يبقى الخاسر الأكبر في الاتفاق النووي المبرم بين إيران والمجموعة الدولية 5+1 في عام 2015 هو الشعب الإيراني، والجديد هو كبش الفداء الذي سيكون هذه المرة فريق عمل روحاني، فكما سقط نجاد في مستنقع الفساد فإن روحاني سيسقط في بئر فشل إدارة البلاد.

ومنذ عقد الاتفاق النووي طرحت العديد من التساؤلات التي على ما يبدو أخذت تتزايد هذه الأيام بعد البدء بعملية ترجمة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول الاتفاق النووي مع إيران إلى أرض الواقع، وفتح المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة لموضوع ضرورة تفتيش المواقع العسكرية الإيرانية وخاصة “بارشين” المثير للجدل للتأكد من التزام طهران ببنود الاتفاق النووي، وهذا بالتأكيد هو بداية تنفيذية لسياسات ترامب تجاه الاتفاق النووي الذي وصفه بالسيء وتوعد بإلغائه أو على الأقل إعادة التفاوض عليه مرة ثانية وهو ما رفضته إيران جملة وتفصيلا.

لقد أراد النظام الإيراني لهذا الاتفاق أن يتم رغم أنه يعلم جيدا أنه لن يلتزم ببنوده، وأنه سيبقي على أنشطة عسكرية سرية، ما سيقود إلى إفشال هذا الاتفاق، لكن عامل شراء الوقت بالتفاوض ومن ثم الاتفاق سيسهل عليه هذه المهمة وسيرفع جزءا من العقوبات الدولية التي ساقت البلاد إلى هاوية الفقر والبطالة، كما أن الاتفاق مع الغرب وخاصة الشيطان الأعظم ستكشف زيف الملالي في طهران وخداعهم للشعوب الإيرانية والعربية والإسلامية بمقارعة الاستكبار، فقدم النظام الإيراني حسن روحاني كبش فداء مقابل رئاسة إيران لدورتين متتاليتين، وحوله إلى إصلاحي ليجد قاعدة شعبية وسياسية تقف معه في إقناع الشعوب بضرورة الاتفاق النووي رغم المشادات مع رموز التيار الأصولي والحرس الثوري، حتى يتم تعليق أي خلل مستقبلي بالاتفاق بفشل روحاني لإدارة البلاد.

وليس كما يظن البعض أن “نيكي هيلي” هي البادئة في إثارة الشكوك حول النوايا الإيرانية ومدى التزام طهران ببنود الاتفاق، بل إن هذه الشكوك موجودة من قبل، ودعا العديد من الخبراء ومنهم رئيس معهد العلوم والأمن الدولي “ديفيد أولبرايت” و”أولي هينونين” الرئيس السابق لعمليات التفتيش النووية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة وغيرهم إلى ضرورة تفتيش المواقع العسكرية الإيرانية وخاصة موقع بارشين وتأكيدهم أن الوكالة الدولية لا تملك الأدوات الكافية للتأكد من التزام إيران بعدم صناعة سلاح نووي، غير أن إدارة أوباما المتهربة من الأزمات غضت الطرف عن مثل هذه الدعوات.

استبقت طهران هذه التحركات بالإعلان القاطع عن عدم السماح بتفتيش المواقع العسكرية الإيرانية، وجاء ذلك في تاريخ 7 أغسطس الشهر الجاري على لسان “علي حاجي زاده” قائد القوات الجو فضائية الصاروخية التابع للحرس الثوري والذي أكد أن بلاده لن تسمح للغرب بتفتيش مراكزها العسكرية، وهذا يعني أن إيران كانت على يقين من أن الشكوك تجاهها ستتحول إلى مطالب إلزامية للتأكد من مصداقية النظام الإيراني في الالتزام بالاتفاق النووي، وسارع أيضا جواد ظريف بإرسال رسالة إلى أمانو يحذره فيها من الإنعكاسات السلبية لزيارة “هيلي” إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الاتفاق النووي.

وعلى ما يبدو فإن المعلومات الخاصة بعزم الإدارة الأميركية على تفتيش المواقع العسكرية الإيرانية قد سربها لطهران المجلس الوطني الأميركي الإيراني (ناياك) الذي أصدر بيانا في يوليو الماضي اعتبر فيه أن مشروع طلب تفتيش المراكز العسكرية الإيرانية الحساسة هو مؤامرة ينفذها ترامب من أجل خلق الأزمات وتبرير الخروج من الاتفاق النووي وذلك حسب ما نشرته الصحف الإيرانية.

وبعد التصريح الأميركي بضرورة تفتيش المواقع العسكرية الإيرانية، سيجد حماة النظام الإيراني من زمرة الحرس الثوري والأصوليين المتشددين الفرصة لتشديد الهجوم على روحاني وحكومته الجديدة التي منحها الثقة مجلس الشورى قبل عدة أيام، وستكون التحركات الأميركية تجاه الاتفاق النووي وقودا للصراع الداخلي الذي يديره خامنئي من الأعلى، ولكن الأهم أن ما ستفعله الولايات المتحدة سيزيد من يأس الشعوب الإيرانية في تحسن الأوضاع بعد فرض المزيد من العقوبات على البلاد، وستعمل على توسيع الفجوة بين الشعوب والسلطات الإيرانية، وخاصة إذا وصل الأمر إلى اضطرار الولايات المتحدة توجيه ضربة عسكرية لإيران، لا سيما بعد الاعتراف الإيراني الأخير بأن طهران خدعت المجتمع الدولي ولم تزل المفاعل النووي في أراك وتصب مكانه الإسمنت كما كانت قد أعلنت، وقد جاء هذا الاعتراف للتو على لسان رئيس الطاقة الذرية الإيراني علي أكبر صالحي الذي قال إنه لم يتم وضع الإسمنت، وما تم نشره هو عبارة عن فوتوشوب.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

24 أغسطس 2017