدم بحكم الثقافة والدين واللهجة والتراث والجغرافيا الواحدة، لكنه كان بحاجة لدولة حديثة تقوم بتمثيله وحمايته وفقا لأرقى هيكلية مؤسسية معمول بها في العصر الراهن. وهذة الخطوة المفصلية تحمل مسؤوليتها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإلى جواره حكام الإمارات الذين كانوا عند مستوى الحدث بإدراكهم لأهمية بناء الدولة التي توحد الإماراتيين وتمنحهم العزة والمجد.

إن أبرز مثال على الوعي المبكر بأهمية مراعاة مستقبل الأمن القومي الإماراتي، القيام بتوحيد القوات المسلحة الإماراتية، والتي تعد بالنسبة لخطوات بناء وتسييج الأمن القومي الإماراتي الخطوة الأكثر أهمية وحيوية على طريق حماية كيان منجز الدولة الاتحادية. وتم توحيد القوات البرية والبحرية والجوية تحت قيادة واحدة وعلم واحد في السادس من مايو 1976م.

أهم التحديات

كانت التحديات التي تواجه الأمن القومي الإماراتي تندرج في أهميتها وخطورتها مع تزايد الأعباء ونضج البناء المؤسسي وتشابك العلاقات الدولية وحجم ما يتوقعه الآخرون من الإمارات. في بداية تكوين الدولة كانت التحديات تتصل بمعالجة البديهيات الضرورية، وتحمل الشيخ زايد مسؤولية التأسيس الذي تبلور مع مرور الوقت إلى ما نعيشه اليوم من انتقال كبير من زمن مواجهة التحديات الأساسية إلى زمن صناعة التفوق واستباق التحديات المستقبلية ووضع حلول أمنية وعسكرية احترازية لوقف الأخطاء المتوقعة نهائيا قبل وقوعها. وعندما نتأمل الأبعاد الاقتصادية والجوانب المتعلقة برفاهية المواطن وتعليمه وصحته وحماية أمنه وتوفير الوظائف والمساكن الراقية للأجيال المتلاحقة، لابد أن هذة التحديات الداخلية تلتقي من حيث المضمون مع المفهوم العام الشامل للأمن القومي الإماراتي. لأن الدول التي فشلت في توفير هذة المنظومة الحياتية الضرورية منذ وقت مبكر، واجهت بعد ذلك اشكالات بلغت حالة من التدهور والفوضى أوصلت بعض المجتمعات إلى الانهيار الشامل. فحدث التفكيك الذي نشاهده في وسائل الإعلام. وكل ما يحدث في العالم من حولنا يثبت لنا أن خيارات القيادة الإماراتية كانت على صواب، وإن العمل من أجل المستقبل كان منهج القيادة منذ أن تم وضع اللبنات الأولى للدولة الاتحادية.

داخليا

وفي إطار حماية الجبهة الداخلية وعدم السماح لخفافيش الظلام بالإضرار بمكتسبات الاتحاد، وقف الشعب الإماراتي مع القيادة في الخطوات الاستباقية التي تم اتخاذها بحق العناصر التخريبية الظلامية التي تتبع التنظيم الدولي الإرهابي. وتم وضع حد قانوني ملائم لتلك الشرذمة التي كانت ترضع الخيانة منذ أن استسلمت للفكرالدخيل المتطرف و سمحت له بالتسلل إلى عقول أفرادها. و شهدنا جميعا استنكار أبناء الإمارات للنوايا الشريرة التي كان يحملها أولئك الذين تخلوا عن مشاعر الولاء و الانتماء لوطنهم. و فشل المخطط التخريبي و نجحت الإمارات بفضل الوعي الوطني الراقي في الحفاظ على مسيرة التنمية.

خارجيا:

أما على المستوى الخارجي فإن مشاركات القوات المسلحة الإماراتية غنية و متعددة، و قواتنا المسلحة ذات حضور يعبر في المناسبات و المشاركات المتعددة عن مدى تطورها واستطاعتها تشكيل ذراع عسكري لحماية الأمن القومي الإماراتي، والمساهمة في تعزيز السلم العالمي. وفي أجندة الإمارات مشاركات عسكرية خارجية تمثل شهادات متكررة على الثقل الذي تتمتع به بلادنا في المجتمع الدولي، وعلى عظمة الدور العسكري والإنساني لجيش الإمارات، لأن الدور الإنساني في عقيدة قوات الإمارات لا ينفصل عن الأهداف الاستراتيجية المتعلقة بحماية الأمن القومي.

ومن منطلق الثقة بمتانة الجبهة الداخلية، انطلقت الإمارات منذ اواخر السبعينيات في مشاركات عسكرية خارجية اقتضتها الظروف الدولية. بدءا بالمشاركة في قوات الردع العربية في لبنان أثناء الحرب الأهلية 1976م-1979م، مرورا بحرب تحرير الكويت 1991-1990م، ثم عملية إعادة الأمل في الصومال 1993م-1994م، وأعقبها المشاركة ضمن عملية الأيادي البيضاء في كوسوفا 1999م، ومساهمات أخرى في لبنان وأفغانستان وباكستان وليبيا. بالإضافة إلى مهام عسكرية إماراتية دائمة في حماية الوطن والخليج وتأمين الملاحة العالمية، والشراكة الأساسية في الحرب الدولية ضد الإرهاب. وأخيرا، المشاركة العسكرية الإماراتية الفاعلة والرئيسة ضمن قوات التحالف العربي في اليمن لدعم الحكومة الشرعية اليمنية ودحر الحوثيين الذين يتحركون لتخريب جنوب الجزيرة العربية بدعم إيراني فارسي.

إن هذا الحضور العسكري القوي والمؤثر للقوات المسلحة الإماراتية إنما يعكس التفوق على الذات والتطور الذي حدث في استراتيجية حماية الأمن القومي الإماراتي. فعندما نعلم أن قواتنا أصبحت تمتلك قواعد عسكرية متقدمة في منطقة القرن الأفريقي، فإن هذة الرسالة تشير بوضوح إلى أن للإمارات ذراعا قوية وقادرة على الوصول إلى أي مكان للقيام بخطوات  استباقية لحماية الامن القومي. لذلك نفخر بقواتنا المسلحة ونثق دائما بابطالنا.

بقلم: د. سالم حميد

تم نشر هذه المقالة في ص ١٣٠ من العدد الرابع من مجلة الدفاع الوطني الصادرة عن كلية الدفاع الوطني وهي مجلة سنوية استراتيجية

لمشاهدة المقالة في المجلة يرجى الضغط على الرابط التالي: مجلة الدفاع الوطني العدد ٤ ص ١٣٠